‏إظهار الرسائل ذات التسميات رأي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رأي. إظهار كافة الرسائل

التشكيلة الحكومية الجديدة وإعفاء مديحة خيير.. قراءة سياسية وقانونية في الظهائر الملكية المنشورة بالجريدة الرسمية

 



أطلس 24 | تحليل سياسي وقانوني

بين سلطة التعيين الدستورية، ومسؤولية رئيسة الحكومة، وحدود الإعفاء الوزاري، تطرح الظهائر الشريفة المنشورة في الجريدة الرسمية بتاريخ 22 أكتوبر 2026 مجموعة من الأسئلة القانونية والسياسية المرتبطة بتشكيل الحكومة الجديدة، وتوزيع الاختصاصات، وضمان استمرارية المؤسسات، فضلاً عن الدلالات التي يحملها إعفاء الوزيرة المنتدبة مديحة خيير بعد فترة قصيرة من توليها مهامها.

وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى ضرورة التمييز بين القرار الدستوري بالتعيين أو الإعفاء، وبين التأويلات السياسية والإعلامية المصاحبة له، مع احترام قرينة البراءة والحقوق الفردية وعدم اعتبار الجدل العمومي بديلاً عن الوقائع الثابتة والإجراءات القانونية.

أولاً: الظهائر الملكية أساس القراءة القانونية

تُظهر الوثائق المرفقة، المنشورة في العدد 7554 من الجريدة الرسمية بتاريخ 22 أكتوبر 2026، صدور الظهير الشريف رقم 1.26.91 بتاريخ 21 أكتوبر 2026، المتعلق بتعيين أعضاء الحكومة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.

ويحدد هذا الظهير أسماء الوزراء والوزراء المنتدبين، والقطاعات الحكومية المسندة إليهم، مع التنصيص على سريان التعيينات ابتداءً من 16 أكتوبر 2026.

كما تتضمن الوثائق الظهير الشريف رقم 1.26.93، الصادر بتاريخ 21 أكتوبر 2026، والمتعلق بإعفاء مديحة خيير من مهامها وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، ابتداءً من 18 أكتوبر 2026.

ويُلاحظ هنا وجود ثلاثة تواريخ قانونية متمايزة: تاريخ سريان القرار، وتاريخ إصدار الظهير، وتاريخ نشره بالجريدة الرسمية.

وهذا التمييز مهم عند تحديد الوضعية القانونية للوزراء، وفهم التسلسل الزمني للقرارات، ودراسة آثارها الإدارية والمؤسساتية.

ثانياً: الفصل 47 من الدستور.. من يملك سلطة التعيين والإعفاء؟

يشكل الفصل 47 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 المرجعية الأساسية لفهم هذه القرارات.

فالدستور يميز بين تعيين رئيس الحكومة، وتعيين أعضائها باقتراح من رئيسها، وإعفاء الوزراء وفق مساطر محددة.

وفيما يتعلق بالإعفاء، يتيح الفصل 47 مسلكين رئيسيين: مبادرة ملكية بعد استشارة رئيس الحكومة، أو طلب يقدمه رئيس الحكومة إلى الملك لإعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة. كما ينظم حالة الإعفاء المبني على استقالة الوزير المعني.

وبالعودة إلى الظهير الشريف رقم 1.26.93، نجد أنه ينص صراحة على أن إعفاء مديحة خيير جاء بناءً على طلب رئيسة الحكومة.

وهذه الصياغة تكتسي دلالة قانونية دقيقة؛ فهي تحدد مصدر المبادرة إلى الإعفاء، دون أن تكشف بالضرورة عن دوافع تقديم الطلب.

ومن ثم، فإن القول بأن الإعفاء تم بطلب من رئيسة الحكومة يستند إلى الوثيقة الرسمية، أما الجزم بأنه كان نتيجة مخالفة قانونية أو ضغط حزبي أو خلاف سياسي معين، فيحتاج إلى أدلة مستقلة لا يوفرها الظهير.

فالقرار الدستوري بالإعفاء ثابت، لكن أسبابه التفصيلية ليست مثبتة في الوثائق المعروضة.

ثالثاً: إعفاء مديحة خيير.. المشروعية الدستورية لا تعني ثبوت المسؤولية

يثير إعفاء مديحة خيير بعد يومين من التاريخ المحدد لسريان تعيينها سؤالاً مشروعاً حول العلاقة بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية.

فالمسؤولية السياسية للوزير ترتبط بالثقة والتوازنات الحكومية ومدى استمرار اختياره ضمن الفريق التنفيذي، في حين أن المسؤولية القانونية، سواء كانت إدارية أو مدنية أو جنائية، تخضع لقواعد إثبات ومساطر واختصاصات مختلفة.

ولا يستلزم الإعفاء من منصب وزاري، في حد ذاته، صدور حكم قضائي أو ثبوت مخالفة قانونية.

وبالمقابل، فإن احترام مسطرة الإعفاء لا يعني تلقائياً حسم كل الأسئلة المرتبطة بملابساته السياسية.

وقد أكد البلاغ الصادر عن الديوان الملكي بتاريخ 18 أكتوبر 2026 أن الملك محمد السادس قبل طلب رئيسة الحكومة بإعفاء الوزيرة المنتدبة، وفق الفصل 47 من الدستور.

ويتعين هنا التمييز بين ثلاثة مستويات:

  • المستوى الدستوري: وجود طلب بالإعفاء وقبوله وفق الاختصاصات المنصوص عليها.

  • المستوى السياسي: مسؤولية رئيسة الحكومة عن تدبير تشكيلتها الوزارية وتقديم التفسيرات السياسية المناسبة عند الاقتضاء.

  • المستوى الحقوقي: عدم تحويل الإعفاء إلى قرينة إدانة أو وسيلة للمساس بسمعة المعنية دون سند ثابت.

وإذا كان الجدل العمومي قد ارتبط بوثائق أو اتهامات متداولة، فإن سلامة التحليل تقتضي التحقق من مصدر كل وثيقة وصحتها وحجيتها القانونية، وعدم استخلاص مسؤولية شخصية من مجرد تداولها.

رابعاً: هل يؤثر الإعفاء في شرعية التشكيلة الحكومية؟

من الناحية الدستورية، لا يؤدي إعفاء وزير منتدب، بحد ذاته، إلى سقوط الحكومة أو فقدان بقية أعضائها صفتهم الحكومية.

فالفصل 47 يميز بين الإعفاء الفردي وبين استقالة رئيس الحكومة، التي تترتب عنها آثار تخص الحكومة بكاملها.

وعليه، فإن إعفاء مديحة خيير يظل، من حيث نطاقه المباشر، قراراً فردياً يتعلق بمنصب وزاري محدد.

غير أن هذا الإعفاء يثير إشكالاً مؤسساتياً آخر يتعلق بكيفية استمرار تدبير قطاع التكوين المهني والتأهيل بعد انتهاء مهام الوزيرة المنتدبة.

ويكتسي هذا السؤال أهمية لأن التكوين المهني يرتبط بسياسات التشغيل والتأهيل الاقتصادي والإدماج الاجتماعي للشباب.

وينص القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها على آليات لتحديد اختصاصات أعضاء الحكومة، وتنظيم النيابة في بعض الحالات، بما يضمن استمرارية العمل الحكومي.

لذلك، ينبغي التمييز بين انتهاء مهام الوزيرة وبين استمرار اختصاصات الإدارة والقطاع الحكومي المعني. ولا يمكن تحديد الترتيبات العملية النهائية لتدبير هذه الاختصاصات إلا بالرجوع إلى المراسيم والقرارات التنظيمية ذات الصلة.

خامساً: التشكيلة الحكومية الجديدة.. إعادة توزيع القطاعات والأولويات

تكشف قراءة الظهير رقم 1.26.91 عن هندسة حكومية تقوم على الجمع بين قطاعات تقليدية وأخرى ذات طبيعة أفقية أو مستحدثة في تسميتها واختصاصاتها.

فإلى جانب وزارات الداخلية والخارجية والعدل والأوقاف، تضمنت التشكيلة وزارة للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، ووزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، فضلاً عن إعادة تجميع بعض القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

وقد أكد الإعلان الرسمي لتعيين الحكومة الجديدة بتاريخ 16 أكتوبر 2026 هذه التوزيعات.

ويمكن قراءة هذه الهندسة من زاويتين متكاملتين.

الأولى ترتبط بالتنسيق بين القطاعات، إذ قد يتيح تجميع الاختصاصات المتقاربة إمكانات لتوحيد التخطيط وتبسيط بعض المسارات الإدارية.

أما الثانية فتتعلق بتحديات التنفيذ، لأن اتساع مجالات تدخل الوزارة الواحدة قد يطرح أسئلة بشأن توزيع الموارد وتحديد المسؤوليات وتقييم النتائج.

ولذلك، فإن تقييم فعالية هذه الهندسة الحكومية لا ينبغي أن يقتصر على أسماء الوزارات أو عدد الحقائب، وإنما يتطلب تتبع النصوص المحددة لاختصاصاتها والبرامج والميزانيات والنتائج المحققة.

سادساً: التوازنات السياسية داخل الحكومة ومسؤولية رئيسة الحكومة

لا يمكن فصل تشكيل الحكومة عن السياق السياسي الذي يرافق توزيع الحقائب بين الأحزاب والشخصيات الحكومية.

لكن الظهير الملكي، بوصفه أداة قانونية للتعيين، لا يقدم وحده تفاصيل المفاوضات السياسية أو معايير اختيار جميع الأسماء.

ومن ثم، فإن تحليل التوازنات الحزبية يقتضي الاستناد إلى المعطيات الرسمية المتعلقة بالانتماءات الحزبية، والاتفاقات المعلنة بين مكونات الأغلبية، ومواقف الهيئات السياسية المعنية.

وفي حالة إعفاء مديحة خيير، يظل الثابت قانونياً أن رئيسة الحكومة طلبت الإعفاء، وهو ما يفتح نقاشاً سياسياً حول معايير الاختيار الوزاري وآليات معالجة المستجدات التي قد تطرأ عقب التعيين.

ومن الأسئلة التي يحق للرأي العام طرحها: ما المعايير المعتمدة في انتقاء أعضاء الحكومة؟ وكيف يجري التحقق من شروط تولي المسؤولية؟ وما حدود واجب التواصل الحكومي عند حدوث تغيير سريع في التشكيلة؟

هذه الأسئلة لا تتضمن اتهاماً لأي طرف، وإنما تتصل بمبادئ الحكامة والشفافية والمساءلة السياسية.

سابعا: نشر الظهائر بالجريدة الرسمية.. التوثيق القانوني وحدود الاستنتاج

تكتسي الجريدة الرسمية أهمية مركزية باعتبارها مرجعاً لنشر النصوص القانونية والتنظيمية والقرارات التي يقتضي القانون نشرها.

وتسمح الوثائق المرفقة بتحديد هوية الأعضاء المعينين، وتاريخ سريان تعييناتهم، وكذلك تاريخ انتهاء مهام مديحة خيير.

غير أن نشر الظهير لا يعني بالضرورة أن جميع التفاصيل المتعلقة بخلفيات القرار أصبحت معلومة للرأي العام.

كما أن تحديد تاريخ سابق لسريان قرار منشور لاحقاً يثير مسألة قانونية تتعلق بآثاره الزمنية، ينبغي تناولها في ضوء طبيعة القرار والنصوص المنظمة له، دون افتراض وجود مخالفة لمجرد اختلاف تاريخ الإصدار عن تاريخ النفاذ.

وفي الحالة المعروضة، يحدد الظهير تاريخ 18 أكتوبر 2026 بدايةً لسريان إعفاء مديحة خيير، بينما صدر الظهير في 21 أكتوبر ونُشر في 22 أكتوبر.

ويظل من المهم، عند بحث أي آثار إدارية أو مالية مترتبة على هذه الفترة، الرجوع إلى النصوص التطبيقية والقرارات ذات الصلة، وليس الاكتفاء بالتواريخ الثلاثة.

ثامنا: ما الذي تكشفه هذه الواقعة عن العلاقة بين السياسة والقانون؟

توضح هذه الحالة أن القرار الوزاري يمكن أن يكون سليماً من حيث المسطرة الدستورية، وأن يظل في الوقت نفسه موضوع نقاش سياسي مشروع.

فالدستور يحدد الجهات المختصة بإصدار القرار وكيفية اتخاذه، لكنه لا يقدم بالضرورة تفسيراً سياسياً لكل تغيير حكومي.

كما أن المسؤولية السياسية لا تتطابق مع المسؤولية الجنائية أو التأديبية، ولا ينبغي الخلط بينهما في التغطية الإعلامية.

وتبرز أهمية هذا التمييز بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر بشخصيات عمومية تتعرض لتداول معلومات شخصية أو وثائق غير مثبتة.

فحرية الصحافة وحق المواطنين في المعرفة يقابلهما واجب التثبت واحترام الحياة الخاصة والسمعة، مع إتاحة المجال للرد والتوضيح.

وفي المقابل، فإن المطالبة بتواصل مؤسساتي يشرح أسباب القرارات الحكومية الكبرى، ضمن الحدود القانونية، تظل جزءاً من النقاش المشروع حول الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

 بين المشروعية الدستورية والمساءلة السياسية

إن قراءة الظهيرين الشريفين رقم 1.26.91 ورقم 1.26.93 تسمح باستخلاص حقيقة أساسية مفادها أن التعيينات الحكومية وإعفاء مديحة خيير تمت، وفق الصياغة الرسمية المنشورة، في إطار المساطر التي يحيل عليها الفصل 47 من الدستور.

لكن الوثائق لا تسمح، بمفردها، بتحديد الأسباب السياسية أو الشخصية التي دفعت إلى طلب الإعفاء، ولا تثبت وجود مسؤولية قانونية في حق الوزيرة المعفاة.

ويبقى التحدي الأوسع أمام الحكومة الجديدة مرتبطاً بترجمة هندستها التنظيمية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم، وبإرساء تواصل مؤسساتي يساعد المواطنين على فهم القرارات المتخذة.

فالمسألة لا تتعلق فقط بمن دخل الحكومة ومن غادرها، بل بكيفية ممارسة المسؤولية، واحترام القانون، وضمان استمرارية المؤسسات، وربط القرارات السياسية بمقتضيات الشفافية والمساءلة.

وبالنسبة إلى جهة بني ملال خنيفرة، فإن المعيار العملي لقياس أثر هذه المرحلة الحكومية سيظل مرتبطاً بما يتحقق من برامج ومشاريع وفرص تنموية، وليس بمجرد الحضور الاسمي لشخصيات من الجهة داخل الجهاز التنفيذي.

المراجع: الظهيران الشريفان رقم 1.26.91 و1.26.93، وفق الصور المرفقة من الجريدة الرسمية عدد 7554 بتاريخ 22 أكتوبر 2026؛ الفصل 47 من دستور المملكة المغربية؛ القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها. 







من وعود أخنوش إلى تعهدات المنصوري.. هل تستجيب الحكومة الجديدة لاختلالات التنمية التي كشفها الخطاب الملكي؟

 

 

من وعود أخنوش إلى تعهدات المنصوري.. هل تستجيب الحكومة الجديدة لاختلالات التنمية التي كشفها الخطاب الملكي؟

 




أطلس 24 | محمد المخطاري /تحقيق سياسي 

تفتح المقارنة بين البرنامج الحكومي لعزيز أخنوش للفترة 2021–2026 والبرنامج الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري للفترة 2026–2031 نقاشاً يتجاوز اختلاف الأرقام والتعهدات إلى سؤال أكثر عمقاً: هل تمثل الحكومة الجديدة تحولاً في أساليب التدبير والتنفيذ، أم استمراراً للسياسات السابقة مع رفع سقف الوعود الاجتماعية والاقتصادية؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ضوء الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026، الذي يجعل من الضروري قراءة البرنامج الحكومي الجديد في علاقته بأولويات التنمية الترابية، وفعالية المؤسسات، وتلبية الحاجيات الحقيقية للمواطنين.
وتقتضي هذه المقارنة التمييز بين ثلاثة مستويات: ما تعهدت به حكومة أخنوش عند تنصيبها، وما أعلنت عنه حكومة المنصوري في برنامجها الجديد، وما يتطلبه تنزيل التوجيهات الملكية على أرض الواقع.


أولاً: من تأسيس الدولة الاجتماعية إلى الرفع من سقف الالتزامات

جاء برنامج حكومة عزيز أخنوش سنة 2021 في سياق اقتصادي واجتماعي استثنائي، أعقب تداعيات جائحة كورونا، وركز على تعميم الحماية الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار، وإصلاح التعليم والصحة، وإحداث مليون منصب شغل صافٍ خلال الولاية الحكومية.

أما البرنامج الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري، المقدم يوم 19 أكتوبر 2026، فيتجه نحو توسيع بعض المكتسبات الاجتماعية، مع الالتزام برفع الدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً من 500 إلى 1000 درهم، والرفع من الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً، وتحسين حقوق الأرامل.

ويظهر الاختلاف في طبيعة التعهدات، إذ ركز برنامج أخنوش على بناء وتوسيع منظومة الحماية الاجتماعية، بينما يقدم برنامج المنصوري أهدافاً مرتبطة بتحسين قيمة الاستفادة وجودة الخدمات.

لكن الانتقال من التأسيس إلى التحسين لا يعني بالضرورة تجاوز الاختلالات السابقة، خصوصاً في ظل استمرار تحديات القدرة الشرائية والتشغيل والفوارق الاجتماعية.

ثانياً: التشغيل.. من وعد المليون منصب إلى برامج التكوين والإدماج

شكل الالتزام بإحداث مليون منصب شغل صافٍ أحد أبرز عناوين البرنامج الحكومي لأخنوش.

وفي المقابل، تعهدت حكومة المنصوري، ابتداءً من سنة 2027، بتكوين 100 ألف شاب سنوياً، وتمكين 100 ألف آخرين من أول تجربة مهنية كل سنة، إلى جانب توسيع التكوين بالتدرج ومواكبة 60 ألف مقاولة.

ويكشف هذا الاختلاف عن انتقال من هدف إجمالي يتعلق بصافي فرص الشغل إلى برامج تستهدف تحسين قابلية الشباب للتشغيل.

غير أن التكوين والتجربة المهنية لا يمثلان بالضرورة فرص شغل دائمة. ولذلك، فإن تقييم البرنامج الجديد يجب أن يتجاوز عدد المستفيدين إلى عدد الوظائف الفعلية التي ستُحدث، واستقرارها وجودة الأجور المرتبطة بها.

كما أن الحكم على حصيلة أخنوش في هذا المجال يقتضي مقارنة وعد المليون منصب بالحصيلة الإحصائية النهائية للولاية، وليس الاكتفاء بمقارنة التصريحين.

ثالثاً: الخطاب الملكي.. مرجعية جديدة لتقييم العمل الحكومي

تكتسب المقارنة بين البرنامجين أهمية إضافية في ضوء التوجيهات الملكية المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والمجالية، ووضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتسريع الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.

وقد استحضر برنامج المنصوري هذه الأولويات صراحة، باعتبارها مرجعية لعمل الحكومة الجديدة.

ومن هنا، يصبح معيار التقييم مرتبطاً بمدى قدرة الحكومة على تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى إجراءات تنفيذية، وليس فقط بإعادة تضمينها في التصريح الحكومي.

الجهوية المتقدمة.. هل تنتهي مركزية القرار؟

تتعهد حكومة المنصوري بالرفع من التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027، وتسريع تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري.

ويشكل هذا الالتزام تطوراً مهماً على مستوى الموارد المعلنة، لكنه يطرح سؤالاً أساسياً حول مدى مواكبته بنقل الاختصاصات والموارد البشرية وسلطة القرار إلى الجهات.

فالجهوية المتقدمة لا تتحقق بمجرد زيادة التمويل، بل تتطلب تمكين المؤسسات الترابية من إعداد المشاريع وتنفيذها ومراقبة نتائجها.

كما ينبغي أن تتجه البرامج الحكومية نحو معالجة الفوارق داخل الجهة الواحدة، وليس فقط الفوارق بين الجهات.

الشباب.. الإدماج الاقتصادي بدل الاكتفاء بالتكوين

إن وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية يستلزم تجاوز المقاربة العددية للبرامج نحو قياس أثرها الاجتماعي والاقتصادي.

ويقتضي ذلك معرفة عدد الشباب الذين تمكنوا من الاندماج في سوق العمل بعد التكوين، ومدى استقرار وظائفهم، ومستوى الأجور التي يحصلون عليها، ومدى استفادة المناطق القروية والجبلية من هذه البرامج.

وبذلك، يصبح تكافؤ الفرص بين الشباب، بصرف النظر عن مناطق إقامتهم، مؤشراً أساسياً للحكم على نجاح السياسات الحكومية.

السيادة الاقتصادية.. من التوجهات إلى المشاريع

يتقاطع برنامج المنصوري مع الأولويات الاستراتيجية المتعلقة بالأمن المائي والغذائي والطاقي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي.

فقد حدد البرنامج هدف رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة خلال الولاية، وتعزيز إعادة تكوين القطيع الوطني، وتطوير الطاقات المتجددة والصناعة والاستثمار.

غير أن نجاح هذه التوجهات يقتضي تحديد المشاريع والاعتمادات والآجال، مع تقييم آثارها على الإنتاج والتشغيل والقدرة الشرائية.

رابعاً: محاربة الفساد.. هل تتحول التعهدات إلى إصلاحات مؤسساتية؟

من أبرز الاختلافات في الخطاب الحكومي الجديد إعطاء محاربة الفساد والريع مكانة أكثر وضوحاً ضمن الأولويات المعلنة.

ويتضمن برنامج المنصوري تعهدات بتجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح بالممتلكات، وتشديد مراقبة الصفقات العمومية.

كما يتضمن تخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية.

لكن الحكم على فعالية هذه الإجراءات سيعتمد على اعتماد النصوص القانونية اللازمة، وتطبيقها بصورة متساوية، وضمان شفافية الصفقات ومراقبة نتائجها.

خامساً: جهة بني ملال خنيفرة.. اختبار العدالة المجالية

إذا كانت البرامج الحكومية السابقة والجديدة تتقاطع في التأكيد على تقليص الفوارق المجالية، فإن جهة بني ملال خنيفرة تقدم نموذجاً مهماً لقياس مدى فعالية هذه الالتزامات.

فالجهة تجمع بين مؤهلات فلاحية وصناعية وسياحية وطبيعية كبيرة، وبين تحديات مرتبطة بالبطالة والهدر المدرسي والخدمات الصحية والموارد المائية والتفاوتات بين المدن والمناطق القروية والجبلية.

الماء والفلاحة بسهل تادلة

يمثل الأمن المائي أحد أبرز الرهانات بالنسبة للجهة، خصوصاً في المناطق الفلاحية بسهل تادلة.

ومن ثم، فإن تقييم السياسة الحكومية ينبغي أن يشمل أثر الاستثمارات المائية على استدامة الإنتاج الفلاحي، وتحسين دخل الفلاحين، ودعم صغار الكسابة، وتعزيز الصناعات الغذائية.

التعليم والصحة بالمناطق الجبلية

تطرح المناطق الجبلية، خصوصاً بأجزاء من أزيلال وخنيفرة، تحديات تتعلق بالولوج إلى المؤسسات التعليمية والصحية.

وتقتضي الاستجابة لهذه الحاجيات تحسين خدمات النقل المدرسي والإيواء، وتقوية الموارد البشرية الصحية، وتطوير خدمات المستعجلات والنقل الطبي.

ولا يمكن اعتبار ارتفاع الاعتمادات المالية نجاحاً في حد ذاته إذا لم ينعكس على جودة الخدمات واستمراريتها.

التشغيل والاستثمار في الأقاليم الخمسة

ينبغي أن تقاس استفادة بني ملال وأزيلال وخنيفرة والفقيه بن صالح وخريبكة من برامج التشغيل الجديدة بعدد فرص العمل الفعلية، ونوعية الاستثمارات المستقطبة، وقدرة المقاولات المحلية على خلق قيمة مضافة.

كما يتعين الانتباه إلى توزيع المشاريع داخل الجهة، حتى لا تتركز الاستثمارات في مراكز حضرية محدودة على حساب المناطق الأخرى.

ما حصة الجهة من 12 مليار درهم؟

يطرح التزام الحكومة برفع التحويلات المالية للجهات سؤالاً مباشراً بشأن الحصة التي ستستفيد منها جهة بني ملال خنيفرة.

فالبرنامج الحكومي يعلن الغلاف الوطني المستهدف، لكنه لا يحدد في الوثيقة حصة مالية خاصة بالجهة أو قائمة بالمشاريع التي ستمول منها.

ومن هنا تبرز أهمية إعلان برمجة ترابية واضحة، تتضمن المشاريع وأغلفتها المالية وآجال إنجازها ومؤشرات تقييمها.

سادساً: المسؤولية السياسية بين الاستمرارية والتغيير

لا يمكن فصل البرنامج الجديد عن حصيلة المرحلة السابقة، خاصة في الملفات التي شهدت استمرارية في المسؤوليات الحكومية والحزبية.

فاستمرار بعض التوجهات قد يسمح باستكمال الإصلاحات الكبرى، لكنه لا يعفي من تقييم ما تحقق وما تعثر، وتفسير أسباب عدم بلوغ الأهداف السابقة.

ومن ثم، فإن المقارنة الموضوعية لا ينبغي أن تتحول إلى مفاضلة سياسية قائمة على الوعود، بل إلى تقييم مؤسساتي يعتمد على المعطيات والنتائج.

 التوجيهات الملكية تجعل التنفيذ معيار الحكم

تكشف المقارنة أن برنامج المنصوري رفع سقف بعض الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية مقارنة ببرنامج أخنوش، خصوصاً في الدعم الاجتماعي والمعاشات والموارد المالية الموجهة للجهات.

غير أن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الحكومة على تحقيق نتائج ملموسة، وتحويل الأولويات الاستراتيجية إلى مشاريع تستجيب للحاجيات الفعلية للمواطنين.

وبالنسبة لجهة بني ملال خنيفرة، فإن نجاح البرنامج الجديد سيقاس بمدى تحسن التشغيل والتعليم والصحة والأمن المائي، وتراجع الفوارق بين الأقاليم والمناطق الحضرية والقروية.

فالمطلوب اليوم ليس فقط الانتقال من تصريح حكومي إلى آخر، بل الانتقال من منطق الوعود إلى منطق النتائج، ومن مركزية البرامج إلى عدالة التنمية الترابية.

ويبقى السؤال السياسي والتنموي المطروح:

هل تنجح حكومة المنصوري في معالجة الاختلالات التي استمرت خلال ولاية أخنوش، وتنزيل التوجيهات الملكية إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟

 

ملاحظة تحريرية: يستند عرض التزامات حكومة المنصوري إلى وثيقة البرنامج الحكومي المقدمة يوم 19 أكتوبر 2026. أما تقييم حصيلة حكومة أخنوش وتحديد المشاريع التي ستستفيد منها جهة بني ملال خنيفرة، فيتطلبان معطيات رسمية تفصيلية إضافية. ويجب التمييز بين التوجيهات الملكية الواردة في النصوص الرسمية وبين الاستنتاجات والتحليلات الصحفية.

حين يتحول الاستوزار إلى مناسبة للتنمر والنبش في دفاتر الماضي!


حين يتحول الاستوزار إلى مناسبة للتنمر والنبش في دفاتر الماضي!

من العمل الإداري إلى البرلمان ثم الحكومة.. لماذا لم تظهر الوثائق القديمة إلا بعد التعيين الوزاري؟ 

من المستفيد من تحويل الحياة الشخصية إلى ساحة للمواجهة السياسية؟





أطلس 24 | مقال رأي

ما إن أُعلن عن تعيين مديحة خيير وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، حتى برزت موجة من التعليقات والتدوينات وتداول وثائق قديمة يُراد من خلالها، على ما يبدو، إثارة الشكوك حول مسارها الشخصي والسياسي.

واللافت في هذا الجدل ليس فقط طبيعة ما يجري تداوله، وإنما توقيته، والطريقة التي يجري بها استحضار وقائع تعود إلى ما يقارب اثنين وعشرين عاماً، وكأن الزمن توقف عند تلك المرحلة، وكأن مسيرة الإنسان بأكملها يمكن اختزالها في ورقة قديمة لم تثبت بعد صحتها أو مصداقيتها أو ظروف تحريرها.

فهل أصبح الاستوزار مناسبة لفتح دفاتر الحياة الخاصة؟ وهل من الإنصاف أن تتحول وثائق غير متحقق منها إلى مقصلة معنوية تُرفع في وجه امرأة مباشرة بعد وصولها إلى المسؤولية الحكومية؟

لماذا صمت الجميع بالأمس وتحدثوا اليوم؟

قبل أن تصبح مديحة خيير وزيرة، كانت موظفة ومسؤولة بالمكتب الوطني للمطارات، وفق المعطيات المتداولة عن مسارها المهني. ثم انتقلت إلى العمل السياسي والتمثيلية البرلمانية، حيث مارست مهامها داخل المغرب وخارجه، وراكمت تجربة في التواصل مع المواطنين وتتبع قضايا دائرتها الانتخابية.

وخاضت تجربة انتخابية استطاعت خلالها تحقيق نتيجة مهمة، حظيت على إثرها بإشادة أنصارها ومسانديها، وشهدت دائرتها الانتخابية مظاهر احتفال بفوزها.

وخلال هذه المراحل، لم يكن الجدل الحالي حاضراً بهذه الحدة.

لكن بمجرد الإعلان عن تعيينها وزيرة منتدبة، تغير المشهد، وبدأ تداول أوراق قديمة وإثارة تساؤلات مرتبطة بماضيها الشخصي.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن القفز عليه: لماذا الآن بالضبط؟

هل تغير مضمون الوثائق؟ أم تغير موقع المعنية بالأمر؟ وهل كانت هذه الأوراق متداولة من قبل، أم أن الوصول إلى المنصب الوزاري هو الذي منحها فجأة هذه الأهمية؟

إنها أسئلة مشروعة، لكن الإجابة عنها تقتضي البحث عن الوقائع، لا الاكتفاء بالظنون أو توجيه الاتهامات دون دليل.

الاستوزار ليس قراراً عابراً

من المفارقات أن بعض الخطابات المتداولة توحي وكأن الوصول إلى منصب وزاري يتم دون مؤسسات أو إجراءات دستورية أو اعتبارات سياسية ومسؤوليات كبرى.

والحال أن تعيين أعضاء الحكومة بالمغرب يتم في إطار أحكام الدستور، وتحديداً الفصل 47، بما يجعل التعيين الوزاري جزءاً من مسار مؤسساتي وليس مجرد إجراء شخصي عابر.

غير أن هذا لا يعني أن التعيين يشكل شهادة مطلقة على جميع جوانب المسار الشخصي أو المهني، ولا يمنع مساءلة أي مسؤول عن كفاءته وقراراته وأدائه.

لكن المساءلة شيء، والتنمر والتشهير بالحياة الخاصة شيء آخر تماماً.

وثائق عمرها 22 سنة.. هل تصلح لمحاكمة الحاضر؟

إن الوثائق التي يجري الحديث عنها، والمنسوبة إلى فترة تعود إلى سنة 2004، تطرح قبل كل شيء مسألة التحقق من أصالتها وسياقها ومدى صلتها بالشأن العام.

ولا نملك، في غياب تحقق مستقل، ما يسمح بالجزم بصحتها أو نسبتها أو تفسير مضمونها.

وحتى إذا ثبتت أصالة وثيقة طبية قديمة، فإن ذلك لا يجعلها حكماً على الحالة الصحية الراهنة لصاحبها، ولا دليلاً تلقائياً على أهليته أو عدم أهليته لتحمل المسؤولية.

فالإنسان ليس وثيقة جامدة، ولا يمكن اختزال اثنين وعشرين عاماً من حياته المهنية والاجتماعية والسياسية في معطيات مقتطعة من سياقها.

والأخطر أن يتحول تداول مثل هذه الأوراق إلى مناسبة للسخرية أو الوصم النفسي أو الانتقاص من الكرامة الإنسانية.

إن المرض أو المعاناة النفسية، إن وجدا في أي مرحلة من حياة أي شخص، لا ينبغي أن يتحولا إلى تهمة أو مادة للتنمر.

هل نحن أمام منافسة سياسية أم تصفية حسابات؟

من حق أي مواطن أن يتساءل عن خلفيات هذا الجدل، خصوصاً عندما يتزامن مع انتقال شخصية سياسية من البرلمان إلى الحكومة.

فهل يتعلق الأمر بمنافسين سياسيين؟ أم بحسابات داخلية؟ أم بمجرد تداول رقمي لمعلومات مثيرة للجدل؟

لا توجد، في المعطيات المتاحة، أدلة كافية تسمح بتحديد الجهة التي تقف وراء تداول هذه الوثائق أو الجزم بوجود حملة منظمة.

لكن غياب الدليل على هوية الفاعلين لا يمنع من إدانة أي ممارسة تستهدف الحياة الخاصة أو تستعمل المعطيات الصحية وسيلة للتنمر.

فالمنافسة السياسية النزيهة لا تحتاج إلى النبش في التفاصيل الشخصية لإثبات اختلافها مع مسؤول عمومي؛ بل تحتاج إلى أفكار وبرامج وحجج وبدائل.

رفقاً بالمناضلات.. فالاختلاف لا يبرر الإهانة

قد نختلف مع مديحة خيير سياسياً، وقد ننتقد اختياراتها ومواقفها، وقد نطالبها، كما نطالب جميع الوزراء، بالنتائج والمحاسبة والشفافية.

لكن لا ينبغي أن يتحول الاختلاف إلى ترخيص للإهانة، ولا أن تصبح الحياة الشخصية ساحة مباحة لكل أشكال التجريح.

والأمر يكتسي بعداً أكثر حساسية حين يتعلق بامرأة استطاعت الوصول إلى موقع متقدم في المسؤولية السياسية، لأن النقاش قد ينزلق من مساءلة أدائها إلى استهداف شخصها.

وليس المطلوب الدفاع عن مديحة خيير باعتبارها فوق النقد، بل الدفاع عن مبدأ يفترض أن يستفيد منه الجميع: لا يجوز أن تصبح الكرامة الإنسانية ثمناً للمشاركة في الحياة السياسية.

حاسبوها على التكوين المهني لا على أوراق الماضي

إن مديحة خيير أصبحت اليوم أمام مسؤولية حكومية تتصل مباشرة بمستقبل آلاف الشباب، وبملفات التكوين المهني والتأهيل والتشغيل وملاءمة الكفاءات مع حاجيات الاقتصاد الوطني.

وهذه هي المجالات التي ينبغي أن تتجه إليها الأنظار.

ماذا ستقدم للشباب الباحث عن فرص التكوين والإدماج؟ وما نصيب جهة بني ملال خنيفرة من البرامج والمشاريع؟ وكيف ستتعامل مع تحديات العالم القروي والفوارق المجالية وضعف فرص التأهيل في بعض المناطق؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق النقاش العمومي الجاد.

أما تحويل وثائق شخصية قديمة، غير محسومة المصداقية، إلى محور للحكم على تجربتها الوزارية قبل أن تبدأ، فلا يخدم بالضرورة حق المواطنين في معرفة الحقيقة، ولا يساعد على تقييم العمل الحكومي.

ارتقوا بالله عليكم.. فإن القاع قد ازدحم

ليس من العدل أن نحتفي بمسار امرأة حين تفوز في الانتخابات، ثم نختزل تجربتها كلها في جدل شخصي بمجرد انتقالها إلى الحكومة.

وليس من الإنصاف أن نطالب النساء بالانخراط في العمل السياسي وتحمل المسؤوليات، ثم نسمح بتحويل حياتهن الخاصة إلى مادة للسخرية كلما بلغن موقعاً متقدماً.

إن من يمتلك معطيات موثقة ذات صلة حقيقية بالمصلحة العامة، فليعرضها بالطرق القانونية والمهنية، مع احترام الحق في الرد والخصوصية وقرينة البراءة.

أما من يريد ممارسة المعارضة السياسية، فليعارض البرامج والقرارات والحصيلة، وليقدم البدائل التي ينتظرها المواطنون.

رفقاً بمديحة خيير، ورفقاً بكل امرأة اختارت خوض غمار العمل العام.

فالدفاع عن كرامتها لا يعني المصادقة المسبقة على أدائها، وإنما رفض تحويل الحياة الخاصة إلى أداة للتجريح والإقصاء.

ولنترك للتجربة الحكومية أن تقدم حصيلتها، وللمواطنين حق الحكم عليها وفق ما ستنجزه، لا وفق ما يتداول من أوراق قديمة.

ارتقوا، بالله عليكم، في خلافاتكم السياسية، وفي لغتكم، وفي أساليب نقدكم.. فإن القاع قد ازدحم، ولم يعد يحتمل مزيداً من التنمر والتشهير.

  الانتخابات التشريعية بالمغرب.. حين تنتهي معركة الصناديق وتبدأ معركة الكراسي!

الانتخابات التشريعية بالمغرب.. حين تنتهي معركة الصناديق وتبدأ معركة الكراسي!


  الانتخابات التشريعية بالمغرب.. حين تنتهي معركة الصناديق وتبدأ معركة الكراسي!


افتتاحية سياسية ساخرة 

بقلم : غيث بن الأثير – أطلس 24

من وعود الإصلاح إلى مفاوضات الحقائب الوزارية، ومن التنافس على أصوات المواطنين إلى التوافق على مقاعد الحكومة.. تتغير المواقع والتحالفات، ويبقى السؤال: أين موقع المواطن في كل هذه الحسابات؟

في المغرب، لا تحتاج إلى تقويم لمعرفة اقتراب الانتخابات التشريعية. يكفي أن تلاحظ كيف تتحول الأزقة المنسية فجأة إلى أولويات تنموية، وكيف يصبح المواطن الذي لم يسمع صوت نائبه طوال سنوات ضيف شرف في اللقاءات الحزبية، وكيف تستعيد الوعود القديمة شبابها السياسي، وكأنها وُلدت بالأمس.

إنه موسم استثنائي تصبح فيه البطالة قضية عاجلة، والمستشفيات أولوية قصوى، والمدارس ورشاً وطنياً لا يحتمل التأجيل، والطرق المتآكلة مشاريع تنتظر فقط وصول الحزب المناسب إلى السلطة.

لكن المفارقة تبدأ عندما تنتهي الانتخابات.

فبمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، يبدو أن معركة البرامج قد أدت وظيفتها، وأن الوقت حان لمعركة أخرى أكثر تعقيداً: من يدخل الحكومة؟ ومن يحصل على الوزارة؟ ومن يقبل بحقيبة أقل أهمية؟ ومن سيكتشف فجأة أن خصمه الانتخابي شريك استراتيجي لا غنى عنه؟

وهكذا، يصوّت المواطن على التغيير، ثم يكتشف أن أول تغيير تحقق هو تغيير مواقع الأحزاب حول طاولة المفاوضات.

 من الخصومة الانتخابية إلى المحبة الحكومية

خلال الحملة الانتخابية، تبدو الاختلافات بين الأحزاب عميقة إلى درجة يستحيل معها تخيل جلوسها في حكومة واحدة.

هذا الحزب يتهم منافسه بالفشل، وذاك يعتبر برنامج خصمه خطراً على الاقتصاد، وثالث يقدم نفسه باعتباره البديل الوحيد القادر على إنقاذ البلاد.

لكن بعد إعلان النتائج، تقع المعجزة السياسية.

تختفي العبارات الحادة، وتولد مفردات جديدة من قبيل «التقاطعات البرنامجية» و«التوافقات الوطنية» و«الانسجام الحكومي».

والأغرب أن البرامج التي كانت متناقضة بالأمس تصبح اليوم قابلة للجمع في وثيقة واحدة.

لا عيب في التحالفات السياسية، فهي من طبيعة الديمقراطية البرلمانية. لكن العيب أن تتحول الاختلافات المبدئية إلى مجرد تفاصيل تفاوضية، دون أن يجد الناخب تفسيراً مقنعاً لما جرى.

الكرسي الوزاري.. حين يصبح التوافق أسرع من الإصلاح

قد تحتاج بعض الملفات الاجتماعية إلى سنوات من المشاورات والدراسات واللجان، بينما قد تكفي أيام قليلة لإيجاد توافق حول توزيع المسؤوليات الحكومية.

وهنا يبرز السؤال الساخر: لماذا تبدو السياسة أكثر سرعة عندما يتعلق الأمر بالمناصب، وأقل استعجالاً عندما يتعلق الأمر بانتظارات المواطنين؟

فالمواطن لا يهمه كثيراً أي حزب حصل على وزارة معينة، بقدر ما يهمه ما إذا كان المستشفى سيتوفر على طبيب، والمدرسة على أستاذ، والشاب على فرصة عمل، والفلاح على شروط تحفظ له كرامته واستمراره في الإنتاج.

الوزارة ليست غنيمة انتخابية، والكرسي ليس شهادة نجاح سياسي. النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول المسؤولية إلى إنجاز.

 المواطن.. بطل الحملة الانتخابية والغائب عن مفاوضات ما بعدها

في موسم الانتخابات، يصبح المواطن سيد الموقف.

تُفتح له المقرات، وتُخصص له اللقاءات، وتُصغى إلى مطالبه، وتُلتقط معه الصور.

لكن بعد الانتخابات، تتغير الأولويات، ويتحول النقاش من مشاكل الأحياء والقرى إلى الحسابات البرلمانية وتوازنات الأغلبية.

ولعل المواطن المغربي يستطيع تلخيص هذه المفارقة بجملة بسيطة:

«قبل الانتخابات كيسولوني شنو خاصك، ومن بعد الانتخابات كيسولو بعضياتهم شنو غادي ناخدو!»

إنها سخرية تختزل أزمة أعمق تتعلق باستمرارية العلاقة بين المنتخب والناخب، وضرورة إخضاع الالتزامات السياسية للتقييم والمحاسبة.

 المعارضة والأغلبية.. تتغير المقاعد وتبقى المشاكل

من غرائب الحياة السياسية أن بعض الأحزاب تملك حلولاً جاهزة لكل المشاكل عندما تكون في المعارضة، لكنها تكتشف حجم الإكراهات عندما تصبح مسؤولة عن تدبيرها.

وفي المقابل، قد يصبح الحزب الذي كان يدافع بالأمس عن حصيلته الحكومية أشد المنتقدين للسياسات العمومية بعد انتقاله إلى المعارضة.

ليست المشكلة في تغيير المواقع، وإنما في تغيير الخطاب دون تفسير، وفي مطالبة المواطن بنسيان ما قيل له قبل الانتخابات.

فالديمقراطية لا تعني أن يظل الحزب وفياً لكل شعار انتخابي مهما تغيرت الظروف، لكنها تفرض عليه أن يشرح للناخبين أسباب التنازلات والتحولات التي اختارها.

 من ربح المقاعد.. ومن ربح ثقة المواطن؟

عقب كل استحقاق تشريعي، تتصدر الأرقام المشهد السياسي.

كم مقعداً حصل عليه الحزب؟ وكم وزارة نالها؟ وكم صوتاً يحتاج لتشكيل الأغلبية؟

لكن ثمة أرقاماً أخرى لا تحظى دائماً بالاهتمام نفسه: عدد الشباب الذين وجدوا عملاً، وعدد الأسر التي تحسنت ظروفها، وعدد المناطق التي استفادت من خدمات عمومية فعلية.

فالبرلمان ليس بطولة لتجميع المقاعد، والحكومة ليست معرضاً لتوزيع الحقائب.

إنهما مؤسستان تتحملان مسؤوليات دستورية وسياسية أمام المواطنين.

 انتهت الانتخابات.. فمتى تبدأ المحاسبة؟

مع تشكيل كل حكومة جديدة، تُفتح صفحة جديدة من الوعود والتطلعات.

لكن الاختبار الحقيقي لا يبدأ عند التقاط الصورة الجماعية للوزراء، ولا عند إعلان توزيع الحقائب، وإنما عندما يشرع المواطن في قياس أثر القرارات الحكومية على حياته اليومية.

فمن السهل أن تتفق الأحزاب على تقاسم المسؤوليات، لكن الأصعب أن تتفق على تحمل نتائجها.

ومن السهل الحديث عن التغيير، لكن الأصعب أن يشعر به المواطن في مدرسته ومستشفاه ودخله وفرص أبنائه.

وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في أن الأحزاب تتنافس على الكراسي، بل في أن بعض الكراسي تصبح أهم من البرامج التي أوصلت أصحابها إليها.

ولذلك، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل تجربة حكومية:

هل ننتخب أحزاباً لتغيير واقع المواطنين، أم ننتخب مواطنين لتغيير مواقع الأحزاب؟

ذلك هو السؤال الذي لا تجيب عنه نتائج صناديق الاقتراع وحدها، بل تجيب عنه حصيلة السنوات التي تليها.


لماذا تم إبعاد "التجمع الوطني للأحرار"؟






لماذا تم إبعاد "التجمع الوطني للأحرار"؟

 

بقلم : عبد الهادي مزراري

 

بمجرد طرح هذا السؤال في تدوينة نشرتها هذا الصباح، توالت التعليقات في شكل إجابات من مواطنين، كل يفسر أمر إبعاد حزب "الحمامة" من المشاركة في الحكومة الجديدة من الزاوية التي يتابع منها المشهد السياسي الوطني.

جزء من التعليقات يتضمن جزء من الحقيقة، ولكن الأحداث السياسية في المغرب لا يمكن فهمها من خلال التحليل السياسي، لأن فهمها يحتاج فقط إلى معلومات صحيحة. بينما نسبة كبيرة من تلك المعلومات تبقى محفوظة في العلبة السوداء ولا تخرج إلى العلن.

ما حدث لحزب التجمع الوطني للأحرار أكثر من مسألة استغناء أو إبعاد، ولكنها قضية عقاب نزل بهذا الحزب. كيف حصل ذلك؟ ومن هي الجهة التي عاقبته؟ وما هو الهدف من طرده خارج مربع السلطة؟

قبل الجواب على هذه الأسئلة، أنقل القراء الأعزاء إلى لقاء جمعني برئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ومؤسسه السيد أحمد عصمان بمقر إقامة سكناه في الرباط في عام 2004. وكانت المناسبة إجراء حوار معه في إطار التحولات التي بات المشهد السياسي يشهدها بالتزامن مع العهد الجديد في ذلك الوقت.

كان الرجل لبقا ومهذبا وذكيا، وكنت إذا سألته سؤالا يجيب، ويضيف "يمكنك نشر هذا"، ومرة يقول "هذا ليس للنشر، فقط لإحاطتك علما".

من بين الأمور الكثيرة التي أحاطني بها علما واحفتفظ بها لوقتها، كان جوابه على سؤال طرحته عليه وهو الآتي "في ظل ما يعرفه المشهد السياسي من تحولات، هل أنتم مطمئنون على مستقبل حزب التجمع الوطني للأحرار؟".

قال كلاما كثيرا، ولكن من أهم ما قال وطلب عدم نشره "حزبنا يجب أن يظل حزب الوسط بامتياز، ولكن ما أخشاه عليه وأنا في هذا العمر أن يأتي غرباء من أقصى المدينة وينقضوا عليه كما تفعل الجوارح من الطيور، لا يفقهون شيئا في السياسة ويندفعون بقوة لجعله في ميدان الرماية".

قلت له: ماذا تقصدون بميدان الرماية؟

أجاب "أن يكون في المقدمة، ويقوده أشخاص بلا حس سياسي".

 مر على ذلك اللقاء 22 عاما، وتعاقبت على رئاسة الحزب ثلاث شخصيات، مصطفى المنصوري، وصلاح الدين مزوار، وعزيز أخنوش(لا داعي لذكر محمد الشوكي)، وكلما جاء رئيس جديد منهم أبعد الحزب عن مركزه بمسافة تكبر عن مسافة سالفه حتى وصل الأمر بين يدي أخنوش، الذي نقل حزب الحمامة من نقطة الوسط إلى مربع الهجوم.

مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية ل 8 شتنبر 2021، وتعيين عزيز أخنوش رئيسا للحكومة، كتبت حينها رسالة مفتوحة إليه من ضمن ما جاء فيها "لم تعد الإديولوجيا عمودا فقريا في جسم السياسة، ولم تعد الجماهير تعير مسامعها للخطباء الذين يعتلون المنابر، وإنما أصبحت السياسة معادلة رقمية. ومن هنا يجب توجيه رسالة إلى السيد رئيس الحكومة الجديد، لكي يضع في الاعتبار أن الوعد دين، وأنه سلك طريقا مختلفا عن باقي الأحزاب الأخرى، التي تعتمد على مرجعيات بعضها ديني، وبعضها إيديولوجي، وبعضها تاريخي.

إنه سلك طريق الرقمنة، وهو اليوم أمام مجتمع، لا يتوقف عن تفقد الحسابات في هاتفه، في البنك، في العمل، في البيت حتى في صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي. على السيد رئيس الحكومة الجديد، أن يعرف بأن نهاية الحساب تبدأ من أول رقم في العملية، ومن البداية تصنع النهاية".

قدم حزب التجمع الوطني للأحرار وعودا فاخرة للمغاربة، مفرطا في التأكيد على تحقيقها، واعدا إياهم بأن أيامهم المقبلة ستكون أفضل بكثير من السنوات العشر التي قضوها مع حكومة حزب العدالة والتنمية.

في زمن سابق تحدث عبد الرحمن اليوسفي الوزير الاول (1998-2002) عن وجود عراقيل في وجه الإصلاح وصفها ب"جيوب المقاومة"، وتدرع عبد الإله بنكيران من بعده (2011-2016) بوجود من أسماهم "العفاريت والتماسيح"، قال انها لم تترك له مجالا لتغيير الأوضاع المعيشية للمغاربة نحو الأفضل.

بالنسبة لعزيز أخنوش لم يرد على لسانه أنه واجه أي مشكلة في تنزيل برنامج حزبه، بل أفرط كثيرا القول إن حزبه حقق السعادة للمغاربة،  وذهبت عناصر من فريقه وزراء وبرلمانيبن أبعد من ذلك في التأكيد على أن الأوراش التي تم إنجازها في عهدهم لم يشهد المغرب لها مثيل من ذي قبل.

لم يكن من المنطق أن يردد عزيز أخنوش ما كان يقوله اليوسفي أو بنكيران، لأنه لم يأت من المعارضة، ولأنه أيضا لم يكن يرى في طريقه لا عفاريت ولا تماسيح. في المقابل كان يحظى بأكبر فرصة لم تعرفها أي حكومة قبله. وهذه الفرصة تشكلت من أربعة دعائم أساسية وهي:

1- حظيت حكومة عزيز اخنوش بدعم ملكي قوي تجسد في تكليفها بتنفيذ أهم المبادرات الملكية المتصلة بمفهوم الدولة الاجتماعية، بموازاة مع حصولها على الاستفادة من كافة صناديق الدعم. وهذا كان من شأنه لو استعمل على الوجه الصحيح أن يعطي لحزب التجمع الوطني للأحرار شرف تحسين وضعية العيش للمغاربة ونقلها إلى مستوى مزدهر يعود على سمعته بشعبية أكبر، وهو امر لم يحصل.

2- لم يسبق لأي حزب سياسي في المغرب أن قاد الحكومة وفي الوقت نفسه يقود المجالس البلدية والإقليمية والجهوية عبر كافة تراب المملكة بشراكة مع تحالف الاحزاب في ائتلافه الحكومي. وهو ما يعني أن الحكومة كانت لها سيطرة مطلقة على المؤسسات المنتخبة وطنيا وجهويا ومحليا. الأمر الذي كان سيساعد بشكل اكبر على تكريس التنمية المجالية عبر كافة مناطق البلاد. وهو أمر لم يحصل.

3- لم يسبق أن تمتع حزب بقيادة الحكومة في المغرب في غياب المعارضة، مثلما حظي حزب التجمع الوطني للأحرار بهذه الفرصة المثيرة للجدل. وهو ما جعلها تشتغل بكل اريحية وتستمتع بمنطقة رفاهية غير مسبوقة في تاريخ البرلمان.

4- بما أن حزب التجمع الوطني للاحرار يتشكل من طبقة مهمة من رجال المال والأعمال، فقد كان الأوفر حظا في إيجاد الحلول الاجتماعية الذكية لكل المشاكل العالقة بين الطبقة الشغيلة وأرباب العمل، وتوفير المناخ الاكثر ملاءمة للاستثمار المنتج.

لم يستغل حزب التجمع الوطني للأحرار هذه الدعائم الأربعة في بناء علاقة الثقة مع المواطنين، واعتبرها في المقابل دعائم لتعزيز مركزه وتقوية نفوذه. وظل واثقا من نفسه ثقة قياديبه بأنفسهم.

بعض قيادي الحزب حسم نتائج الانتخابات حتى قبل حلول موعدها، واعتبروا أنفسهم "حكومة المونديال" كما راق لهم تسميتها. وظن الجميع أن الجولات المكوكية، والزرابي المبثوتة، وموائد الطعام تحت الخيام المنصوبة، والرقصات الشعبية، والتصريحات النارية ستشفع للحزب لمحو ذنوب بحجم الجبال ارتكبها في مناسبات لا تنمحي من ذاكرة المغاربة بسهولة، كان أبرزها حرمانهم من أضاحي العيد. 

لم تكن نتائج اقتراع  23 شتنبر 2026 وحدها العقاب الذي حل بالحزب وأفقده 36 مقعدا، مقارنة بانتخابات 2021، ولكن العقاب الأقصى هو رفض دخوله إلى الحكومة الجديدة برئاسة حزب الأصالة والمعاصرة، حتى بعد تأكيده رغبته في المشاركة فيها دون شروط مسبقة.

كان برلمان حزب "الجرار" عبر عن رفض التحالف من جديد مع حزب "الحمامة"، وأبلغ رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بذلك. لكن هل فعلا هذا هو السبب الوجيه لرفض شريك مثالي مثل حزب الاحرار؟

لماذا فكر قياديو الجرار بهذه القسوة ضد حزب كانوا بالأمس القريب معه إخوانا آمنين؟ ألا توجد هناك نوايا مبيتة لدهس الحمامة الودبعة تحت عجلات الجرار التي لا ترحم؟

ثمة سبب رئيسي يمكن التكهن بشأنه جعل حزب الجرار يفكر بطريقة مختلفة في لحظة حاسمة تزامنت مع التحاق  فوزي لقجع بالحزب في الدقيقة التسعين من عمر حكومة عزيز اخنوش.

بدا الأمر مثل تيار بارد قادم فجأة من القطب الشمالي، وألحق ضررا بدرجة الحرارة التي تدنت في أجساد قياديين في حزب الجرار انفسهم قبل أن تنتقل إلى المشهد السياسي وتحول صيف حزب الحمامة إلى زوبعة من الامطار المصحوبة بالبرق والرعد.

كال فوزي لقجع ومعه قلة من قيادي الجرار اتهامات ثقيلة لحزب الحمامة ولقيادييه، بعضها وصل إلى رفع الورقة الحمراء، إلى درجة اعتقد قسم من الرأي العام أن النيابة العامة على أهبة فتح تحقيق في اختلالات الحكومة المتتهية ولايتها.

عن تلك الاختلالات ومن يتحمل المسؤولية بشأنها (حزبي البام والميزان كانا بدورهما في الحكومة)، لكن حاجة حزب البام اليوم تفرض عليه فتح صفحة جديدة، وفي السياسة لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة. وطبقا لهذه القاعدة يكون إلقاء حزب الحمامة على قارعة الطريق أفضل وسيلة للجرار كي يثبت جدارته ويفتح صفحة نقية مع قسم مهم من الرأي العام الشعبي، بحسب ما يراه الجراريون خطة ناجحة.

بمنطق مباريات التصفية وإقصاء الخصم، تم جر حزب الحمامة إلى ميدان الرماية، كما توقع مؤسسه أحمد عصمان، وذلك لأن أشخاصا تولوا قيادته أفرطوا في السرعة ولم يكن لديهم حس سياسي يمنعهم من ارتكاب الأخطاء القاتلة، ولم يحسنوا استغلال الفرص التي منحت إليهم في طبق من ذهب، بل كادوا يعرضون استقرار البلد للخطر في أوقات مباغثة خارجة عن السيطرة.

السؤال هل يأخذ حزب الاصالة والمعاصرة العبرة من حليفه السابق أم أنه سيقع في الاخطاء نفسها؟ ذلك ما سنعرفه في القادم من الأيام.