الإعلام الجهوي بين مطرقة "التمييع" وسندان "الصمت المؤسساتي"
بقلم: محمد المخطاري
لم يعد خافياً على المتتبع للشأن المحلي بجهة بني ملال–خنيفرة، ذلك الانحدار المقلق الذي يشهده المشهد الإعلامي الجهوي. فبعد أن كان يُفترض في "الجهوية المتقدمة" أن تفرز نخبة إعلامية تواكب التنمية وتراقب السياسات العمومية، وجدنا أنفسنا أمام "سوق مفتوحة" استباحها الدخلاء ومنتحلو الصفة، في ظل صمت مريب من المؤسسات الدستورية والجهات الوصية.
إن ما يحدث اليوم في اللقاءات الرسمية والأنشطة العمومية من "هجوم" لأشخاص لا تربطهم بالصحافة إلا "الرغبة في الظهور" أو "البحث عن الغنيمة"، هو ضرب في العمق لهيبة مهنة المتاعب. هؤلاء الذين يقتحمون المؤسسات الدستورية دون أن يجرؤ أحد على سؤالهم: "من أنتم؟ ومن تمثلون؟"، يسيئون أولاً للمؤسسة التي تستقبلهم، وثانياً للجسم الصحفي المهني الذي أصبح يجد نفسه "مقصياً" وسط ضجيج "المؤثرين" الوهميين.
لقد تحولت "الصورة مع المسؤول" من توثيق لحدث، إلى صك غفران يمنحه بعض المسؤولين (سواء عن جهل أو عن قصد) لهؤلاء الدخلاء، مما يكرس واقعاً هجيناً يفتقد لأدنى معايير الاستقلالية والمصداقية. إن هذا "التلميع المتبادل" يقتل روح النقد البناء، ويحول الإعلام من "سلطة رابعة" إلى "أداة تأثيث" تخدم مصالح ظرفية ضيقة.
إن المسؤولية اليوم مشتركة، لكنها تقع بالدرجة الأولى على عاتق السلطات العمومية والمؤسسات المنتخبة التي تفتح أبوابها دون تدقيق في "البطاقة المهنية" أو "ملاءمة المنابر". إن التساهل في تطبيق القانون (خاصة الفصل 115 من قانون الصحافة والنشر) هو بمثابة تواطؤ غير مباشر في تمييع المشهد.
ولأن "الحق لا يُعطى بل يُؤخذ"، فإن الكرة الآن في مرمى الصحفيين المهنيين. لقد حان الوقت للانتقال من "التذمر الصامت" إلى "الفعل القانوني". إن المبادرة لرفع شكايات رسمية للمسؤولين المعنيين ليست مجرد خيار، بل هي واجب مهني وأخلاقي لحماية المهنة من الاندثار.
إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى "فرز مهني" حاسم. فلا يستوي الذين يعرقون في سبيل الخبر الصادق، والذين يتربصون بالموائد واللقاءات من أجل صورة عابرة أو مصلحة زائلة. إن استرجاع هيبة الإعلام الجهوي يبدأ من "تطهير" البيت الداخلي، وفرض سيادة القانون داخل القاعات العمومية قبل خارجها.










.png)