مغرب بسرعتين.. سؤال برلماني يكشف العزلة الرقمية بإقليم بني ملال ويضع شركات الاتصالات أمام مسؤولياتها
مغرب بسرعتين.. سؤال برلماني يكشف العزلة الرقمية بإقليم بني ملال ويضع شركات الاتصالات أمام مسؤولياتها
أطلس 24 | متابعة
في الوقت الذي يراهن فيه المغرب على تسريع وتيرة التحول الرقمي، وتوسيع استعمال التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، لا تزال ساكنة عدد من الجماعات والدواوير بإقليم بني ملال تعيش على وقع ضعف التغطية الهاتفية، وتردي خدمات الإنترنت، والانقطاعات المتكررة لشبكات الاتصالات، في مفارقة تطرح تساؤلات جدية حول العدالة المجالية، ومدى التزام شركات الاتصالات بتوفير خدمات تستجيب لحاجيات المواطنين، خاصة بالمناطق القروية والجبلية.
وعادت هذه الإشكالية إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما وجهت النائبة البرلمانية مريم وحساة، عن فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب بإقليم بني ملال ، سؤالاً كتابياً إلى وزير الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، بتاريخ 28 أكتوبر 2026، بشأن انعدام التغطية بشبكات الاتصالات والإنترنت وضعف جودتها بعدد من الجماعات والدواوير التابعة لإقليم بني ملال.
وأكدت البرلمانية، في سؤالها، أن الولوج إلى شبكات الاتصالات والإنترنت أصبح من الركائز الأساسية لتحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق الرقمية، بالنظر إلى الأدوار المتزايدة لهذه الخدمات في التعليم والصحة والإدارة والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، مشيرة إلى أن استمرار ضعف التغطية أو انعدامها يحرم فئات واسعة من المواطنين من الاستفادة الفعلية من فرص التنمية الرقمية.
وسجلت الوثيقة البرلمانية أن عدداً من الجماعات والدواوير بإقليم بني ملال لا يزال يعاني من العزلة الرقمية، نتيجة الانعدام التام للتغطية في بعض المناطق، وضعف صبيب الإنترنت في مناطق أخرى، فضلاً عن الانقطاعات المتكررة التي تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للساكنة، وتحد من قدرتها على التواصل والاستفادة من الخدمات الرقمية الأساسية.
ولا تتوقف تداعيات هذه الوضعية عند حدود تعذر إجراء المكالمات الهاتفية أو صعوبة تصفح الإنترنت، بل تمتد إلى مجالات حيوية ترتبط بمصالح المواطنين، من قبيل متابعة الدراسة، والاستفادة من الخدمات الإدارية الإلكترونية، والتواصل مع المؤسسات الصحية، وإنجاز المعاملات المهنية والتجارية، خصوصاً في المناطق التي أصبحت فيها الوسائل الرقمية ضرورة يومية وليست مجرد خدمة إضافية.
وفي هذا السياق، تتزايد تساؤلات المواطنين بشأن مسؤولية شركات الاتصالات التي تستخلص مقابلاً مالياً نظير خدمات يفترض أن تستجيب لمعايير الجودة والاستمرارية، بينما يجد بعض المشتركين أنفسهم، وفق الشكايات المعبر عنها، أمام صعوبات متكررة في الحصول على تغطية مستقرة أو صبيب إنترنت يسمح بالاستعمال العادي.
وتطرح هذه المعطيات إشكالية العلاقة بين حقوق المستهلكين والتزامات الفاعلين في قطاع الاتصالات، ومدى فعالية آليات المراقبة والتتبع المعتمدة لضمان جودة الخدمات، خاصة في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية.
وتزداد حدة الانتقادات الموجهة إلى تدبير هذا الملف في ظل الحديث عن مراسلات وشكايات متكررة وجهها متضررون إلى الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، باعتبارها الهيئة المكلفة بتنظيم القطاع ومراقبة احترام الفاعلين لالتزاماتهم، دون أن يلمس المشتكون، بحسب تصريحاتهم، تحسناً ملموساً في مستوى الخدمات.
وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول مآل هذه الشكايات، والإجراءات المتخذة لمعالجتها، ومدى تفعيل المقتضيات التنظيمية المتعلقة بجودة الخدمة والتغطية، فضلاً عن مسؤولية الشركات المعنية في إصلاح الأعطاب وتطوير تجهيزاتها واستثماراتها بالمناطق التي تعاني من الخصاص.
فكيف يمكن الحديث عن تعميم الإدارة الرقمية وتطوير الخدمات الإلكترونية، في وقت يجد فيه مواطنون صعوبة في إجراء مكالمة هاتفية عادية؟ وكيف يمكن تشجيع التعليم الرقمي وريادة الأعمال والتجارة الإلكترونية بالمجالات القروية، بينما يظل الولوج إلى شبكة الإنترنت غير مضمون في عدد من المناطق؟
إن استمرار هذه الاختلالات، وفق ما تثيره المبادرة البرلمانية، يهدد بتوسيع الفجوة بين المجالات الحضرية والقروية، ويجعل التحول الرقمي يسير بسرعتين مختلفتين: سرعة تستفيد منها المناطق المتوفرة على بنيات اتصالات متطورة، وأخرى تعاني فيها الساكنة من ضعف الشبكات أو غيابها، بما يحد من فرص الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا الإطار، طالبت النائبة البرلمانية مريم وحساة بالكشف عن التدابير والإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها، بتنسيق مع الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات وشركات الاتصالات المعنية، لمعالجة مشكل الانعدام التام للتغطية بعدد من دواوير وجماعات إقليم بني ملال، وتحسين جودة الخدمات بالمناطق المتضررة.
كما دعت إلى توضيح الخطوات المرتقبة للرفع من صبيب الإنترنت، والحد من الانقطاعات المتكررة، والكشف عن الإجراءات التي ستعتمدها الوزارة لإلزام شركات الاتصالات باتخاذ التدابير التقنية والاستثمارية اللازمة لتحسين خدماتها، وفق الالتزامات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.
وشمل السؤال البرلماني أيضاً الاستفسار عن موقع إقليم بني ملال ضمن البرامج والمخططات الرامية إلى تطوير البنيات التحتية للاتصالات، بما يضمن الحد من العزلة الرقمية التي تعاني منها بعض المناطق، ويتيح لساكنتها الاستفادة من الخدمات الرقمية على قدم المساواة مع باقي المواطنين.
وتكتسي هذه المطالب أهمية خاصة بالنسبة لجهة بني ملال خنيفرة، التي تضم مجالات قروية وجبلية واسعة، وتواجه تحديات مرتبطة بفك العزلة وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، حيث لم يعد الربط بشبكات الاتصالات مسألة تقنية معزولة، بل أصبح جزءاً من متطلبات التنمية الترابية والإنصاف المجالي.
كما يفرض هذا الملف ضرورة الانتقال من معالجة الشكايات بشكل فردي إلى اعتماد مقاربة شمولية تقوم على تشخيص دقيق للمناطق غير المغطاة، وتحديد مستوى جودة الخدمات المقدمة، ووضع برامج استثمارية واضحة ومحددة الآجال، مع إرساء آليات للتتبع والتقييم وإخبار المواطنين بمآل التدخلات المبرمجة.
وفي انتظار جواب الوزارة المعنية عن السؤال البرلماني، تبقى الأنظار متجهة إلى شركات الاتصالات والجهة التنظيمية المشرفة على القطاع، لمعرفة طبيعة الإجراءات العملية التي يمكن اتخاذها لإنهاء معاناة الساكنة وضمان استفادتها من خدمات تتناسب مع الالتزامات المعلنة والتكاليف التي تتحملها.
فالمواطن الذي يؤدي مقابل خدمة اتصالات لا يطالب بامتياز استثنائي، وإنما بخدمة فعلية ذات جودة مقبولة، وبحقه في التواصل والاستفادة من الإمكانات التي يوفرها التحول الرقمي.
ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه القضية بإلحاح: إلى متى ستظل بعض دواوير وجماعات إقليم بني ملال خارج التغطية الرقمية الفعلية، ومن يتحمل مسؤولية ضمان احترام شركات الاتصالات لالتزاماتها تجاه المواطنين؟
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتوسيع الشبكات ورفع صبيب الإنترنت، بل بضمان ألا يتحول التفاوت في جودة الاتصال إلى شكل جديد من أشكال الإقصاء المجالي والاجتماعي، في مغرب يطمح إلى جعل الرقمنة رافعة للتنمية الشاملة، لا امتيازاً مرتبطاً بمكان الإقامة.
أطلس 24 – جهة بني ملال خنيفرة









.png)
