بني ملال-خنيفرة: التجمع الوطني للأحرار حين يسقط "قائد السفينة" وتتبخر التقارير الوردية



بني ملال-خنيفرة: التجمع الوطني للأحرار حين يسقط "قائد السفينة"

وتتبخر التقارير الوردية




 

محمد الشكدالي

 

تكشف المعطيات الصادمة التي أفرزتها الاستحقاقات التشريعية الأخيرة بجهة بني ملال-خنيفرة عن حقيقة تنظيمية لا تقبل المواربة خاصة على مستوى حزب التجمع الوطني للأحرار: لقد ارتكب الحزب خطيئة سياسية كبرى حين استجاب لتقديرات واهية، وأقدم على تفكيك هرم التنسيق والتنظيم الذي كان له الفضل المباشر في هندسة صدارة المشهد السياسي بمختلف أقاليم الجهة الخمسة.

إن التصدع الذي يعيشه البيت التجمعي اليوم ليس مجرد تراجع عابر، بل هو انهيار مدوٍ لخيار تنظيمي أثبتت صناديق الاقتراع عقمه، وتتجلى ملامحه في حقائق رقمية وميدانية دامغة:

سقوط المنسق الجهوي: رمزية الهزيمة بالأرقام الفاضحة

ليس هناك دليل أبلغ على عمق الكارثة من عجز المنسق الجهوي خالد المنصوري المعيّن خلفا لعبد الرحيم شطبي، عن حجز مقعد نيابي في دائرة انتخابية مفتوحة تتسع لستة مقاعد كاملة. فالرجل لم يحصد سوى قرابة 4100 صوت؛ وهو رقم مخجل بكل المقاييس السياسية، لا يعكس فقط عزلة المرشح، بل يمثل سقوطاً حراً لحزب كان يسجل هذا الرقم أو يتجاوزه في نفوذ جماعة ترابية واحدة.

وتزداد فداحة هذا الرقم حين يُقارن برصيد الحزب وقوته الانتخابية الميدانية في الدائرة؛ إذ كان الحزب يقود 8 جماعات ترابية من أصل 22، ويمتلك قاعدة صلبة قوامها 155 مستشاراً جماعياً، وكان قد ظفر في الاستحقاقات التشريعية السابقة بأكثر من 35 ألف صوت.

 إن تبخر هذا الخزان الانتخابي الهائل، وعجز "قائد المرحلة" و التي وصفته أحد المنابر الاعلامية المحلية بـ "ميسي الانتخابات" حتى عن تأمين أصوات مستشاريه وقواعده، لا يمثل إخفاقاً شخصياً فحسب، بل هو حكم ميداني وشعبي صريح على إفلاس الخيار التنظيمي برمته، وبرهان قاطع على الرفض الجماهيري لفرض أسماء معزولة عن النبض الحقيقي للمنطقة.

زيف الصورة المنقولة وتغييب صوت الميدان

إن المنعرج الحقيقي الذي قاد إلى هذه النكسة يعود إلى الركون لتقديرات مكتبية معزولة عن الواقع؛ حيث جرى رسم لوحات وردية وتقديم قراءات مريحة اعتمدت على مقربين مصلحيا محصورة العدد من قبيلة " دون كيشوت " التي حجبت ما كان يغلي في العمق.

لقد جرى التغاضي عن مقتضيات الشفافية والمسؤولية في نقل المعطيات الحقيقية للقواعد، واستُبدل التقييم الموضوعي بانطباعات موجهة بررت إبعاد الطاقات التي صنعت ريادة الحزب ونسجت تحالفاته الرصينة. والنتيجة كانت تنويماً مغناطيسياً للقرار المركزي، تلاه استيقاظ صادم على وقع فقدان معاقل تاريخية وهدر رصيد انتخابي كان كفيلاً بضمان المقعد بأريحية تامة.

تبديد التراكم وهدم توازنات الأقاليم

لقد أثبتت التجربة أن قيادة المشهد في جهة بني ملال-خنيفرة لا تُدار بالقرارات الفوقية، بل بمعرفة دقيقة بحساسيات السهل والجبل، وشبكات الثقة التي تم بناؤها لسنوات في بني ملال والفقيه بن صالح وأزيلال وخنيفرة وخريبكة. وكان الإقدام على تكسير ذلك التراكم دون بدائل حقيقية بمثابة تقديم هدايا مجانية للخصوم السياسيين، الذين استثمروا هذا التخبط وأعادوا رسم الخريطة لصالحهم بعدما تحول خزان الحزب من قوة ضاربة تتجاوز 35 ألف صوت إلى حصيلة لا تتعدى عتبة الـ 4100 صوت.

عدوى العشوائية تسقط الأقاليم.. والنجاة بالعصامية الفردية

لم تتوقف ارتدادات هذا التخبط والرعونة التدبيرية عند حدود دائرة التنسيق، بل امتدت كالنار في الهشيم لتعصف بجل أقاليم الجهة؛ حيث سقطت أغلب الوجوه المعروفة بعدما تُركت لمصيرها في مواجهة عواصف المنافسة بلا إسناد ولا رؤية جامعة. ولم ينجُ من مقصلة السقوط في الجهة بأكملها إلا استثناءان فرضا نفسيهما بفضل امتدادهما الشخصي وشبكاتهما الذاتية:

السيد صالح حنين في دائرة الفقيه بن صالح (المتنافسة على 4 مقاعد)، الذي انتزع مقعده بفضل رصيده المحلي وعلاقاته المباشرة بالساكنة وعصاميته الميدانية.

السيد رشيد المنصوري في دائرة أزيلال-دمنات (المتنافسة على 3 مقاعد)، الذي نجح بدوره في التحصن بحاضنته الشعبية وقوة حضوره الذاتي في محيطه.

لقد أكد هذان الاستثناءان قاعدة ساطعة: حينما تخلت الماكينة المركزية عن دورها وغرقت في العشوائية، نجا فقط من كان يمتلك شرعية الميدان ورصيد الثقة الخاص، بينما هوى باقي المرشحين ضحية حسابات التسيير الكارثي.

مهزلة التزكيات: التضحية بالمناضلات وسقوط الحصون المضمونة

تجلت الكارثة العظمى وسوء التقدير الفاضح على مستوى هندسة الترشيحات والاختيارات؛ ولعل الفضيحة الأبرز تمثلت في تزكية وكيلة اللائحة الجهوية المخصصة للنساء، حيث تم القفز بشكل غير مفهوم على كفاءات الحزب وتضحيات مناضلاته، وتفضيل شابة غير معروفة على صعيد الحزب ، على حساب وجوه أثبتت جدارتها في الميدان، وفي مقدمتها نوال الناصيري نائبة رئيس المكتب الجهوي للشبيبة التجمعية وعضوة بلدية خنيفرة، المناضلة الحاضرة في معارك القرب.

هذا العبث في التقدير لم يكن معزولاً عن الصدمة المدوية التي شهدها إقليم خنيفرة ذاته؛ إذ سقط المقعد النيابي المحلي الذي كان يُعد تاريخياً "المقعد المضمون" للحزب بحكم تغطيته الكاملة للدوائر الترابية والانتخابية. فكيف يُعقل أن يُهدر مقعد مضمون ويُضحى بطاقاته الفاعلة لصالح خيارات هجينة ومفاجئة، إلا إذا كان الأمر يتعلق بعمى تنظيمي مكتمل الأركان؟

إن ما جرى بجهة بني ملال-خنيفرة لم يكن قدراً انتخابياً محتوماً، بل كان نتيجة حتمية لنهج أقصى أصحاب الفضل والتراكم، وغلّف الفشل بتقارير وردية كاذبة. واليوم، وبعد أن قالت الصناديق كلمتها وأسقطت المنسق ومعه رهان المرحلة، يجد الحزب نفسه أمام استحقاق المحاسبة الصارمة: إما استئصال جذور هذا التخبط التدبيري والاعتراف بفداحة الخطيئة، أو القبول بتحول القوة الأولى بالجهة إلى مجرد ذكرى انتخابية في قادم الاستحقاقات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق