‏إظهار الرسائل ذات التسميات رأي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رأي. إظهار كافة الرسائل

فاجعة آيت امديس: عندما يسقط سقف "التهميش" على رؤوس البسطاء




لم تكن الصرخة التي انطلقت من دوار "أيت مديوال" بجماعة آيت امديس مجرد صرخة فقدان لسيدة رحلت تحت الأنقاض، بل كانت "هزة إنذار" جديدة تضرب جدار الصمت المحيط بمنظومة التعمير في أعالي جبال إقليم أزيلال. إن انهيار سقف إسطبل فوق رؤوس قاطنيه ليس مجرد حادث عرضي تسببت فيه عوامل الطبيعة، بل هو تجسيد حي للفراغ القاتل بين ترسانة قانونية معقدة وواقع جغرافي واجتماعي ممعن في القسوة.

ثنائية "القانون الجامد" و"الواقع الهش"

إن أول ما تسائله هذه الفاجعة هو "قانون التعمير" المغربي، الذي ما زال في كثير من بنوده يتعامل مع "الدوار" في قمة الجبل بنفس المنطق الذي يتعامل به مع "الحي" في قلب الدار البيضاء. إن اشتراط تصاميم هندسية مكلفة ومساطر إدارية ماراثونية للحصول على رخصة إصلاح إسطبل أو ترميم بيت طيني في منطقة نائية، هو دفع صريح للمواطن نحو "مغامرة" البناء العشوائي أو التعايش مع خطر الموت تحت الأسقف المتآكلة.

الجرح الذي لم يندمل بعد الزلزال

لا يمكن قراءة حادثة آيت امديس بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه مناطق الأطلس بعد زلزال الحوز. فالعديد من البنايات التي صمدت في وجه الزلزال أصيبت بتصدعات "صامتة" لم يتم تشخيصها تقنياً. ومع توالي التساقطات المطرية والثلجية، تصبح هذه التصدعات ثغرات قاتلة. الحادثة تؤكد أن الحاجة لم تعد تقتصر على إعادة الإعمار، بل إلى خريطة مخاطر دقيقة لكل بناية في العالم الجبلي، سواء كانت للسكن أو لتربية الماشية.

المسؤولية المشتركة: من المركز إلى الجماعة

إن تحميل المسؤولية للطبيعة أو لقدم البناء هو نوع من "الهروب إلى الأمام". المسؤولية هنا تقع على عاتق:

1. المشرع: الذي لم ينتج حتى الآن قانوناً خاصاً بالتعمير القروي يراعي الخصوصية "المجالية" والقدرة الشرائية للساكنة.

2. المجالس الجماعية: التي تجد نفسها بين مطرقة تطبيق القانون الصارم وسندان واقع اجتماعي يفرض غض الطرف عن إصلاحات ضرورية يقوم بها المواطن لحماية نفسه.

3. المصالح التقنية: الغائبة عن تقديم التأطير والمشورة المجانية لساكنة الجبال حول كيفية استخدام المواد المحلية (الطين والحجر) بطرق هندسية آمنة.

نحو "عقد تعمير" جديد للجبل

إن إنصاف ضحايا "آيت امديس" وغيرها من المداشر النازفة، لا يكون فقط بتقديم التعازي، بل بإقرار ثورة إدارية في منظومة البناء القروي:

• إقرار "رخصة الترميم المبسطة" التي تمنح مجاناً وبمعاينة تقنية بسيطة.

• تفعيل المساعدة المعمارية المجانية بشكل دائم في المناطق الجبلية.

• اعتبار "الإسطبل" جزءاً لا يتجزأ من أمان السكن القروي، وليس مجرد ملحق ثانوي، ففيه يكمن مورد رزق الساكنة وأحياناً قدرهم المحتوم.

ختاماً، إن سقف الإسطبل الذي انهار في آيت امديس هو تذكير بأن التهميش في الجبل له تكلفة باهظة تُدفع من أرواح المغاربة. فهل ننتظر فاجعة أخرى لندرك أن قوانيننا تحتاج إلى "نزول" من المكاتب المكيفة إلى وعورة الجبال؟


المغرب ومجلس السلام العالمي: عندما تفرض "الدبلوماسية الهادئة" منطق الكبار

 


المغرب ومجلس السلام العالمي: 

عندما تفرض "الدبلوماسية الهادئة" 

منطق الكبار


بقلم: محمد المخطاري

في عالم تتقاذفه أمواج النزاعات، وتتغير فيه موازين القوى بسرعة البرق، تأتي دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، للمشاركة في تأسيس "مجلس السلام" لتضع النقاط على الحروف. هي ليست مجرد دعوة ديبلوماسية بين حليفين، بل هي شهادة اعتراف دولية بأن المغرب لم يعد مجرد فاعل إقليمي، بل أضحى "مهندساً" سيادياً لا غنى عنه في صياغة الحلول الكبرى.

الهروب من "الأوحال" نحو القمة

لطالما حاولت بعض الأطراف، بدافع الحقد أو ضيق الأفق، جرّ المغرب إلى صراعات هامشية ومعارك بئيسة تهدف إلى استنزاف طاقاته وتعطيل مساره التنموي. لكن الجواب المغربي كان دائماً يأتي من "فوق": ترفعٌ عن الصغائر، وتركيزٌ على الاستراتيجيات الكبرى. قبول جلالة الملك لهذه الدعوة هو الرد العملي والأقوى؛ فبينما يغرق البعض في "أوحال" الاستهدافات الحقيرة، يتربع المغرب في منصة صناع القرار العالمي، ثابتاً على مواقفه، واثقاً من خطواته.

لماذا المغرب؟ ولماذا الآن؟

اختيار المغرب كشريك مؤسس لمبادرة تهدف لتسوية النزاعات في الشرق الأوسط والعالم ليس وليد الصدفة، بل يرتكز على ركائز صلبة:

1. المصداقية التاريخية: المغرب هو الدولة التي تمسك بزمام الأمور برصانة، والملك محمد السادس، بصفته رئيساً للجنة القدس، يمتلك "الشرعية الروحية" والسياسية التي تجعل منه طرفاً موثوقاً في أعقد ملفات المنطقة.

2. الواقعية والجواب الاستراتيجي: الحضور المغربي مع "الكبار" يثبت أن الكبير يبقى كبيراً بأفعاله لا بشعاراته. الجواب على المناورات لم يكن يوماً بالصراخ، بل بالتموقع في قلب التحولات الجيوسياسية التي ترسم وجه العالم الجديد.

 مكاننا الطبيعي

إن تأسيس "مجلس السلام" بمشاركة مغربية وازنة يبعث برسالة واضحة: المملكة المغربية حسمت خياراتها، ومكانها الطبيعي هو حيث تُصنع القرارات الدولية. هذا هو المغرب الذي نعرفه، وهذا هو قدره الذي كان ولا يزال وسيبقى؛ دولة أمة ضاربة في التاريخ، وقوة هادئة تُستشار وتُقدر.

بالمختصر المفيد: الجواب سياسي واستراتيجي.. وهدا ما كان!


كرة القدم: لعبة الميدان وليس القلم و بروح الرياضة والأخلاق


مجرد رأي:  إبراهيم  ذ 

في مباراة كثر عليها اللغط، لا بد من التركيز على النقطة التي جدبت الفريق المهزم بكل حيادية وتجرد. دعنا نذكر بالقانون: عندما تلمس الكرة أولًا ركبة اللاعب ثم يده، فلا تُحتسب أي ركلة جزاء. هذا ما تنص عليه قوانين كرة القدم بشكل واضح وصريح، وفقًا للقانون رقم 12 من قوانين لوحة الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB)، وهو القانون الخاص بـ "الأخطاء وسوء السلوك" (Fouls and Misconduct).

في هذه اللقطة، لمست الكرة بوضوح ركبة اللاعب النيجيري قبل أن تلامس يده، دون أي حركة متعمدة، ودون أن تكون وضعية الذراع غير طبيعية. الخلاصة: لا توجد مخالفة ولا ركلة جزاء. وما عدا ذلك فهو إما سوء نية أو جهل بقوانين اللعبة.

الفريق الجزائري منذ دخوله الميدان وهو يبحث عن الأخطاء، في الوقت الذي صرف تركيزه على لعب المباراة في الميدان. يبدو أن هاجس معاداة المغرب الذي تشبع به، ومهمة تشويه البطولة والنقص منها، كانت أكبر من التركيز على اللعب.

كرة القدم تلعب بالميدان وبالتقدم، لا بالقلم. يجب على الجميع التمسك بالروح الرياضية والأخلاق، وإذا ما أريد تطوير هذه اللعبة حتى تضاهي مثيلاتها خاصة في أوروبا ودول أمريكا.

يمكن أن تكون هناك أخطاء في التحكيم، ولهذا وجدت الفار، الذي قد تستعصي عليه الجزم بذلك في بعض الحالات، لذلك يبقى الحكم هو الأساس في الفصل بذلك.

يجب على الدور الأعضاء والمنتمين لهذه الرقعة من الكرة الأرضية إما مسايرة التطور أو الخنوع إلى الوراء، فالقافلة تسير إلى الأمام ودون الالتفات إلى الوراء.

حظا موفقا للفريق الجزائري في المستقبل، عله يتبث تفوقه وطاقته التي يلوح بها خاصة أن نهائيات كأس العالم بالولايات المتحدة الأمريكية قريبة جدا خلال صيف 2026. وهنيئا للمملكة المغربية والكونفدرالية الأفريقية لكرة القدم على النجاح الباهر في هذه الدورة. ونتمنى حظا موفقا للمتأهلين الأربعة فرق القوية للنصف النهائي وإلى منصة التتويج.



حين تكتب “الصباح”… وتنكشف كواليس لا تُقال

 



بقلم: محمد الشكدالي 

حين اختارت صحيفة الصباح، وهي من بين الجرائد الوطنية ذات الحضور والتأثير، التوقف عند أسلوب تعامل والي جهة بني ملال–خنيفرة مع محيطه السياسي، لم يكن ذلك معزولًا عن سياق عام يطبع علاقة الإدارة الترابية ببعض المنتخبين محليًا.

فمع كل تعيين جديد على رأس الجهة، تتكرر مشاهد مألوفة في الكواليس: منتخبون يسارعون إلى التقرب، ليس دائمًا بمنطق عرض البرامج أو بلورة تصورات تنموية، بل أحيانًا عبر نقل روايات ومعطيات عن خصومهم السياسيين، في محاولة للتأثير أو كسب موقع داخل خريطة العلاقات.

وفي هذا السياق، يتردد في الأوساط المحلية لقب «مول الموطور»، وهو توصيف متداول في الكواليس السياسية أكثر مما هو معطى رسمي، يُستعمل للإشارة إلى نمط من الممارسة السياسية التي تقوم على الحركة الدائمة، واستباق الأحداث، ومحاولة التموضع مع كل مرحلة جديدة وكل مسؤول وافد.

غير أن أسلوب والي الجهة، محمد بنرباك، كما عكسته القصاصة المنشورة في “الصباح”، يقوم على نقيض ذلك؛ إذ اختار منذ البداية نهج الهدوء والمسافة المؤسساتية، والاعتماد على التمحيص والتحقق من المعطيات، رافضًا الانخراط في روايات ذات خلفيات انتخابية أو حسابات محلية ضيقة.

والسؤال الذي يفرض نفسه ليس: من هو «مول الموطور»؟

بل: إلى متى ستظل هذه الممارسات حاضرة في المشهد السياسي المحلي؟

ومتى ينتقل بعض المنتخبين من منطق الحركة في الكواليس إلى منطق الإنجاز في الميدان؟

لأن التنمية لا تُدار بالمحركات الخلفية،

ولا تُبنى بالتحركات الظرفية،

بل تُصنع بالوضوح، والعمل، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

الدعم الجهوي بين منطق الواجهة ومنطق القاعدة: حين تُختزل الرياضة في كرة القدم





بقلم: محمد المخطاري 

يعود النقاش حول الدعم الجهوي للرياضة بقوة مع كل موسم رياضي، ومع كل دورة لمجالس الجهات، ليطفو على السطح سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه عميق في دلالاته:

من الأحق بالاستفادة من الدعم العمومي؟

هل هي الفرق والنوادي المشاركة في المنافسات الوطنية، أم الجمعيات والفرق المكلفة بالتنشيط الرياضي وتأطير القاعدة؟

غير أن هذا النقاش، في جهة بني ملال–خنيفرة كما في جهات أخرى، يظل ناقصًا ما لم يتم التوقف عند معطى أساسي غالبًا ما يتم تجاهله أو التعامل معه كأمر عادي:

الدعم الجهوي الموجه للرياضة يُخصَّص في الغالب حصرًا لكرة القدم، عبر الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، باعتبارها جمعية ذات نفع عام.

اختزال الرياضة في كرة القدم: واقع يحتاج إلى مساءلة

لا أحد يُنكر المكانة الخاصة التي تحتلها كرة القدم في المجتمع المغربي، من حيث الشعبية، والتأثير الإعلامي، وعدد الممارسين. كما لا يمكن إنكار الدور التنظيمي والمؤسساتي الذي تضطلع به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، باعتبارها إطارًا ذا نفع عام، يُؤطر المنافسات الوطنية، ويشرف على توزيع جزء من الدعم العمومي.

لكن الإشكال يطرح نفسه حين يتحول هذا الواقع إلى سياسة إقصائية غير معلنة، تُختزل فيها الرياضة الجهوية في لعبة واحدة، بينما تُترك باقي الرياضات (ألعاب القوى، كرة السلة، الكرة الطائرة، اليد، الفنون القتالية، الرياضة النسوية، والرياضة القروية…) خارج دائرة الدعم أو على هامشها.

في هذه الحالة، لا يعود النقاش فقط حول من الأحق داخل كرة القدم نفسها، بل حول من له الحق أصلًا في الدعم الجهوي.

كرة القدم: بين الاستحقاق وهيمنة الحصة الأكبر

الفرق الكروية، خصوصًا تلك المشاركة في المنافسات الوطنية، تستفيد من قنوات دعم متعددة، سواء عبر الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أو عبر الشراكات، أو الإشهار، أو حتى التغطية الإعلامية. كما أن كون الجامعة ذات نفع عام يمنحها موقعًا مريحًا في هندسة التمويل العمومي.

غير أن هذا الوضع يطرح أسئلة مشروعة:

هل من العدل أن تُوجَّه حصة الأسد من المال العام لرياضة واحدة؟

هل يعكس هذا الاختيار حاجيات الجهة الحقيقية؟

وهل تُقيَّم آثار هذا الدعم من حيث التنمية البشرية، أم فقط من حيث النتائج والرتب؟

الخطير في الأمر ليس دعم كرة القدم، بل تحويلها إلى المستفيد شبه الوحيد من الدعم الجهوي، دون نقاش عمومي، ودون رؤية شمولية للسياسة الرياضية.

ضحايا الصمت: رياضات بلا صوت ولا دعم

في المقابل، تعاني عشرات الجمعيات والنوادي النشيطة في رياضات أخرى من تهميش مزدوج:

تهميش مالي بسبب غياب الدعم.

وتهميش رمزي بسبب ضعف الاعتراف بدورها المجتمعي.

هذه الجمعيات تؤطر آلاف الأطفال والشباب، وتحقق أحيانًا نتائج وطنية ودولية، لكنها تظل خارج معادلة الدعم، لأنها لا تنتمي لكرة القدم، ولا تستفيد من إطار مؤسساتي قوي كالجامعة الملكية لكرة القدم.

وفي جهة بني ملال–خنيفرة، حيث تتعدد المواهب وتتنوع الخصوصيات المجالية، يصبح هذا الإقصاء غير مفهوم، بل ومضرًا بالتنمية الرياضية المتوازنة.

الإشكال الحقيقي: غياب سياسة رياضية جهوية متعددة الرياضات

المشكل ليس في كون الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ذات نفع عام، ولا في دعم كرة القدم، بل في غياب سياسة جهوية واضحة تُنصف باقي الرياضات، وتُخرج الدعم من منطق الأحادية.

فالرياضة الجهوية لا يجب أن تُدار بمنطق:

“ما هو مُنظَّم أكثر يستفيد أكثر”،

بل بمنطق:

“ما هو أنفع اجتماعيًا وتنمويًا يستحق الدعم”.

إن حصر الدعم في كرة القدم يُنتج:

اختلالًا في تكافؤ الفرص.

ضعفًا في التنوع الرياضي.

إحباطًا للفاعلين الجمعويين في باقي التخصصات.

وإهدارًا لمواهب قد لا تجد طريقها إلى البروز.

نحو عدالة رياضية حقيقية: ما العمل؟

إذا كانت الجهة تسعى فعلًا إلى جعل الرياضة رافعة للتنمية، فإن ذلك يمر عبر:

فصل الدعم الجهوي عن منطق الرياضة الواحدة

مع احترام خصوصية كرة القدم، دون تحويلها إلى المستفيد الوحيد.

فتح آليات دعم موازية لباقي الجامعات والرياضات

وفق معايير واضحة: عدد الممارسين، النتائج، الأثر الاجتماعي، والانتشار المجالي.

دعم التنشيط الرياضي متعدد التخصصات

خاصة في العالم القروي، والمؤسسات التعليمية، والأحياء الهامشية.

ربط الدعم بالمحاسبة والأثر سواء تعلق الأمر بكرة القدم أو بغيرها من الرياضات.

 الرياضة حق جماعي لا امتياز رياضي

الفرق الكروية تستحق الدعم، لكنها لا تختزل الرياضة.

والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إطار مهم، لكنها لا يمكن أن تكون البوابة الوحيدة للمال العام المخصص للرياضة.

أما العدالة الرياضية الحقيقية، فلا تتحقق بدعم لعبة واحدة، بل ببناء سياسة رياضية جهوية منصفة، متعددة، وشاملة، تعتبر الرياضة حقًا جماعيًا، وأداة للتنمية، لا مجرد واجهة تنافسية أو شعبية موسمية.


دعوة عاجلة لإنقاذ فريق التطوع رجاء بني ملال لكرة القدم داخل القاعة

 



محمد المخطاري / أطلس 24

يأتي هذا النص تفاعلًا مع المقال العميق الذي كتبه الصديق إلياس مالح حول الوضع المقلق الذي يعيشه فريق رجاء بني ملال لكرة القدم داخل القاعة، والذي كشف فيه عن حجم الاختلالات والتهميش الذي يتعرض له هؤلاء الشباب. ما أورده المقال لا يمكن اعتباره مجرد سرد لوقائع معزولة، بل هو مرآة لواقعٍ أوسع يعاني منه قطاع الرياضة المحلية، وخصوصًا الرياضات الجماعية التي تعتمد أساسًا على روح التطوع والانتماء.

1. سياق النص: من التفاعل إلى التأصيل

يُفهم من مقال إلياس مالح أن فريق كرة القاعة ليس مجرد مجموعة رياضية، بل هو نموذج لمقاومة الإحباط، إذ يمارس لاعبوه نشاطهم دون أجر وبكثير من التضحيات. لذلك فإن طرح موضوعهم بهذا الشكل العلني ليس انتقادًا وإنما رسالة إنذار من داخل البيت الرياضي نفسه.

وتأصيلًا لهذه الرسالة، يصبح من الضروري النظر إلى القضية باعتبارها مسؤولية جماعية تتجاوز النادي لتشمل الفاعلين الإداريين، والسلطات المحلية، والمؤسسات المنتخبة، وحتى المجتمع المدني.

2. التأكيد على الطابع التطوعي للفريق

الحديث عن فريق "التطوع" ليس وصفًا أدبيًا، بل توصيف لواقع ملموس:

  • لاعبون يمارسون كرة القدم داخل القاعة بدون مقابل،

  • يلتزمون بحضور التداريب والمباريات،

  • يسعون لتمثيل المدينة بكرامة،

  • ويؤمنون بأن الرياضة فعل انتماء قبل أن تكون مهنة.

لكن مقابل هذه الروح، يواجه الفريق تجاهلًا غير مبرر في أبسط حقوقه: ولوج القاعة المغطاة في أوقات منتظمة.

3. الحاجة إلى تدخل عاجل وليس مجرد وعود

إنّ الأزمة المطروحة ليست تقنية أو ظرفية، بل هي مسألة تدبير تتطلب قرارًا واضحًا:
هل نريد أن نُبقي على هذا الفريق حيًا أم نتركه يتآكل بصمت؟

ولذلك، فإن النداء الذي أطلقه إلياس مالح، ويعاد تأصيله هنا، موجَّه إلى:

  • إدارة نادي رجاء بني ملال

  • السلطات المحلية

  • المجلس الجماعي

  • المديرية الجهوية للشباب والرياضة

  • وكل فعاليات المدينة الغيورة

هؤلاء جميعًا مدعوون للتحرك قبل أن نجد أنفسنا أمام انهيار حلم رياضي صنعه شباب تطوّعوا من أجل اسم المدينة.

4. فصل الخلافات الداخلية عن مستقبل الفريق

من أهم النقاط التي أثارها المقال الأصلي ضرورة تحييد الفريق عن صراعات النادي الأم. وهذا تأصيل جوهري لأنه يعيد التأكيد أن الرياضة، خصوصًا عندما تكون تطوعية، لا يجب أن تكون ساحة لتصفية الحسابات. فاللاعبون لا يطلبون امتيازات، بل فقط حيادًا يسمح لهم بالتدرب والاستعداد كباقي الفرق المغربية.

5. الرياضة كوجه المدينة

فريق كرة القاعة، رغم بساطته، هو وسيلة لتمثيل بني ملال وإبراز طاقاتها الشابة. وإضعافه يسيء لصورة المدينة ولروحها الرياضية. لذلك فالدعوة إلى التدخل ليست مطلبًا فئويًا، بل مطلبًا مجتمعيًا يمسّ هوية المدينة ومكانتها في الساحة الرياضية.

إن إعادة طرح الموضوع بعد مقال إلياس مالح ليس تكرارًا، بل تثبيتًا لرسالة مركزية:
لا تتركوا فريق التطوع رجاء بني ملال لكرة القدم داخل القاعة ينهار، فهو ملك لكل أبناء المدينة، وليس طرفًا في أي صراع.

التدخل العاجل اليوم ليس خيارًا، بل ضرورة لإنقاذ شغفٍ صادق وحلم رياضي يستحق الحياة.

أشرف حكيمي… حين تصير القدم ذاكرةً، وتصير الأم مدرسة





ليلة الرباط تلك لم تكن حفلاً للجوائز بقدر ما كانت مرآةً صافية لوطنٍ يطلّ على نفسه عبر ابنه البار، لاعبٍ يرفع الكأس بيمناه، ويضع بقلبه اليسرى على كتف أمٍ صنعت من الدعاء درعاً ومن الحلم مركباً يعبر به محيطات الكرة وأمواج الحياة معاً.​

لم تعد الكرة في المغرب مجرّد مباراة تنتهي بصافرة، بل صارت لغةً يتعلّمها الصغار قبل الأبجدية، وصناعةً تتقاطع فيها السياسات الرياضية مع أحلام الأزقّة، وتتجاور فيها خطط الاتحادات مع وجوه الأمهات على المدرّجات. من مدرجات حيٍ شعبي إلى منصة تتويج إفريقية، يمرّ خيطٌ واحد رفيع لكنه متين: علاقة لاعبٍ بأمه، ووطنٍ بأبنائه، وجمهورٍ بذاته وهو يرى صورته تتوهج في عيون نجومه.​

في لحظة الامتنان تلك، كان حكيمي يعيد ترتيب المعنى: الجائزة ليست ميدالياً يلمع تحت الأضواء، بل شهادة ميلاد ثقافية لحقبةٍ صار فيها اللاعب نصاً، والسيرة الذاتية وثيقةَ انتماء، والمنتخب كتاب ذاكرة يكتبه الكبار والصغار في آن. فالنجومية هنا ليست ترفاً، بل هندسة وجدانية لبلدٍ قرّر أن يربّي أبناءه على أن الحلم مهنة يومية، وأن الانضباط جمالٌ لا يقل عن المراوغة، وأن القيم حين تمسك بيد الموهبة تتحول الرياضة إلى أثرٍ باقٍ يتجاوز النتائج.​

إنها صناعةٌ نعم، لكن مادتها الأولى ليست المال وحده، بل تلك الروح الجماعية التي تتوزع بين أكاديميات تتّسع، واتحادٍ يرسم المسار، ومدرّجاتٍ تعلّم الهتاف مثلما تعلّم الصبر، وأسرةٍ تحرس البدايات كما تُهذّب النهايات. هكذا تندمج القاعة بالبهو، والمعول بالزهرة: سياسات رياضية رشيدة، وأمهات يضعن على جبين اللاعبين ما لا تضعه أي مؤسسة من يقين.​

والثقافة؟ هي هذا الخيط غير المرئي الذي يجعل من تمريرةٍ حاسمة درساً في الذوق العام، ومن احتفالٍ متواضع درساً في التربية المدنية، ومن شكرٍ للملك والاتحاد والعائلة نصاً في المسؤولية المشتركة عن الفرح الوطني. ثقافةٌ تُصاغ في اللغة اليومية للصحافة الرياضية وهي تتخفف من البلاغة الفارغة لتصير قريبةً من الناس، دافئةً دون ابتذال، راقيةً دون تعالٍ، لأن القاعدة الذهبية أن نكتب كما نعيش، وأن نعيش كما نحلم.​

في الرباط، بدا المشهد كأنه اتفاق غير مكتوب: سياساتٌ تحتفي بالمنظومة، ومنصّةٌ تحتفي بالإنسان، وجمهورٌ يحتفي بنفسه وهو يرى ابن الحيّ يلمع في سماء القارة. وحين ختم حكيمي بالشكر لأمه، بدا أن قارةً كاملة تضع رأسها على كتف قلبٍ كبير، قارةٌ تتذكر أنها تبدأ من البيت، ومن تفاصيل صغيرة تمنح الكرة معنى يتخطى الملعب إلى الحياة.​

هكذا فقط تصبح الكرة أكثر من رياضة: تصبح ميثاقاً بين الحلم والانضباط، بين الإدارة والرعاية، بين الموهبة والبيت، بين اللاعب والأمّة التي ترى فيه نبضها وهي تقرأ الغد في عينيه. وحين يرفع اللاعب الكأس، يرفع معه بلداً كاملاً إلى مستوى جديد من الذائقة والكرامة، ويهمس للصغار: الطريق طويل، لكنه مُعبدٌ بحبّ الأمهات وعدل الجهد ونور الانتماء.​




فصل المناصب وتحصين التدبير: منع الجمع بين رئاسة الجماعات والبرلمان






 فصل المناصب وتحصين التدبير: منع الجمع بين رئاسة الجماعات والبرلمان


     في خطوة جريئة وغير مسبوقة، أقدمت وزارة الداخلية المغربية مؤخرًا على تعديل جذري في مسار تدبير المؤسسات المنتخبة، عبر منع رؤساء الجماعات والمقاطعات من الترشح للبرلمان، واضعة بذلك حدًا لتراكم المناصب وتداخل المسؤوليات الذي طبع المشهد السياسي المحلي لسنوات.

فصل السلطات وتجويد التدبير

يرتكز هذا التعديل على فلسفة دستورية واضحة: ترسيخ مبدأ فصل السلط، بما يعزز فعالية الحكامة ويحد من تضارب المصالح بين من يتولى تدبير الشأن المحلي ومن يملك سلطة التشريع الوطني. فكثيرًا ما كان الجمع بين منصب رئاسة الجماعة وعضوية البرلمان مدخلًا لتشتيت الجهود واستعمال النفوذ التشريعي لخدمة مصالح ضيقة على حساب متطلبات التنمية المحلية.

اليوم، وبمنع هذا الجمع، يُفتح المجال أمام منتخبين ملتزمين بمهامهم المحلية، قادرين على تسيير الجماعات والمجالس الترابية دون إكراهات الازدواجية، مما يعزز فرص صعود كفاءات جديدة ويعيد الاعتبار لدور الجماعة كمؤسسة لصنع القرار الجماعي، وليست مجرد منصة عبور نحو البرلمان.

انعكاسات عملية وتحديات واقعية

هذا الإصلاح الذي ينطلق من النموذج التنموي الجديد وتوصيات دستور 2011، يُعيد توزيع السلطة ويمنح مؤسسات التدبير المحلي قدرة أكبر على التحرك بفعالية واستقلالية. لم تعد أطراف الجماعة أو المقاطعة أسيرة أجندات برلمانية أو تحالفات ظرفية، بل أصبحت مسؤولة بشكل مباشر أمام الساكنة وملزمة بالتصدي لمشاكلها اليومية وممارسة الرقابة الحقيقية على الموارد والقرارات.

ومع ذلك، يبقى مدى نجاح هذا المسار رهينًا بتفعيل آليات المحاسبة والمراقبة، حتى لا يتحول استقلال الجماعات إلى فضاء جديد لتكريس الزبونية أو التضارب بين المصالح. تطور المشهد الحزبي نفسه سيبقى مرهونًا بقدرة الأحزاب على تجديد هياكلها واستقطاب نخبة محلية جديدة قادرة على قيادة قاطرة التنمية دون ارتهان للشبكات التقليدية أو التمويل غير المشروع.

تعزيز الشفافية ونزاهة الانتداب

محاربة تراكم المناصب مدخل جوهري لتحقيق ممارسة سياسية ترابية قائمة على النجاعة والشفافية. فقد أثبتت التجارب أن ازدواجية المواقع كانت مصدرًا لممارسات غير سليمة، أضعفت الثقة بين السكان والمؤسسات، وشجعت بعض مظاهر الفساد الإداري والمالي.

لذلك، فإن منع رؤساء الجماعات من الترشح للبرلمان ليس مجرد تغيير شكلي في القوانين بل استجابة استراتيجية لإصلاح عميق يسعى لجعل الجماعات الترابية مؤسسات قوية، شفافة وقادرة بالفعل على الاستجابة لتطلعات وحاجيات المواطن، ويمثل خطوة جريئة في سبيل بناء مغرب المؤسسات.

قراءة في واقع منح الدعم الرياضي بجهة بني ملال خنيفرة

 




📰 الرياضة بين دعم التنمية واستثمار السياسة...

قراءة في واقع منح الدعم الرياضي بجهة بني ملال خنيفرة

 

 

 

في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الرياضة فضاءً لتأطير الشباب وبناء القيم النبيلة، تحوّلت منح الدعم الرياضي في جهة بني ملال خنيفرة في كثير من الحالات إلى مجال تتحكم فيه الولاءات السياسية والمصالح الشخصية. غير أن الصورة ليست واحدة في كل المؤسسات، إذ تسجَّل أيضًا بعض المبادرات الإيجابية التي تحاول الالتزام بمعايير موضوعية وشفافة.

🔹 منح رياضية خارج مسارها الطبيعي

الغاية من دعم الجمعيات والأندية الرياضية واضحة: تنمية الرياضة، صقل المواهب، واحتضان الطاقات الشابة. غير أن الواقع الميداني في الجهة يكشف عن انحرافات واضحة، حيث أصبحت المنح السنوية وسيلة لتكريس النفوذ الانتخابي أكثر مما هي أداة لتطوير الممارسة الرياضية.

فعدد من الجمعيات الرياضية لا تُمنح الدعم بناءً على نشاطها أو إنجازاتها، بل وفقًا لخريطة الولاءات والانتماءات السياسية، ما يجعل المال العام أداة لخدمة المصالح الخاصة. وهكذا تُهمّش جمعيات نشيطة وجادة لأنها ترفض الاصطفاف، بينما تُكافأ أخرى لا أثر فعلي لها في الميدان.

🔹 المال العام رهينة الولاءات

من المؤسف أن تتحول الرياضة إلى امتداد للصراع الانتخابي. فبدل أن تكون وسيلة لتوحيد الشباب حول قيم التنافس الشريف، أصبحت وسيلة لزرع الانقسام، وتغذية صراعات لا علاقة لها بالمصلحة العامة.

إن هذا الواقع لا يمس فقط نزاهة تدبير الشأن الرياضي، بل يضرب في العمق ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، ويدفع الشباب إلى العزوف والإحباط.

 

🗣️ "المال العام ليس وسيلة لكسب الولاءات، بل أمانة لخدمة التنمية الرياضية الحقيقية."

 

🔹 استثناء إيجابي: مجلس جهة بني ملال نموذجًا

رغم هذه الممارسات السلبية المنتشرة على الصعيد المحلي، يُسجَّل استثناء إيجابي في عمل مجلس جهة بني ملال خنيفرة، الذي اختار توجيه المنح الرياضية حصريًا إلى الفرق الكروية وفق معيار موضوعي واضح يعتمد على مستوى القسم الذي تنشط فيه كل جمعية.

هذا التوجه، وإن كان يقتصر على كرة القدم دون باقي الرياضات، يُعد خطوة مهمة في اتجاه إرساء معايير شفافة وعادلة، ويُبرز إمكانية بناء نموذج تدبيري قائم على الإنصاف والمحاسبة بدل الزبونية.

لكن من الضروري أن تمتد هذه التجربة إلى باقي التخصصات الرياضية، حتى لا يُختزل الدعم العمومي في كرة القدم فقط، ويُهمَّش باقي الفاعلين الرياضيين في الجهة.

 

🔹 من أجل شفافية وعدالة رياضية

لإصلاح هذا الوضع المختل، لا بد من وضع معايير موضوعية وشفافة لتوزيع الدعم العمومي، تعتمد على الأداء الميداني، وعدد المستفيدين، والبرامج الاجتماعية للجمعيات. كما يجب ربط الدعم بالمحاسبة، وفرض تقديم تقارير مالية دقيقة عن كل درهم يُصرف من المال العام.

ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة إشراك الإعلام والمجتمع المدني في مراقبة هذا المسار، لضمان أن تظل المنح في مسارها الصحيح، بعيدًا عن كل توظيف انتخابي أو حزبي ضيق.

🔹 ختامًا: الرياضة رسالة لا صفقة

 

إن جهة بني ملال خنيفرة، بما تتوفر عليه من مؤهلات بشرية ورياضية كبيرة، تستحق مقاربة تنموية حقيقية تعيد للرياضة مكانتها وقيمتها.

فالرياضة ليست مجالاً للمناورات السياسية، بل هي فضاء لتربية الأجيال وبناء الثقة والمواطنة. وإذا لم يتم القطع مع منطق الريع والولاءات، فإن الخاسر الأكبر سيكون الشباب، الذين يُفترض أن يكونوا المستفيدين الأوائل من كل درهم يُصرف باسم الرياضة.

 

💬 "حين تتحرر الرياضة من قبضة السياسة، فقط آنذاك يمكن أن نؤمن بأن التنمية ممكنة."

 

بقلم: محمد المخطاري

مهتم بالشأن الرياضي – جهة بني ملال خنيفرة


من الأرقام إلى قاعة الانتظار: متى يكتمل إصلاح الصحة في المغرب؟

 





من الأرقام إلى قاعة الانتظار: متى يكتمل إصلاح الصحة في المغرب؟

 

بقلم: محمد المخطاري

 

ليس خافياً أن المغرب خطا خطوات واسعة في ورش الحماية الاجتماعية: تعميم التأمين الصحي، توسيع التغطية، وإطلاق التحويلات المباشرة. غير أن هذا الجهد، على أهميته، يصطدم يومياً بسؤال أبسط وأكثر إلحاحاً: كيف يعيش المريض رحلته داخل المستشفى الإقليمي أو الجهوي؟

فحين تمتد المواعيد لأشهر، وتتعطل أجهزة التشخيص، ويزداد الاكتظاظ في أقسام الاستعجال، ينهار رصيد الثقة مهما ارتفعت المؤشرات الرسمية. الإصلاح الاجتماعي قطع نصف الطريق: منح الحق ووسّعه، لكنه لم ينجح بعد في ضمان الخدمة في وقتها وبجودة تحفظ الكرامة.

ثلاث فجوات تفضح الهوة الجهوية

1.    الانتظار المرهق: زمن الموعد، خصوصاً في الاستعجالات والأشعة، صار معيار الحكم على الإصلاح، لا عدد المستفيدين ولا حجم الاعتمادات.

2.    هشاشة التجهيز والأطر: أعطاب الأجهزة وخصاص التخصصات والتفاوت المجالي تحوّل علاجاً بسيطاً إلى رحلة شاقة ومعاناة طويلة.

3.    ضعف الحكامة التشغيلية: صيانة مؤجلة، ومشتريات مشتتة، وإجراءات بطيئة تجعل القرارات تستهلك في المكاتب بدل أن تتحول إلى حلول في قاعات العلاج.

لماذا لا تُرى الإنجازات جهوياً؟

المعادلة اليوم مختلة: تعميم سريع للحق يقابله بطء في توسيع الطاقة الاستيعابية وتحسين جودة الخدمة. ويزيد الطين بلة نزيف الأطر الطبية وصعوبة استقرارها في المناطق الهامشية، فضلاً عن غياب مؤشرات علنية ودورية تقيس ما يعيشه المواطن فعلياً: زمن الانتظار، توفر التخصصات، وأيام فتح الخدمات الحيوية.

من الرقم إلى الأثر: ما المطلوب فعلاً؟

ü    تمويل مقابل نتائج: ربط الاعتمادات بمؤشرات ملموسة، مثل زمن انتظار الجراحة والأشعة، ونسبة توفر التخصصات الأساسية.

ü    خدمات متنقلة ومتصلة: وحدات طبية قارّة في القرى والجبال، مدعومة بالتطبيب عن بُعد حتى لا يبقى التخصص حكراً على المدن الكبرى.

ü    حوافز لاستقرار الأطر: سكن وظيفي، منح جهوية، مسارات ترقي خاصة بالمناطق النائية، وعقود مرنة لسد العجز عند الحاجة.

ü    صيانة وتوريد ذكي: عقود صيانة استباقية للأجهزة، ومشتريات مجمعة تخفف الكلفة وتسرّع وصول المعدات إلى الأقاليم.

ü    شفافية الأداء: نشر لوحات قيادة جهوية بشكل شهري، وتفعيل مساطر تظلّم واضحة، حتى تُقاس الإصلاحات بجودة الخدمة لا فقط بحجم النفقات.

المغرب خطا خطوة كبرى بتوسيع الحق، لكنه لم يبلغ بعد مرحلة إنعاش الخدمة. الإصلاح لن يكتمل إلا حين تصبح زيارة المستشفى الجهوي تجربة كريمة ومنصفة، ويقصر زمن الانتظار في قاعة الاستعجال. عندها فقط سيتحوّل الرقم إلى حياة، ويصبح الاعتراف بالمجهود حقيقة يلمسها المواطن، لا مجرد بلاغ رسمي.

افتتاح ملعب مولاي عبد الله بحضور ولي العهد: رسالة أعمق من الرياضة وأكثر من مجرد كرة قدم


 


افتتاح ملعب مولاي عبد الله بحضور ولي العهد: رسالة أعمق من الرياضة وأكثر من مجرد كرة قدم

 

بقلم : محمد المخطاري 


هل كان حضور صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن لافتتاح ملعب مولاي عبد الله مجرد لحظة بروتوكولية؟ الجواب واضح: لا. ما وقع في الرباط كان إعلاناً صريحاً عن مرحلة جديدة، تتقاطع فيها الرمزية السياسية مع الرهانات التنموية والاجتماعية والدبلوماسية، لتقول بوضوح إن المغرب يضع الرياضة في صميم مشروعه الوطني الكبير.

 

رمزية تتجاوز البروتوكول

منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، ارتبطت صورة المؤسسة الملكية بمتابعة ميدانية للمشاريع الكبرى. واليوم، يثبت ظهور ولي العهد في مثل هذه المناسبات أن الاستمرارية مضمونة، وأن القيادة القادمة تنخرط منذ الآن في تفاصيل الشأن العام.

ولكن الحدث لم يقتصر على الحضور الرسمي. فقد وقف سمو ولي العهد مطولاً، مصفقاً بحرارة للعمال المغاربة الذين ساهموا في إنجاز هذا المعلم في وقت قياسي. كثيرون اعتبروا هذا التصرف تكريماً للسواعد المغربية، ولجهودهم الدقيقة التي أتقنت العمل وأخرجته إلى النور وفق أعلى المعايير. هذه اللحظة، الصغيرة في ظاهرها، كبيرة في دلالتها، إذ تلخص فلسفة القيادة: تقدير الجهد الوطني، واعتراف صريح بدور كل عامل في صنع الإنجاز.

 

الملاعب تصنع التنمية

ملعب مولاي عبد الله بعد إعادة تهيئته ليس مجرد مدرجات وحديد وإسمنت. إنه ورش استراتيجي ضمن رؤية أوسع، تجعل من الرياضة رافعة للتنمية، ومحركاً للاقتصاد المحلي، وأداة لتعزيز مكانة المغرب قارياً ودولياً.

الملاعب الحديثة لم تعد فضاءات للفرجة فقط، بل منصات لخلق فرص الشغل، وتنشيط السياحة، وتطوير الصناعات المرتبطة بالرياضة. وحين يقود ولي العهد لحظة تدشين هذا الفضاء بنفسه، فهو يرسل رسالة قوية مفادها: الرياضة ليست ترفاً، بل رافعة اقتصادية واجتماعية وسياسية.

 

الشباب في قلب السياسة

لا يمكن قراءة هذا الحدث بعيداً عن البعد الاجتماعي. ظهور ولي العهد الشاب أمام الجماهير يمنح الأجيال الصاعدة نموذجاً للقائد القريب منهم، ويؤكد الاهتمام الملكي بانتظاراتهم.

الملاعب المؤهلة ليست مجرد حديد وأسمنت، بل استثمار مباشر في الرأسمال البشري، وفي طاقات الشباب الذين يمثلون مستقبل المملكة وأساس مشروعها التنموي.

 

كرة القدم.. دبلوماسية القرن

في عالم اليوم، لم تعد الدبلوماسية حكرًا على اللقاءات الرسمية. الملاعب، التظاهرات الرياضية، وحتى المباريات المحلية أصبحت ساحات للتأثير الناعم. 

افتتاح ملعب مولاي عبد الله يواكب رهانات المغرب على استضافة كأس العالم 2030، ويبعث رسالة قوية إلى الخارج: المغرب جاهز، ليس فقط من حيث البنية التحتية، بل من حيث الالتزام المؤسسي والسياسي.

 

من الفرجة إلى التنمية

الرياضة اليوم ليست مجرد تسلية. إنها مشروع دولة. كل مباراة، وكل تدريب، وكل نشاط في هذه البنية التحتية الجديدة يعكس استراتيجية وطنية.

وحين يقف ولي العهد ليُكرّم العمال الذين أتموا هذا الإنجاز، تتحول الرياضة إلى درس حي في الاعتراف بالجهود الفردية والجماعية وفي صناعة الإنجازات الوطنية.

 

ريادة مغربية في إفريقيا

الحدث يتجاوز حدود الرباط. المغرب يقدم نفسه كنموذج إفريقي في تنظيم التظاهرات الكبرى، وفي الاستثمار في الرياضة كرافعة للتنمية. حضور ولي العهد يعطي زخماً إضافياً لهذه الريادة، ويجعل المملكة في واجهة المشهد القاري والدولي.

هو تأكيد عملي على أن المغرب يملك رؤية شاملة تجمع بين القوة المؤسسية، والتخطيط الاستراتيجي، والاعتراف بقيمة العنصر البشري.

 

لحظة تأسيسية للمستقبل

افتتاح ملعب مولاي عبد الله بحضور ولي العهد هو أكثر من مجرد حدث رياضي. إنه إعلان عن رؤية، وتجسيد لفلسفة القيادة في المغرب: القرب من المجتمع، الرهان على الشباب، واستثمار الرياضة كأداة للتنمية والريادة، مع تقدير واضح لكل من ساهم في تحقيق الإنجاز.

إنها لحظة تأسيسية تؤكد أن الاستمرارية داخل المؤسسة الملكية ليست فقط في الرموز، بل في الممارسة الميدانية والانخراط الفعلي. كما تؤكد أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو المستقبل، معتمداً على قوة ناعمة اسمها الرياضة، وعلى قيادة شابة تتهيأ لتحمل المشعل، في انسجام مع طموح وطني متجدد.