‏إظهار الرسائل ذات التسميات رأي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رأي. إظهار كافة الرسائل
 سبتة ومليلية وعقدة النقص الإيبيرية: السيادة المغربية خط أحمر لا تُسقطه مسرحيات البرلمانات

سبتة ومليلية وعقدة النقص الإيبيرية: السيادة المغربية خط أحمر لا تُسقطه مسرحيات البرلمانات



​بقلم: محمد المخطاري / أطلس 24

​لم يكن مشهد رئيس الحكومة الإسبانية وهو يستعرض عضلاته الدبلوماسية أمام نواب بلاده بالحدث المستغرب؛ بل هو فصل مكرر وبائس من مسرحيات الهروب إلى الأمام، التي تلجأ إليها مدريد كلما ضاقت بها سبل المناورة السياسية في مواجهة الرباط. إن محاولة تحويل تصريحات وزراء مغاربة أكدوا فيها على بديهية مغربية الثغور السليبة إلى "أزمة دبلوماسية"، ليست سوى صراخ على قدر الألم، واعتراف ضمني بأن الجغرافيا والتاريخ يطاردان الوعي الاستعماري الإسباني ككابوس لا فكاك منه.

​حين يتحدث مسؤول مغربي عن سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، فهو لا يُلقي تصريحاً عابراً في مزاد السياسة، بل ينطق بحقيقة تملأ صدور أربعين مليون مغربي. هؤلاء الذين لا يساومون على حبة رمل واحدة من طنجة إلى الكويرة، يدركون تماماً أن الاستعمار، مهما طال أمده وتوارى خلف الأسيجة الشائكة أو القوانين المحلية المصطنعة، يبقى جريمة واغتصاباً لا يكتسب شرعية بالتقادم. السيادة لا تُمنح بشهادات الميلاد الاستعمارية، ولا بمناورات استجداء اليمين المتطرف داخل دهاليز "الكونغرس" الإسباني.

​إن التمادي الأخير لبعض الأصوات العنصرية في مدريد، ومحاولات التطاول الدنيئة على المقدسات الوطنية ورمز السيادة المتمثل في راية المملكة الشريفة وشخص جلالة الملك، يفضح إفلاساً أخلاقياً مدوياً. وهو سلوك غادر لا ينم إلا عن حقد دفين وعقدة نقص تاريخية إزاء جار عريق، كان ولا يزال الحصن الأمني واللوجستي الذي يحمي استقرار الضفة الشمالية في أوقات أزماتها المعقدة. هؤلاء الواهمون يتناسون أن المغرب الذي يتعاملون معه اليوم ليس مغرب الأمس؛ فالرباط تدير علاقاتها الدولية اليوم بمنطق القوة الإقليمية الواثقة، والندية السيادية الصارمة، لا بمنطق التابع أو المداهن.

​أما اللجوء المفضوح للاحتماء بعباءة الاتحاد الأوروبي وتحويل نزاع استعماري ثنائي إلى قضية قارية، فهو حيلة العاجز الذي استشعر اختلال موازين القوى على الأرض. فمهما حاولت مدريد التخفي وراء المظلات الدولية، فإن ملف سبتة ومليلية سيظل مسألة تصفية استعمار واضحة المعالم وفق كل المواثيق، ولن تنجح المناورات الانتخابية لـ"سانشيز" أو غيره في تزييف واقع أن هذه الثغور أرض مغربية ضاربة في عمق التاريخ قبل نشأة الدولة الإسبانية الحديثة بقرون.

​لقد انتهى زمن الابتزاز وذر الرماد في العيون؛ فالسيادة المغربية خط أحمر دونه الرقاب، والتفوق الاستراتيجي للمملكة بات أمراً واقعاً تفرضه حكمة القيادة وتماسك الشعب وصرامة القوات المسلحة الملكية. وعلى ساكني القصور في مدريد أن يستفيقوا من أوهام الإمبراطورية البائدة، ويعلموا يقيناً أن الحق لا يموت بالتقادم، وأن استرجاع التراب الوطني كاملاً غير منقوص هو قدر تاريخي محتوم لا رجعة فيه.

قصبة تادلة... مدينة منكوبة بين امجاد الامس واهمال اليوم.

 



قصبة تادلة... مدينة منكوبة بين امجاد الامس واهمال اليوم.

         على الضفة اليمنى لوادي أم الربيع، حيث تتعانق مياه النهر مع خصوبة سهل تادلة، تقف مدينة قصبة تادلة شاهدة على تاريخ عريق، وشاهدة في الآن نفسه على مفارقة مؤلمة: مدينة تملك كل مقومات النهوض، لكنها ما تزال تراوح مكانها في دائرة الهشاشة والتهميش.

ذاكرة عسكرية وحضارية:

       لم تكن قصبة تادلة مجرد تجمع سكني عابر في خريطة المغرب، بل كانت، منذ تأسيسها على يد السلطان مولاي إسماعيل سنة 1687، مركزا عسكريا وإداريا استراتيجيا، أُريد له أن يراقب الطريق الرابط بين شمال البلاد وجنوبها. وحين وزّع مولاي إسماعيل حكم الأقاليم على أبنائه سنة 1700، ولّى ابنه أحمد الذهبي (العلوي) واليا على جهة تادلا، فوسّع القصبة وشيّد بها معالم اخرى، قبل أن يصبح سلطانا على المغرب بعد وفاة والده سنة 1727. وهكذا تحولت القصبة تدريجيا من ثكنة عسكرية إلى نواة حضرية متكاملة، انضم إليها "كَيش آيت الربع" ليمنحها كثافة سكانية وثقلا بشريا لافتا. ولم يقتصر دور المدينة على الوظيفة العسكرية، بل كانت لها إسهامات بارزة في حركة المقاومة الوطنية إبان الاستعمار، وهو ما يمنحها اليوم مشروعية رمزية تُضاف إلى مشروعيتها التاريخية.

         هذا الإرث المعماري النادر، بهندسته العجيبة وأسواره المرتفعة فوق الصخور، وبمسجديه ومخازنه وممراته السرية، لا يزال إلى اليوم يقاوم الإهمال أكثر مما يُصان. فالقصبة التي كان يُفترض أن تكون قبلة سياحية بامتياز، أسوة بقصبة الأوداية بالرباط أو قصبة شالة، تعاني غياب الكهرباء والماء في بعض أجزائها، وتراكم الأتربة على أزقتها، في مشهد يعكس تناقضا صارخا بين قيمة الموروث وواقع التدبير.

سهل خصب.. وهامش منسي:

           لا تقتصر مفارقة قصبة تادلة على بعدها التاريخي، بل تمتد إلى مواردها الطبيعية والبشرية، فالمدينة تقع في قلب إقليم من أغنى أقاليم المغرب، تمتد مراعيه الخصبة على مساحات شاسعة، واشتهر أهله بتربية الماشية وجودة التربة وكثرة المياه، إنها، بمعنى آخر، خزان فلاحي ومائي حقيقي، يغذي جزءا من الاقتصاد الوطني، لكنه لا يجني من هذا الغنى سوى فتات التنمية.

       فبينما تُصدَّر منتجات السهل إلى أسواق بعيدة، يبقى سكان المدينة يعانون ضعف البنيات التحتية، ومحدودية فرص الشغل، وهجرة الشباب بحثا عن أفق آخر، وهنا يكمن جوهر الإشكال: كيف يمكن لمجال بهذا الثراء الطبيعي والبشري أن يظل حبيس الهشاشة في التعليم والصحة والتشغيل والتجهيزات الأساسية؟ إنه سؤال لا يخص قصبة تادلة وحدها، بل يطرح نفسه على عشرات المدن المغربية الصغرى والمتوسطة التي تحولت، رغم ثرواتها، إلى هوامش منسية في خارطة التنمية الوطنية.

حين تتحول السياسة إلى عائق أمام التنمية:

      غير أن تفسير تهميش قصبة تادلة لا يستقيم من دون التوقف عند بُعد آخر، أقل ظهورا لكنه لا يقل خطورة: الصراعات السياسوية والحسابات الضيقة التي طبعت تدبير الشأن المحلي على مدى عقود، فالمدينة شهدت تعاقب مجالس منتخبة من ألوان حزبية متعددة، حملت كل واحدة منها وعودا انتخابية سخية، دون أن يترجم ذلك التناوب إلى قطيعة حقيقية مع واقع الإهمال، والملاحَظ أن جزءا كبيرا من الطاقة السياسية المحلية يُستنزف في صراعات النفوذ داخل المجالس المنتخبة نفسها، وفي خلافات حول رئاسة اللجان والمواقع التمثيلية، بدل أن يُوجَّه نحو تدبير تشاركي للملفات الكبرى.

       كما لا يمكن إغفال ما تكشفه بين الفينة والأخرى بعض القضايا المرتبطة بحسن التدبير والشفافية في تسيير الشأن المحلي، والتي تغذي لدى الساكنة شعورا متزايدا بالريبة تجاه المنتخبين، وتُضعف الثقة في قدرة المؤسسات المحلية على حمل مشاريع التنمية، وحين تتقدم الحسابات الحزبية الضيقة والتموقعات الشخصية على المصلحة العامة، يتحول المجلس المنتخب من رافعة للتنمية إلى ساحة صراع تستهلك الوقت والموارد وتُعطّل المشاريع، فيدفع سكان المدينة العاديون ثمن هذا التناحر في صورة بنيات تحتية متهالكة وخدمات عمومية غائبة، إن معالجة هذا البعد السياسي لا تقل إلحاحا عن معالجة العجز في التمويل أو البنيات التحتية، ذلك أن أي مشروع تنموي، مهما كان طموحا، سيبقى رهين إرادة سياسية محلية موحدة تتجاوز حسابات الفرد والفصيل إلى أفق المدينة ومستقبل ساكنتها.

من الذاكرة إلى المشروع:

        إن استحضار هذا التاريخ ليس ترفا نوستالجيا، بل هو تذكير بأن المدينة تملك من الرصيد الرمزي والمادي ما يؤهلها لتكون قطبا تنمويا حقيقيا، لا مجرد محطة عبور على الطريق الرابط بين بني ملال والدار البيضاء وبين فاس ومراكش، فترميم القصبة الإسماعيلية وتثمينها كمعلمة تاريخية وسياحية، وتأهيل البنيات التحتية، وخلق فرص استثمارية في المجال الفلاحي والصناعات المرتبطة به، ليست مطالب استثنائية، بل هي أبسط ما يمكن أن تحصل عليه مدينة بهذا الوزن التاريخي والاقتصادي، وتبقى هذه المطالب رهينة أيضا بتجاوز منطق الحسابات السياسية الضيقة نحو تعاقد محلي حقيقي يجمع مختلف الفاعلين حول أولوية واحدة: مصلحة المدينة.

            إن قصبة تادلة، بما تختزنه من ذاكرة وموارد، ليست في حاجة إلى معجزة، بل إلى إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار لهذا المجال، وتترجم غناه الطبيعي والتاريخي إلى تنمية ملموسة تشعر بها ساكنته، فالتاريخ وحده لا يُطعم الجائع ولا يُشغّل العاطل، لكنه يظل، حين يُستثمر بحكمة، رافعة رمزية واقتصادية لا يستهان بها، وتبقى المفارقة الكبرى قائمة: مدينة غنية بتاريخها ومواردها، فقيرة بما تحصل عليه من عناية أبنائها ومن يدبرون شأنها العام.

 

حين تصبح التزكيات "إرثاً عائلياً".. احتكار الشأن العام وموت الحافز الديمقراطي




​تشهد الساحة السياسية مع اقتراب كل استحقاق انتخابي مفارقة بنيوية مقلقة؛ فبدل أن تكون الانتخابات محطة لتجديد النخب وضخ دماء جديدة تعكس نبض المجتمع، تتحول إلى موسم لترسيخ "شخصنة الأحزاب" وتكريس النفوذ الفردي والعائلي. الأخطر في هذا المسار هو مصادرة آليات التمييز الإيجابي—التي شُرعت لإنصاف الكفاءات النسائية والشبابية—وتحويلها إلى مساحات للريع العائلي والترضيات المغلقة، حيث تتصدر القوائم زوجات أو بنات أو أخوات المتنفذين، على حساب المناضلات والكفاءات الميدانية.

​السياسة من نضال عمومي إلى مهنة ومصدر ريع

إن جوهر الأزمة لا يقف عند حدود "المحاباة"، بل يمتد إلى تحول العمل السياسي من التزام وطني وتنافس برامجي إلى مهنة مدرّة للوجاهة والمكاسب المادية. لقد أدى هذا التحول إلى احتكار فئة محدودة من "محترفي الانتخابات" للمشهد الحزبي، وتحييد النخب الفكرية والسياسية الحقيقية. وحين يُصبح الولاء للشخص أو القرابة العائلية هو المعيار الأوحد لنيل التزكية، تفقد المؤسسة الحزبية دورها الدستوري في التأطير والتمثيل، وتتحول إلى مجرد منصات إجرائية لخدمة طموحات فئوية ضيقة.

​اغتيال المنافسة والعزوف الانتخابي الواعي

يترتب على هذا الإغلاق الممنهج أثر مباشر وبالغ الخطورة على ثقة المواطن في العملية الديمقراطية برمتها:

​توقع النتائج مسبقاً: عندما تصبح التزكيات محسومة لشبكات نفوذ متوارثة، يفقد الناخب الشعور بجدوى صوته، إذ يدرك أن قواعد اللعبة كُرّست لإعادة إنتاج نفس الوجوه والولاءات.

​النزيف الحاد في المشاركة: لم يعد تراجع نسب التصويت مجرد لا مبالاة أو عزوف عشوائي، بل صار رسالة احتجاج سياسي واعية على فرض أمر واقع مغلق لا يتيح التغيير الحقيقي.

​خارطة طريق لاستعادة المصداقية الحزبية

إن الخروج من عنق هذه الأزمة وتفادي تفاقم الفجوة بين المجتمع والمؤسسات يتطلب تدابير هيكلية حاسمة تشمل:

​مأسسة التزكيات بقوة القانون: فرض تصويت ديمقراطي شفاف وقواعد تمهيدية داخلية لاختيار المرشحين، ونزع صلاحية الحسم المطلق من أيدي اللجان الفردية أو المكاتب السياسية المغلقة.

​منع تعارض المصالح والمحاباة العائلية: تجريم ترشيح الأقارب من الدرجة الأولى لقيادات الحزب في اللوائح المخصصة للتمييز الإيجابي، وتحديد سقف الاستفادة منها في ولاية واحدة غير قابلة للتجديد.

​الاستحقاق والشفافية: إرساء شبكات تنقيط موضوعية مبنية على الكفاءة، والأقدمية النضالية، والامتداد الشعبي، مع ربط الدعم العمومي المقدم للأحزاب بمدى التزامها بهذه المعايير.

​إن استعادة ثقة المواطنين في صناديق الاقتراع ليست ترفاً تدبيرياً، بل هي مدخل حاسم لتحصين المشهد العام؛ فالأحزاب التي تعجز عن تطبيق الديمقراطية داخل هياكلها لا يمكنها أن تبني تعاقداً ديمقراطياً موثوقاً مع المجتمع.

​الخدمة الوطنية والتوازن الاستراتيجي: رؤية ملكية تعيد تعريف الشراكة والدور المغربي

 

​الخدمة الوطنية والتوازن الاستراتيجي: رؤية ملكية تعيد تعريف الشراكة والدور المغربي



طلس 24 | مقال رأي

​بقلم: محمد المخطاري

​تتكامل الرسائل السياسية والإنسانية العميقة في الخطب الملكية لتشكل مدرسة استثنائية في الحكم والقيادة؛ مدرسة ترتكز على نكران الذات، وجعل الخدمة الوطنية الأسمى فوق كل اعتبار، والعمل الصامت المتواصل الذي يبتعد عن استعراض الألقاب ليصنع الأثر الملموس في حياة المواطنين.

​حين يؤكد جلالة الملك محمد السادس أنه لم يبحث يوماً عن مجد شخصي أو اعتراف بدور ريادي قاري أو دولي، بل إن كل ما يشغل باله هو النهوض بأمانة خدمة الشعب المغربي وتمكينه من شروط العيش الحر الكريم، فإن جلالته يضع القاعدة الصلبة التي تُبنى عليها كل السياسات الداخلية والخارجية للمملكة. إنها رؤية تجعل من المجد نتيجة تلقائية للعمل المخلص، وليس هدفاً يُسعى إليه لذاته.

​ومن رحاب هذا التواضع والالتزام بالمسؤولية الوطنية، ينطلق المغرب في سياسته الخارجية بثبات واقتدار. فالمغرب اليوم لم يعد مجرد سوق الاستهلاك أو طرفاً هامشياً في المعادلة الإقليمية، بل أضحى فاعلاً اقتصادياً رئيساً وشريكاً يفرض احترامه في إطار علاقات متوازنة وموجهة نحو المستقبل.

​هذه التحولات الهيكلية مكنت المملكة، بكل ثقة ووضوح، من المبادرة إلى:

​مساءلة الشركاء التقليديين: بناءً على الوضوح والاحتياجات المشتركة، بعيداً عن منطق التبعية أو المزايدات.

​طرح مبادرات تعاون بناءة: تقديم حلول عمليّة ومستدامة للقضايا الثنائية والدولية الكبرى، خاصة في أفريقيا.

​تنويع الشراكات الاستراتيجية: الانفتاح المنظم والمسؤول على القوى الاقتصادية الصاعدة، بما يرفع من قيمة المغرب ويمتّن قدراته في شتى المجالات.

​إن هذا التوازن الدقيق بين العناية بالداخل ورفع مكانة الوطن في الخارج يمثل صلب الاستراتيجية المغربية المعاصرة. فالعيش الحر الكريم للمواطن المغربي يتطلب اقتصاداً قوياً، والشراكات الدولية المتوازنة المتنوعة هي المحرك الأساس لهذا النمو.

​بهذا النهج الموصول، يواصل المغرب كتابة فصل جديد من تاريخه الحديث؛ فصلٌ عنوانه الأبرز: الإخلاص في الخدمة، والسيادة في القرار، والتطلع الدائم نحو المستقبل.

ليس كل المشهد السياسي أشباحا... قراءة أخرى في واقع جهة بني ملال خنيفرة


 بقلم : الدكتور عبد الكريم جلال 

أثار المقال الذي تناول واقع الممارسة السياسية بجهة بني ملال خنيفرة، وما رافقه من حديث عن "أشباح الانتخابات" و"سماسرة السياسة"، نقاشا واسعا حول التحولات التي عرفتها الجهة خلال العقود الأخيرة. ورغم وجاهة جزء من الانتقادات الموجهة لبعض الممارسات التي أسهمت في إضعاف ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن المشهد السياسي بالجهة لا يمكن اختزاله في صور قاتمة أو في سلوكات موسمية معزولة، لأن ذاكرة المنطقة ما تزال تحتفظ برجال جعلوا من العمل العام رسالة، ومن التنمية مشروعا ممتدا في الزمان والمكان.

لقد عرفت جهة بني ملال خنيفرة، على امتداد سنوات طويلة، رجالات طبعوا الحياة السياسية والإدارية بكثير من الجدية والمسؤولية، وجعلوا من خدمة المواطن أولوية تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة. ولم تكن السياسة بالنسبة إلى هؤلاء مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب، بل التزاما أخلاقيا يقوم على القرب من الساكنة والدفاع عن مصالحها، في وقت كانت فيه بيوت المسؤولين مفتوحة لأبناء الجهة، وكانت الوساطة تمارس باعتبارها واجبا اجتماعيا لا امتيازا شخصيا.

وإذا كان المشهد السياسي الراهن قد أفرز، بلا شك، بعض الممارسات التي تقوم على منطق المناسبات الانتخابية والوعود العابرة، فإن ذلك لا ينبغي أن يحجب نماذج أخرى اختارت العمل بصمت، وربطت المسؤولية العمومية بالفعل التنموي الملموس. ومن بين هذه الأسماء، يبرز السيد صالح حمزاوي، الذي راكم تجربة غنية في تدبير الشأن العام، سواء من خلال توليه رئاسة جهة تادلة أزيلال لولايتين متتاليتين، أو عبر تحمله مسؤولية الخازن العام للمملكة، فضلا عن رئاسته لجمعية أحمد الحنصالي للتنمية، الجمعية الوحيدة بجهة بني ملال خنيفرة الحاصلة على صفة المنفعة العامة.

وللإنصاف كذلك، لا بد من التذكير بأن مجلس جهة تادلة أزيلال، ورغم محدودية موارد، فقد ترك وراءه إرثا من المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي أسهمت في تغيير ملامح الجهة ووضع أسس تنميتها المستقبلية. فقد شهدت تلك المرحلة إطلاق عدد من الأوراش المهيكلة، من قبيل الطريقالسيار، والمطار، وإحداث المنطقة الصناعية بأولاد امبارك، إلى جانب مشاريع أخرى راهنت على تعزيز جاذبية الجهة وخلق شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ولم تكن هذه المشاريع ثمرة تدبير ظرفي أو حسابات انتخابية ضيقة، بل جاءت نتيجة رؤية استشرافية آمنت بأن التنمية الحقيقية تبنى على المدى البعيد، وأن أثر المسؤول لا يقاس فقط بما ينجزه خلال ولاية انتخابية، وإنما بما يتركه للأجيال المقبلة من مشاريع وفرص وآفاق.

وفي السياق ذاته، واصلت جمعية أحمد الحنصالي للتنمية، تحت رئاسة السيد صالح حمزاوي، انخراطها في خدمة التنمية المحلية من خلال مبادرات عملية ذات أثر مباشر على حياة المواطنين. ففي إطار شراكة تجمع بين الجمعية ومجلس جهة بني ملال خنيفرة والمديرية الجهوية للصحة والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات ببني ملال، تم تشغيل 125 ممرضا وممرضة، و25 طبيبا وطبيبة، في خطوة تعكس إيمانا راسخا بأهمية الاستثمار في الرأسمال البشري وتعزيز الخدمات الصحية بالجهة.

كما امتد هذا الرهان إلى قطاع التكوين والرقمنة، عبر إحداث المدرسة الرقمية بشراكة مع مجلس جهة بني ملال خنيفرة واللجنة الإقليمية للتنمية البشرية ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة. وقد استهدفت هذه المبادرة تكوين شباب الجهة في مجالات المعلوميات والتكنولوجيا الحديثة، وتأهيلهم لولوج سوق الشغل، بما ينسجم مع التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد الرقمي.

وقد أثمرت هذه التجربة إدماج أكثر من 80 شابة وشابا في سوق العمل، فضلا عن تحقيق إشعاع وطني للجهة بعد تتويج مروان بونو، أحد طلبة المدرسة الرقمية، بالجائزة الوطنية الأولى في المسابقة التي نظمتها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة بمدينة مرزوكة، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى جانب فوزه بالجائزة الجهوية، في إنجاز يعكس الإمكانات الكبيرة التي يزخر بها شباب المنطقة متى توفرت لهم شروط التكوين والمواكبة.

إن النقد البناء للمشهد السياسي يظل ضرورة لا غنى عنها لتصحيح الاختلالات وتعزيز ثقافة المحاسبة، غير أن هذا النقد يفقد كثيرا من موضوعيته حين يتجاهل التجارب الجادة والمبادرات التي ما تزال تؤمن بأن التنمية الحقيقية لا تصنع بالشعارات، بل بالعمل الميداني وبالاستثمار في الإنسان.

إن جهة بني ملال خنيفرة، وهي تواجه اليوم تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، تحتاج إلى نخب سياسية وإدارية تجمع بين حكمة الماضي ومتطلبات الحاضر، وتؤمن بأن المسؤولية ليست مجرد محطة انتخابية عابرة، بل عهد دائم مع المواطن والتاريخ. فالتاريخ لا يحتفظ بأسماء الذين اكتفوا بالظهور في مواسم الانتخابات، وإنما يخلد أولئك الذين تركوا أثرا حقيقيا في حياة الناس وأسهموا في بناء مستقبل الجهة.

ليس كل المشهد السياسي أشباحا... قراءة أخرى في واقع جهة بني ملال خنيفرة





بقلم : الدكتور عبد الكريم جلال 
أثار المقال الذي تناول واقع الممارسة السياسية بجهة بني ملال خنيفرة، وما رافقه من حديث عن "أشباح الانتخابات" و"سماسرة السياسة"، نقاشا واسعا حول التحولات التي عرفتها الجهة خلال العقود الأخيرة. ورغم وجاهة جزء من الانتقادات الموجهة لبعض الممارسات التي أسهمت في إضعاف ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن المشهد السياسي بالجهة لا يمكن اختزاله في صور قاتمة أو في سلوكات موسمية معزولة، لأن ذاكرة المنطقة ما تزال تحتفظ برجال جعلوا من العمل العام رسالة، ومن التنمية مشروعا ممتدا في الزمان والمكان.
لقد عرفت جهة بني ملال خنيفرة، على امتداد سنوات طويلة، رجالات طبعوا الحياة السياسية والإدارية بكثير من الجدية والمسؤولية، وجعلوا من خدمة المواطن أولوية تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة. ولم تكن السياسة بالنسبة إلى هؤلاء مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب، بل التزاما أخلاقيا يقوم على القرب من الساكنة والدفاع عن مصالحها، في وقت كانت فيه بيوت المسؤولين مفتوحة لأبناء الجهة، وكانت الوساطة تمارس باعتبارها واجبا اجتماعيا لا امتيازا شخصيا.
وإذا كان المشهد السياسي الراهن قد أفرز، بلا شك، بعض الممارسات التي تقوم على منطق المناسبات الانتخابية والوعود العابرة، فإن ذلك لا ينبغي أن يحجب نماذج أخرى اختارت العمل بصمت، وربطت المسؤولية العمومية بالفعل التنموي الملموس. ومن بين هذه الأسماء، يبرز السيد صالح حمزاوي، الذي راكم تجربة غنية في تدبير الشأن العام، سواء من خلال توليه رئاسة جهة تادلة أزيلال لولايتين متتاليتين، أو عبر تحمله مسؤولية الخازن العام للمملكة، فضلا عن رئاسته لجمعية أحمد الحنصالي للتنمية، الجمعية الوحيدة بجهة بني ملال خنيفرة الحاصلة على صفة المنفعة العامة.
وللإنصاف كذلك، لا بد من التذكير بأن مجلس جهة تادلة أزيلال، ورغم محدودية موارد، فقد ترك وراءه إرثا من المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي أسهمت في تغيير ملامح الجهة ووضع أسس تنميتها المستقبلية. فقد شهدت تلك المرحلة إطلاق عدد من الأوراش المهيكلة، من قبيل الطريقالسيار، والمطار، وإحداث المنطقة الصناعية بأولاد امبارك، إلى جانب مشاريع أخرى راهنت على تعزيز جاذبية الجهة وخلق شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولم تكن هذه المشاريع ثمرة تدبير ظرفي أو حسابات انتخابية ضيقة، بل جاءت نتيجة رؤية استشرافية آمنت بأن التنمية الحقيقية تبنى على المدى البعيد، وأن أثر المسؤول لا يقاس فقط بما ينجزه خلال ولاية انتخابية، وإنما بما يتركه للأجيال المقبلة من مشاريع وفرص وآفاق.
وفي السياق ذاته، واصلت جمعية أحمد الحنصالي للتنمية، تحت رئاسة السيد صالح حمزاوي، انخراطها في خدمة التنمية المحلية من خلال مبادرات عملية ذات أثر مباشر على حياة المواطنين. ففي إطار شراكة تجمع بين الجمعية ومجلس جهة بني ملال خنيفرة والمديرية الجهوية للصحة والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات ببني ملال، تم تشغيل 125 ممرضا وممرضة، و25 طبيبا وطبيبة، في خطوة تعكس إيمانا راسخا بأهمية الاستثمار في الرأسمال البشري وتعزيز الخدمات الصحية بالجهة.
كما امتد هذا الرهان إلى قطاع التكوين والرقمنة، عبر إحداث المدرسة الرقمية بشراكة مع مجلس جهة بني ملال خنيفرة واللجنة الإقليمية للتنمية البشرية ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة. وقد استهدفت هذه المبادرة تكوين شباب الجهة في مجالات المعلوميات والتكنولوجيا الحديثة، وتأهيلهم لولوج سوق الشغل، بما ينسجم مع التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد الرقمي.
وقد أثمرت هذه التجربة إدماج أكثر من 80 شابة وشابا في سوق العمل، فضلا عن تحقيق إشعاع وطني للجهة بعد تتويج مروان بونو، أحد طلبة المدرسة الرقمية، بالجائزة الوطنية الأولى في المسابقة التي نظمتها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة بمدينة مرزوكة، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى جانب فوزه بالجائزة الجهوية، في إنجاز يعكس الإمكانات الكبيرة التي يزخر بها شباب المنطقة متى توفرت لهم شروط التكوين والمواكبة.
إن النقد البناء للمشهد السياسي يظل ضرورة لا غنى عنها لتصحيح الاختلالات وتعزيز ثقافة المحاسبة، غير أن هذا النقد يفقد كثيرا من موضوعيته حين يتجاهل التجارب الجادة والمبادرات التي ما تزال تؤمن بأن التنمية الحقيقية لا تصنع بالشعارات، بل بالعمل الميداني وبالاستثمار في الإنسان.
إن جهة بني ملال خنيفرة، وهي تواجه اليوم تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، تحتاج إلى نخب سياسية وإدارية تجمع بين حكمة الماضي ومتطلبات الحاضر، وتؤمن بأن المسؤولية ليست مجرد محطة انتخابية عابرة، بل عهد دائم مع المواطن والتاريخ. فالتاريخ لا يحتفظ بأسماء الذين اكتفوا بالظهور في مواسم الانتخابات، وإنما يخلد أولئك الذين تركوا أثرا حقيقيا في حياة الناس وأسهموا في بناء مستقبل الجهة.






التزكيات الفوقية و"التقية السياسية": عندما تصنع الأحزاب هزيمتها بيدها في بني ملال خنيفرة

 التزكيات الفوقية و"التقية السياسية": عندما تصنع الأحزاب هزيمتها بيدها في بني ملال خنيفرة





​بقلم: [محمد المخطاري ]

​تعيش المشاهد السياسية المحلية بجهة بني ملال خنيفرة على وقع حراك صامت، لكنه يحمل في طياته بذور تغيير جذري قد يقلب موازين القوى في أي استحقاق قادم. فالأمر لم يعد مجرد تخمينات، بل أضحى واقعاً ملموساً تقوده قيادات اثنين من أكبر الأحزاب السياسية في الجهة، واللذين اختارا، عن وعي أو دونه، اعتماد "سياسة الأمر الواقع" وفرض تزكيات فوقية لم تراعِ نبض القواعد ولا خصوصية الامتداد الشعبي.

​هذا الأسلوب العمودي في اتخاذ القرار خلّف وراءه قواعد غاضبة، منكسرة، تعيش حالة من الاغتراب التنظيمي. غير أن الخطير في المشهد الراهن ليس الغضب بحد ذاته، بل طبيعته؛ فهو غضب لا يترجم في بلاغات نارية أو انسحابات علنية، بل يتدثر بعباءة "التقية السياسية". إنها حالة من الصمت المطبق والانحناء المؤقت للعاصفة، تنطوي على ترتيبات سرية لـ "قلب البوصلة" نحو وجهات أخرى، في سلوك يجسد "الحقيقة المرة" التي ترفض القيادات المركزية بـأبراجها العاجية الاعتراف بها.

​معضلة "الأمر الواقع" وانفصال المركز عن الهامش

​إن لجوء الأحزاب الكبرى إلى فرض أسماء بعينها دون استشارة حقيقية للقواعد المحلية يعكس أزمة ديمقراطية داخلية بنيوية. في جهة كجهة بني ملال خنيفرة، بجغرافيتها المعقدة وتنوعها السوسيو-ثقافي، لا يمكن لصناديق الاقتراع أن تُقاد بـ "التحكم عن بعد".

​حينما يتم تهميش الطاقات المحلية والشباب المناضل الذي يمتلك الشرعية النضالية والقرب من المواطن، لحساب حسابات ريعية أو "بروفايلات" جاهزة مفروضة من الأعلى، فإن الحزب لا يزكي مرشحاً فحسب، بل يزكي معولاً لهدم تماسك بيته الداخلي.

​"التقية السياسية": الغضب الصامت الذي يسبق العاصفة

​تخطئ القيادات الحزبية إذا اعتقدت أن انضباط القواعد الظاهري وحضورها الباهت في اللقاءات الرسمية هو صك غفران أو قبول بالأمر الواقع. إن ما يحدث اليوم في بني ملال، والفقيه بنصالح، وخنيفرة، وأزيلال، وخريبكة، هو ممارسة واعية لـ "التقية السياسية".

​المناضلون الغاضبون قرروا عدم الدخول في مواجهات مباشرة قد تعرضهم للمحاسبة التنظيمية، وفضلوا الاحتفاظ ببطاقاتهم الانتخابية وقدرتهم التعبئية كـ "كتلة صامتة" و"قنبلة موقوتة" ستنفجر في وجه الحزب داخل معزل التصويت.

​قلب البوصلة.. سيناريوهات العقاب الانتخابي

​تشير كل التوقعات والقراءات الميدانية إلى أن هذه "الحقيقة المرة" ستترجم قريباً إلى معادلة "التصويت العقابي". ولن يخرج سيناريو "قلب البوصلة" عن ثلاثة اتجاهات رئيسية:

​الدعم الخفي للمنافسين: توجيه الخزان الانتخابي للقواعد المنكسرة نحو أحزاب أخرى (سواء كانت منافسة تقليدية أو قوى صاعدة) نكاية في قرارات المركز.

​العزوف السلبي: سحب الماكينة التعبئية للحزب والامتناع عن خوض الحملات الانتخابية، مما يترك المرشح "المزكى" معزولاً بدون غطاء شعبي.

​الهجرة الجماعية الصامتة: الانتقال الجماعي نحو تنظيمات سياسية بديلة بدأت بالفعل في فتح أبوابها لاستقطاب مغاضبي الأحزاب الكبرى.

​عواقب الاستعلاء السياسي

​إن السياسة، في جوهرها، هي علم إدارة التوقعات وبناء الثقة، وليست فرضاً للإرادات بالقوة. وما تشهده جهة بني ملال خنيفرة اليوم هو جرس إنذار شديد اللهجة لقيادات الأحزاب الكبرى.

​إن المراهنة على "الأمر الواقع" والقبول الشكلي للقواعد هو رهان خاسر، لأن القواعد المنكسرة قد لا تملك سلطة منع التزكية، لكنها تملك حتماً سلطة إسقاط المرشح. والحقيقة المرة التي يجب أن تستوعبها هذه الأحزاب هي أن من يزرع الاستعلاء الفوقي، لن يحصد سوى الخذلان في صناديق الاقتراع، لتبقى الجهة مرشحة لزلزال سياسي يعيد رسم خريطتها بعيداً عن حسابات الرباط والدار البيضاء.


نخب الجهة : من "كرم الأعيان" إلى "أشباح الصناديق"

 نخب الجهة : من "كرم الأعيان" إلى "أشباح الصناديق"





بقلم: ٠محمد المخطاري

بين الأمس واليوم، تبدو المسافة السياسية في جهة بني ملال خنيفرة أبعد بكثير من مجرد تعاقب أجيال أو تغير وجوه؛ إنها مسافة تفصل بين زمنين طبع الأول منهما رجالات جعلوا من العمل السياسي امتداداً لقيم الشهامة والرزانة والارتباط الوثيق بالتراب، وزمنٍ ثانٍ بات يعاني من تصحر سياسي وجفاء إنساني، تحولت فيه العلاقة بين المنتخب ومحيطه إلى مجرد صفقات موسمية عابرة.

حين يستحضر أبناء الدير والجبل القامات الوازنة التي ما زالت تشهد على العصر الذهبي للممارسة السياسية بالجهة، يستحضرون معها مفهوماً نبيلاً للوساطة والمسؤولية. رجالات من طينة السيد الحبيب المالكي والسيد خلا السعيدي، والسيد حسن الماعوني، والسيد أمين الدمناتي، والسيد المشهوري الذي ارتبط اسمه بالطفرة التنموية والوعي المسؤول في إقليم بني ملال ومدينة القصيبة. لم تكن السياسة عند هؤلاء الأفاضل – أطال الله في أعمارهم ومتعهم بموفور الصحة – مجرد ترف أو مقعد عابر، بل كانت التزاماً أخلاقياً، وكانت بيوتهم في العاصمة الرباط مفتوحة لكل قاصد من أبناء الجهة، يجدون فيها المأوى، والوساطة الشريفة، والسند؛ لأن "البلاد" كانت هي الأصل، وهي المبتدأ والمنتهى.

في المقابل، يقف المشهد اليوم شاهداً على تحول دراماتيكي مقلق. لقد تراجعت تلك النخب الوازنة لتفسح المجال لبعض الكائنات الانتخابية يوصف أصحابها بـ"الأشباح". وجوه لا تولّي قِبلتها شطر المنطقة إلا مع هبوب رياح الانتخابات، حاملةً وعوداً موسمية سرعان ما تتبخر بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، ليعود "المنتخب الكبير" إلى برجه العاجي خلف هواتف مغلقة وأبواب موصدة، دون أدنى خجل من ساكنة وثقت به.

ولعل أخطر ما أفرزته هذه التحولات، هو تلك "الهندسة المعيبة" للعملية الانتخابية التي ينهجها هؤلاء الأشباح مخافة مواجهة الناخبين ومحاسبتهم المشروعة. لقد اهتدوا إلى استراتيجية بئيسة لـ"اختصار الطريق"، عبر حصر "كرمهم" وجيوبهم في جلسات مغلقة لاستمالة بعض رؤساء الجماعات الترابية الضعاف. هؤلاء الرؤساء الذين تحول الكثير منهم – للأسف – إلى "وسطاء وسماسرة" خانوا الأمانة والشرعية التي زكّتهم الساكنة من أجلها، ليتحولوا إلى خط دفاع يحمي البرلماني أو المسؤول من غضبة الشعب، ويضمنون له خلايا انتخابية جاهزة للتعبئة.

إنها عملية "خصخصة" فجة للعمل السياسي؛ أفرغت المجالس الجماعية من دورها التنموي المفترض، وأعدمت مبدأ المحاسبة، وجعلت المواطن البسيط معزولاً وراء جدار سميك من الوساطة الريعية الانتهازية.

إن جهة بني ملال خنيفرة، وهي تجتاز منعرجاً تنموياً حاسماً يفرض مواجهة معضلات اقتصادية و اجتماعية ، لم تعد تحتمل نخب المناسبات ولا سماسرة الهوامش. إنها في أمس الحاجة اليوم إلى رجة وعي تقطع مع "أشباح الصناديق"، وتستلهم من جيل الأمس وعطائه الحي قيم الأنفة والغيرة الحقيقية، لتصيغ بها نُخباً جديدة تملك كفاءة العصر وغيرة الماضي، وتؤمن بأن المسؤولية تعاقد مباشر مع المواطن، وليست صفقة تُبرم خلف الأبواب المغلقة مع وسطاء خانوا العهد.



معركة تطهير الحقل الإعلامي: عندما يحجب "التأويل النقابي" حقيقة "التطفل" بالجهة




​بقلم:  محمد المخطاري

​أثار البيان الاستنكاري الأخير للفيدرالية المغربية لناشري الصحف بجهة بني ملال خنيفرة زوبعة من القراءات والردود الصادرة عن إطارات نقابية زميلة. وهي ردود، وإن كنا نتقاطع مع مصدريها في الكثير من قضايا الترافع المجتمعي والدفاع عن كرامة الشغيلة، إلا أنها جانبت الصواب بشكل قطعي، وحمّلت النص ما لم يقله، بل وذهبت بعيداً في تأويل عبارات واضحة ركزت بالأساس على "تطهير القطاع من منتحلي الصفة والمتطفلين".

​إن أولى خطوات التأسيس لنقاش مهني سليم تقتضي العودة إلى منطوق الوثيقة التشريعية الأساسية التي تؤطرنا جميعاً، ونقصد هنا مدونة الصحافة والنشر. فالمدونة واضحة في مقتضياتها، ولا تعترف خارج فصولها إلا بصفة "الصحفي المهني" المستوفي للشروط القانونية والأخلاقية والعلمية. ومن هذا المنطلق القانوني الصرف، لم يكن بيان الفيدرالية يوماً موجهاً ضد أي ممارسة إعلامية مسؤولة، بل كان صرخة ضد الفوضى العارمة والارتزاق وانتحال صفة ينظمها القانون.

​وهنا وجب التذكير بسياق تاريخي عشته شخصياً وعشناه جميعاً في هذه الجهة؛ فقد واكبنا لسنوات طوال أسماءً محترمة ولا زالت من المتعاونين مع منابر إعلامية وطنية، خاصة في الصحافة الورقية العريقة والإعلام السمعي، وكان أغلبهم من رجال التعليم الأجلاء وغيرهم. لقد أثرى هؤلاء المشهد الإعلامي بكتاباتهم ورصانتهم، لأنهم كانوا يملكون الحد الأدنى والضروري للممارسة المهنية من ثقافة واسعة، ولغة رصينة، والتزام أخلاقي صارم، والأهم من ذلك، أنهم لم يتجاوزوا يوماً حدود القانون ولم يستغلوا "الصفة" للارتزاق أو التشهير.

​فليس العيب أبداً في تواجد متعاونين في المجال الإعلامي ما دام هناك حاجة أو خصاص تشهده الجهة؛ بل إن هذا التواجد يشكل إضافة نوعية وإغناءً حقيقياً للمشهد، شريطة أن يكون مؤطراً قانونياً وأخلاقياً، وعلى قدر عالٍ من المسؤولية، بما يضمن حفظ كرامة الشخص المعني أولاً، وصون مصداقية ووقار المشهد الإعلامي ثانياً.

​أما اليوم، فإن الادعاء والاتهام بوجود "إرادة للتحكم في المشهد الإعلامي"، هو خطأ في العنوان لا يفهمه ولا يروج له إلا من يمد يده للاسترزاق والارتزاق البديل، عوض حمل رسالة الإعلام النبيلة والمسؤولة. إن هذا الصنف من الدخلاء، بسلوكه الانتهازي المشين، يسيء لسمعة ومصداقية الجميع، ويعمم وصمة "السلوك العشوائي" على الجسم الإعلامي بأكمله بالجهة، وهو ما لا يمكن قبوله أو السكوت عنه.

​إن هذه الفوضى يغذيها جزء كبير من المؤسسات والمقاولات الإعلامية الصادرة من خارج الجهة. هذه المنابر تعمد، مع الأسف، إلى توزيع "اعتمادات" و"تكليفات" وتفويضات لأشخاص يمثلونها داخل نفوذ الجهة، دون التأكد من توفرهم على الحد الأدنى من الشروط العلمية أو الأخلاقية أو الأهلية للممارسة المهنية، ودون أدنى مراعاة للمنظومة القانونية الوطنية.

​إن هذا الوضع يضع الإطارات النقابية والمهنية الجادة أمام مسؤولية تاريخية مشتركة تستدعي التنسيق واليقظة في التعاطي مع هذا الملف؛ فالعمل النقابي النبيل يرتكز بالأساس على صون المهنة وتحصينها، ممّا يتطلب فرزاً دقيقاً يمنع استغلال شعارات الدفاع عن الشغيلة من طرف أشخاص لا تتوفر فيهم أدنى شروط الممارسة القانونية والأخلاقية، تفادياً للخلط الذي قد يسيء، عن غير قصد، للمشروعية الترافعية للنقابات نفسها وللأهداف المشتركة التي تجمعنا.

​ومن هذا المنطلق، فإننا نجدد الدعوة الصادقة لفتح قنوات الحوار والتعاون الوثيق مع مختلف الإطارات النقابية الزميلة، وعلى رأسها النقابة الوطنية للصحافة المغربية، هذا الإطار العتيد الذي نعتبره دوماً شريكاً أساسياً واستراتيجياً في الدفاع عن المقاولات الإعلامية والصحفيين المهنيين على حد سواء. إن تكامل الجهود بين الناشرين والنقابة الوطنية هو السبيل الكفيل بوضع القطاع في سكته الصحيحة، وفرز الغث من السمين، صوناً لنبل الرسالة الإعلامية بجهتنا في إطار الاحترام الصارم للقانون.


إقليم بني ملال والانتخابات.. تزكيات "فوقية" ومرشحون يخشون مواجهة قواعدهم!

 إقليم بني ملال والانتخابات.. تزكيات "فوقية" ومرشحون يخشون مواجهة قواعدهم!




بقلم:محمد المخطاري 

ومع اقتراب الحسم الانتخابي في يوليوز، وتصاعد وتيرة "تسخين البنادير"، تشهد عاصمة الجهة —إقليم بني ملال— فصلاً جديداً من فصول السريالية السياسية. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تحمل التزكيات الحزبية نُخباً قادرة على النزول إلى الميدان والتحاور مع المواطنين، نجد أنفسنا أمام مفارقة غريبة: مرشحون نالوا البركة والتزكية علانية من القيادات المركزية في الرباط، لكنهم عاجزون حتى عن الظهور والتواصل مع مناضلي أحزابهم وأبناء جلدتهم في الإقليم!

هذا الاختباء، واللعب على حبل "فرض الأمر الواقع"، يمثل قمة التحدي لذكاء الساكنة، ويعيدنا بقوة إلى جوهر صرخة جلالة الملك في خطاب العرش: "أنا لا أفهم كيف يستطيع أي مسؤول، لا يقوم بواجبه، أن يخرج من بيته... وينظر إلى الناس، دون خجل ولا حياء". واليوم، يبدو أن بعض هؤلاء المرشحين لم يعودوا يملكون حتى تلك "الجرأة" للخروج والنزول إلى الشارع، فاختاروا التواري وراء الستار بانتظار يوم الاقتراع.

بني ملال.. عاصمة الجهة مهددة بـ"التأثيث الصامت"

بني ملال ليست مجرد نقطة في الخارطة، بل هي قلب الجهة النابض والمحرك الأساسي لتنميتها. ومع ذلك، تُعامل نخبها ومناضلوها الأوفياء محلياً بنوع من "الوصاية الفوقية". أن تأتي التزكيات مُنزلة من الأعلى لإعادة تسويق نفس الوجوه المقاطَعة أو العاجزة، دون استشارة القواعد، هو إهانة للعمل الحزبي الحقيقي قبل أن يكون إهانة للمواطن الملالي.

هؤلاء المرشحون الذين "يختبئون" اليوم ولا يستطيعون مواجهة مناضلي حزبهم في لقاءات تواصلية مفتوحة، يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم بلا رصيد شعبي. إنهم يراهنون على آلات انتخابية تقليدية، وعلى كسب المقعد بـ"الصمت" وفرض أنفسهم كقدر لا مفر منه على الإقليم.

كيف لمن يخاف مواجهة رفاقه في الحزب أن يدافع عن مطالب ساكنة إقليم بني ملال في قبة البرلمان؟

لغة المصالح وعزل الكفاءات الملالية

إن سياسة فرض الأمر الواقع بالوجوه القديمة أقصت كفاءات حقيقية من أبناء إقليم بني ملال —شباباً ونخباً مثقفة— كانت قادرة على ضخ دماء جديدة في عروق التنمية المحلية. لكن يبدو أن بعض القيادات الحزبية بالرباط فضلت "الولاء الصامت" و"الضمانات المالية والانتخابية" على حساب الكفاءة والنزاهة، متجاهلة تماماً أن الوعي العام في بني ملال قد تجاوز هذه الأساليب البائدة.

المواطن الملالي اليوم يرى ويتابع هذا التواري، ويدرك أن من يبيع ويشتري في التزكيات بـ"الكواليس المظلمة" ويخشى شمس التواصل، لن يتردد ثانية واحدة في بيع ضميره السياسي وقضايا الجهة غداً بمجرد جلوسه المريح على كرسي البرلمان.

كسر جدار "الأمر الواقع"

إن الجواب على هؤلاء الذين يريدون الفوز بـ"الاستغماء" والتخفي لا يكون بمقاطعة الصناديق وترك الساحة فارغة لهم؛ بل يكون بـالمواجهة الصارمة بوعي القطيعة.

إذا كانت الصالونات المغلقة في الرباط أو بني ملال قد فرضت هذه الأسماء، فإن الكلمة الفصل تظل للشارع الملالي في صناديق الاقتراع. لقد حان الوقت ليكسر أبناء عاصمة الجهة جدار "الأمر الواقع"، ويوجهوا رسالة واضحة لكل المرشحين المتوارين: "إن من يخشى مواجهة الساكنة في واضحة النهار، لا يستحق أن يمثلها في صناعة القرار".


"جمعية زهور" تتهم إدارة التعاون الوطني بالإفراغ التعسفي وتطالب بتحقيق عاجل

 "جمعية زهور" تتهم إدارة التعاون الوطني بالإفراغ التعسفي وتطالب بتحقيق عاجل




بني ملال – 28 يونيو 2026


​شهدت مدينة بني ملال نهاية الأسبوع الجاري توتراً ملحوظاً بين "جمعية زهور لدعم النساء في وضعية صعبة" والمنسقية الجهوية للتعاون الوطني، وذلك على خلفية قرار مفاجئ بفسخ عقد الشراكة الذي يربط الطرفين وإفراغ مقر العمل.


​وحسب بيان استنكاري صادر عن المكتب المسير للجمعية، يحمل تاريخ 27 يونيو 2026، فقد أقدمت مديرة التعاون الوطني يوم الجمعة 26 يونيو 2026 على اتخاذ خطوة أحادية بفسخ الشراكة المتعلقة بتدبير "الفضاء المتعدد الوظائف للمرأة". وأوضح البيان أن هذا القرار ترافق مع حجز ممتلكات ووثائق الجمعية ومطالبة موظفيها ومنتسبيها بمغادرة المقر في اليوم ذاته.


​واعتبرت الجمعية في وثيقتها أن هذا الإجراء تم "دون سلك المساطر والإجراءات القانونية والتنظيمية المعمول بها"، واصفة إياه بـ "القرار الباطل وفاقد الشرعية".


​ورداً على ما أسمته بـ "التضييق الممنهج"، أعلن المكتب المسير الدخول في اعتصام جزئي إنذاري داخل الفضاء المذكور. ووجهت الجمعية عبر بيانها اتهامات صريحة، معتبرة أن هذا القرار يأتي لخدمة "أجندات ضيقة وتصفية حسابات"، وأنه يستهدف ما وصفته بـ "الأصوات الحرة" الرافضة لاستغلال المال العام والبنيات التحتية العمومية لأغراض شخصية أو انتخابية.


​كما ناشدت الجمعية الهيئات الحقوقية والمدنية والإعلامية للتضامن معها دعماً لـ "استقلالية العمل الجمعوي"، مؤكدة في ختام بيانها عزمها على سلك كافة الخطوات الاحتجاجية والتصعيدية المشروعة، بما في ذلك اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن في هذا القرار.


​ملاحظة التحرير:


التزاماً منا بمبادئ المهنية والموضوعية الصحفية، تم إعداد هذا المقال استناداً إلى المعطيات الواردة في البيان الصادر عن "جمعية زهور". ونؤكد في هذا الصدد أن حق الرد مكفول لإدارة التعاون الوطني ببني ملال، أو لأي جهة معنية أخرى، لتقديم توضيحاتها وروايتها الرسمية حول مجريات هذه القضية.

العطار المتجول... بطل مجهول في ذاكرة العالم القروي




بقلم محمد مبروك

قبل أن تصل الطرق المعبدة إلى معظم القرى، وقبل انتشار المحلات التجارية ووسائل النقل الحديثة، كان العطار المتجول واحداً من أبرز الشخصيات في العالم القروي والبوادي المغربية. كان حضوره حدثاً ينتظره الجميع، لأنه لم يكن مجرد بائع للسلع، بل كان جزءاً من الحياة اليومية للناس ووسيلة لربط القرى المعزولة بمحيطها.

ومن منا لا يتذكر، في دواوير وضواحي بني ملال، بأوربيع وآيت تيسليت وآيت سعيد وإيشو، ذلك العطار المشهور الذي عرفه الجميع باسم المرحوم المهدي؟ كان واحداً من أولئك الرجال الذين صنعوا لأنفسهم مكانة خاصة في قلوب الناس. كان حضوره مألوفاً ومحبوباً، ينتظره السكان كما ينتظرون ضيفاً عزيزاً، لما يحمله من حاجيات وأخبار وكلمات طيبة تنشر البهجة في أرجاء الدوار.

كان العطار يشد الرحال منذ الساعات الأولى من الصباح، محملاً على ظهر دابته مختلف الحاجيات الأساسية التي تحتاجها الأسر القروية؛ من السكر والشاي والتوابل والصابون والأعشاب الطبية إلى الحلوى والأقمشة وبعض الأدوات البسيطة. ويقطع مسافات طويلة عبر المسالك الوعرة والجبال والسهول ليصل إلى دواوير قد لا تصلها أي وسيلة أخرى.

ومن الذكريات الجميلة التي لا تزال عالقة في أذهان الكثيرين تلك الرائحة المميزة التي كانت تسبقه أينما حل وارتحل. فقد كانت دابته وأكياسه وملابسه تفوح بمزيج من روائح التوابل والعطور والأعشاب وماء الورد والعنبر، حتى إن بعض السكان كانوا يعرفون بقرب وصوله قبل أن يظهر للعيان. كانت رائحة تحمل معها بشائر الحركة والتجديد في حياة الدوار الهادئة.

وبمجرد وصوله، ينتشر الخبر بسرعة بين السكان. يخرج الأطفال لاستقباله طمعاً في قطعة حلوى أو لعبة بسيطة، بينما يقصده الرجال للاستفسار عن أحوال الأسواق وأخبار المناطق التي زارها. أما النساء فكن الأكثر التفافاً حول بضاعته، يبحثن عن الحناء والكحل والعطور التقليدية وماء الزهر والصابون البلدي وبعض وسائل الزينة البسيطة التي كانت تشكل آنذاك نافذتهن على عالم الجمال والأناقة.

وفي تلك اللحظات كان المكان يتحول إلى فضاء اجتماعي حقيقي. تتبادل النساء الأخبار والحكايات، ويتعرف الجميع على ما يحمله العطار من مستجدات وقصص من القرى والأسواق البعيدة. لذلك لم يكن حضوره مجرد مناسبة للتبضع، بل كان حدثاً اجتماعياً يكسر رتابة الحياة اليومية ويمنح الدوار حيوية استثنائية.

ولم تقتصر أهمية العطار على التجارة فقط، بل كان أيضاً ناقلاً للأخبار والرسائل بين القرى، ومصدراً للمعلومات في زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال الحديثة متاحة. كما عُرف بعلاقاته الإنسانية القوية مع السكان، إذ كثيراً ما كان يمنح الأسر ما تحتاجه من سلع بالدين، منتظراً موسم الحصاد أو بيع الماشية لاسترجاع مستحقاته. وكانت كلمته موثوقة وثقة الناس فيه كبيرة، في زمن كان فيه الوعد بمثابة عقد لا يحتاج إلى توقيع.

ومع تطور البنية التحتية وانتشار وسائل النقل والمتاجر الحديثة، بدأ دور العطار المتجول يتراجع تدريجياً إلى أن اختفى في العديد من المناطق. غير أن ذكراه ما تزال حية في وجدان أجيال كاملة عاشت تلك المرحلة، وتعتبره رمزاً للكفاح والأمانة وخدمة الناس.

ولعل المرحوم المهدي وأمثاله من العطارين المتجولين يجسدون خير تجسيد هذه المرحلة الجميلة من تاريخ البادية المغربية. فقد رحل الرجال وبقيت سيرتهم الطيبة، وبقيت قصصهم تتناقلها الأجيال كلما استحضرت زمن البساطة والتضامن والصدق في المعاملة.

إن الحديث عن العطار المتجول ليس مجرد استحضار لمهنة من الماضي، بل هو استرجاع لجزء من الذاكرة الجماعية للبوادي المغربية، حيث كان رجال بسطاء يؤدون أدواراً اقتصادية واجتماعية وإنسانية كبيرة بإمكانات محدودة. لقد كانوا جسراً بين العزلة والانفتاح، وبين الحاجة وتلبيتها، وحملوا على ظهور دوابهم ليس فقط السلع والبضائع، بل أيضاً الفرح والأخبار وروائح الزمن الجميل.

رحم الله أولئك الرجال الذين جابوا القرى والدواوير والمسالك الوعرة، وتركوا وراءهم ذكريات عطرة ما زالت تفوح في ذاكرة المغاربة كما كانت تفوح من حقائبهم ودوابهم ذات يوم، ورحم الله المرحوم المهدي الذي ظل اسمه محفوراً في ذاكرة أبناء أوربيع وآيت تيسليت وآيت سعيد وإيشو وكل من عرفه أو تعامل معه.

تفكيك "السيستم".. من محاكمة الأفراد إلى تحرير القرار المحلي

 تفكيك "السيستم".. من محاكمة الأفراد إلى تحرير القرار المحلي





بقلم: محمد المخطاري

كاتب رأي – أطلس 24


أحدثت الأحكام القضائية الثقيلة التي طالت بعض الأسماء البارزة في تدبير الشأن العام بالمغرب ارتياحًا واسعًا لدى فئات من الرأي العام، باعتبارها مؤشرًا على جدية الدولة في مواجهة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تكفي محاكمة الأشخاص لإنهاء منظومة أنتجتهم واستفادت من وجودهم لعقود؟

في تقديري، الجواب هو لا.

فإرسال "الإمبراطور" إلى السجن لا يعني بالضرورة سقوط "الإمبراطورية". فحين يتم التركيز على معاقبة الأفراد مع الإبقاء على الشروط السياسية والاقتصادية والإدارية التي سمحت لهم بالتمدد، فإننا نكون أمام معالجة جزئية لمشكل بنيوي عميق. وكما أن قطع أغصان شجرة فاسدة لا يؤدي إلى موتها ما دامت جذورها ممتدة في التربة، فإن إسقاط بعض الوجوه لن يمنع ظهور وجوه جديدة إذا بقيت قواعد اللعبة على حالها.

ما نشهده في عدد من الأقاليم والجهات، ومنها بني ملال والفقيه بنصالح، يؤكد أن الإشكال لا يتعلق بأشخاص معزولين بقدر ما يتعلق بمنظومة متكاملة من المصالح والعلاقات وآليات النفوذ. إنها منظومة قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى بعد سقوط بعض رموزها، لأنها لم تُبنَ على الأفراد وحدهم، بل على شبكة من التوازنات والمصالح المتشابكة.

وتقوم هذه المنظومة، في الغالب، على ثلاثة مرتكزات أساسية.

أولها وجود ما يمكن تسميته بخلايا الصف الثاني، وهي شبكة من المقربين والوسطاء والمنتفعين الذين يتقدمون إلى الواجهة عند سقوط القيادات التقليدية. هؤلاء لا يغيرون طريقة التدبير، بل يواصلونها بأدوات أكثر حذرًا وأقل صخبًا، مستفيدين من الخبرة المتراكمة ومن العلاقات التي نسجتها المنظومة عبر سنوات طويلة.

أما المرتكز الثاني فيتمثل في التداخل الخطير بين المال العقاري والقرار السياسي. فالعقار أصبح في كثير من المناطق مصدرًا ضخمًا للثروة والنفوذ، ما يجعل التحكم في القرارات المتعلقة بالتعمير والتهيئة العمرانية هدفًا استراتيجيًا لشبكات المصالح. لذلك لا يحتاج أصحاب النفوذ الاقتصادي دائمًا إلى الترشح للانتخابات؛ يكفيهم دعم واجهات سياسية قادرة على حماية مصالحهم من داخل المؤسسات المنتخبة، وتوجيه القرارات العمومية بما يخدم مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة.

أما المرتكز الثالث فهو استمرار الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. فالفقر والبطالة وضعف التأطير السياسي تجعل فئات واسعة من المواطنين عرضة لمنطق الزبونية وشراء الولاءات، وهو ما يحول الاستحقاقات الانتخابية أحيانًا من منافسة بين البرامج والرؤى إلى منافسة بين شبكات النفوذ والقدرات المال

جيرُ السياسة وتشناقتُ الأعيان: بني ملال-خنيفرة على مقصلة "التطهير الهادئ"

 جيرُ السياسة وتشناقتُ الأعيان: بني ملال-خنيفرة على مقصلة "التطهير الهادئ"





​بقلم: محمد المخطاري

​من يعش في جغرافيا جهة بني ملال-خنيفرة، ويحفظ تضاريسها السياسية كما يحفظ تفاصيل تلالها وسهولها، يدرك أن ما يحدث اليوم في كواليس "السيستيم" المركزي ليس مجرد زوبعة في فنجان تقارير رقابية، بل هو عملية "تكسير للجير" (le détartrage) طال انتظارها؛ عملية تجفيف للمنابع الريعية تقودها يد مركزية صلبة، تتحرك بصمت المسدس الكاتم للصوت، لتعيد صياغة النخب في أفق مرحلة سياسية جديدة لا تقبل الهواية.

​كصحفي نبت في هذه التربة وخبر نخبها عن قرب، لم يكن مفاجئاً لي أن تلتفت ماكينة الحصاد المركزية صوب أعيان الجهة. لقد عشنا لسنوات نراقب كيف تحولت "التشناقت" من ممارسة تجارية مشروعة في الأسواق ببني ملال والفقيه بن صالح وخريبكة وأزيلال، إلى "مذهب سياسي" قائم الذات. تخصصت فيه وجوه عمرت طويلاً في المشهد، وجوه لا تملك رصيداً علمياً ولا عمقاً ثقافياً، لكنها حازت "العالمية" في الهندسة الانتخابية، والقدرة الفائقة على تدوير التزكيات، وتتبع رائحة "العسل" الحزبي أينما حلّت وارتحلت.

​لقد قامت شرعية هؤلاء "الأعيان الشناقة" لسنوات على معادلة بسيطة: "نحن نضبط الخزان الانتخابي محلياً، مقابل غض الطرف المركزي عن هوامش الريع التدبيري والصفقات". لكن هذه النخبة، وفي غمرة نشوتها بالحصانة الافتراضية، لم تقرأ التحولات التكتونية للمخزن. لم تدرك أن الدولة التي تستعد للعقد القادم بمشاريع سيادية ضخمة، وبأوراش مائية وفلاحية ولوجستيكية حارقة بالجهة، لم تعد قادرة على تحمل كلفة "أعيان" تحولوا من صمامات أمان إلى عبء ثقيل ومحرج أمام الرأي العام والشركاء الدوليين.

​بسقوط قلاع سياسية تاريخية بالجهة كانت تظن نفسها عصية على "الدك"، يتأكد لنا ـ نحن أبناء هذه المنطقة ـ أن زمن "الوساطة الريعية التقليدية" يعيش خريفه الأخير. المنظومة لم تعد بحاجة إلى "كوابح تدبيرية" تتقن فقط البلوكاج وتحويل المجالس المنتخبة إلى ملكيات خاصة؛ بل تبحث اليوم، وبعجل، عن نخب تكنوقراطية بملامح محلية، نخب تتقن لغة الأرقام والمؤشرات، وقادرة على مجاراة إيقاع قصر يريد نخباً تشبه طموحه التنموي.

​إن ما نعيشه اليوم في جهة بني ملال-خنيفرة ليس تصفية حسابات عابرة، بل هو عملية تنقية واعية لأوعية التدبير الترابي. وكابن لهذه المنطقة، أقولها بمرارة العارف: إن الوجوه التي ظلت تقفز من غصن حزبي إلى آخر بحثاً عن التموقع، وتفننت لسنوات في كواليس "تاشلاهبيت" والمناورة، تجد نفسها اليوم عارية تماماً أمام أوراق القضاء الصارمة وآليات الرقابة التي لا ترحم. لزوماً على هذه الوجوه اليوم أن تفهم الإشارة، وتفسح المجال دون تردد وتنسحب وتلتزم الصمت، فالحقائق بدأت تطفو على السطح، وحبل الكذب السياسي قصير جداً.

​القطار انطلق، والجير المتراكم على جدران المجالس المحلية يتساقط، والسرعة القادمة لن ترحم من لا يملك في جعبته سوى الكفاءة في "التشناقت". فهل تستوعب النخب المتبقية أن قواعد اللعبة قد تغيرت إلى غير رجعة؟ وأن طراوة المنظومة الجديدة لن تقبل بالوجوه القديمة ذاتها؟

بين التحصين الرقابي والرهان الديمقراطي: جبهتنا الداخلية أولاً




​بقلم: محمد المخطاري

​تعيش المملكة المغربية على إيقاع حركية استثنائية تتداخل فيها التحديات السياسية بالرهانات التنموية والدبلوماسية، ولعل أدق ما يمكن وصف هذه المرحلة به هو أنها مرحلة "المكاشفة والمسؤولية". فبينما تحصد الدبلوماسية الرسمية، تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، انتصارات غير مسبوقة في ملف وحدتنا الترابية نالت اعتراف كبريات العواصم الدولية، يبرز سؤال جوهري في الصالونات السياسية وفي عمق الشارع المغربي على حد سواء: كيف نحصّن هذه المكتسبات الخارجة؟ والإجابة ببساطة: عبر تطهير وتحصين الجبهة الداخلية.

​إن المتابع لدفتر الشأن العام الوطني لا يمكنه أن يغفل حالة "الترقب المقلق" التي تسود الشارع مع اقتراب المحطات الانتخابية التشريعية. هذا القلق ليس نابعاً من غياب الوعي السياسي لدى المواطن المغربي، بل على العكس تماماً، هو نتاج وعي حاد بات يرفض الوعود الحبرية ويقيس كفاءة الأحزاب بمدى نزاهة منتخبيها ونظافة يدهم. لقد أظهرت ملفات الفساد المالي والإداري التي طفت على السطح مؤخراً، أن "سرطان" اقتصاد الريع وتجاوز القانون من طرف بعض النخب الانتهازية لا يهدد فقط السلم الاجتماعي، بل يمثل عرقلة حقيقية للمشروع التنموي الجديد.

​من هنا، يكتسي الحزم المؤسساتي الأخير دلالة بالغة الأهمية. إن التنسيق المشترك والبروتوكولات الموقعة بين الأجهزة الرقابية العليا والقوى الأمنية لحماية المال العام، تمثل خطوة جبارة في الاتجاه الصحيح. هذه الشراكة المؤسساتية تبعث برسالة واضحة لا لبس فيها لكل عازم على الترشح أو تحمل المسؤولية: "السياسة تكليف لخدمة الصالح العام، وليست مطية للاغتناء غير المشروع أو نيل الحظوة". إن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة دون استثناء أو حصانة، من الوزير إلى عون السلطة، هو الترياق الوحيد الكفيل بإعادة منسوب الثقة إلى صناديق الاقتراع وتبديد مشاعر اليأس والعزوف.

​وفي مقابل هذا الحزم الصارم ضد الفساد، تبرز على السطح جبهة أخرى لا تقل خطورة؛ وهي جبهة "صناعة الإحباط". ففي مناخ الحريات العامة المتقدم الذي ينعم به المغرب، تناسلت خطابات راديكالية ومنابر رقمية تبحث عن الإثارة وتعمّد التهويل، جاعلة من الفساد قاعدة لا استثناءً، ومشككة في نزاهة المؤسسات وحتى الأحكام القضائية. هذا الأسلوب الهدام لا يقدم نقداً بناءً ولا يطرح حلولاً، بل يسعى لتهيئة بيئة حاضنة للفتنة والقنوط. وهنا تقع على عاتق الإدارة والحكومة مسؤولية سد الثغرات عبر ترسيخ الثقافة القانونية والرد المقنع والمؤسساتي على شكايات المواطنين، لقطع الطريق أمام هؤلاء المتربصين باستقرار الوطن.

​إن القوة الحقيقية للمملكة المغربية، في غياب الموارد النفطية، كانت وستظل في عمقها الحضاري، وتماسك مؤسساتها، وإرادتها السياسية الصلبة في الإصلاح والتحديث الديمقراطي وحقوق الإنسان. ولتأكيد هذه المكانة كدولة رائدة قارياً وإقليمياً، أصبح من الملحّ الإسراع بإخراج الترسانة القانونية المجرمة للإثراء غير المشروع (قانون "من أين لك هذا؟")، وتطهير الحقلين الجمعوي والإعلامي من الانتهازية، لفتح المجال أمام النخب الحية والكفاءات الوطنية الحقيقية لتصدر المشهد.

​إننا أمام ثورة جديدة ومستمرة، يقودها ملك حداثي ديمقراطي ويلتف حولها شعب غيور وأجهزة وطنية مخلصة. معركة محاربة الفساد والاستبداد ليست ترفاً فكرياً أو شعاراً موسمياً، بل هي وجودية؛ فبقدر ما ننجح في تنقية إداراتنا ومجالسنا المنتخبة من "الجراثيم الدنيئة" التي تقتات على المال العام، بقدر ما سنبني مغرباً قوياً، مهاب الجانب، قادراً على فرض كلمته في المحافل الدولية وإقناع العالم، أكثر فأكثر، بعدالة قضاياه.


بين "خاوة" التاريخ و"خاوة" الجغرافيا: قراءة في النسيج القبلي بالفقيه بن صالح



بقلم : محمد المخطاري

تطرح الديناميكيات الاجتماعية في منطقة تادلة، وتحديداً بمركز "الفقيه بن صالح"، تساؤلات جوهرية حول ماهية الروابط التي تجمع المكونات البشرية لهذا الإقليم. ولعلّ الجدل الدائر حول مفهوم "الخاوة" بين قبائل بني عمير، بني موسى، وبني شكدال، يعكس صراعاً خفياً بين موروث تاريخي ثابت وبين تحالفات براغماتية تفرضها سياقات العصر الحديث.

الروابط التاريخية: وحدة الأصل في مواجهة الزمن

يرى باحثون ومتابعون للشأن المحلي أن "الخاوة الحقيقية" التي تصمد أمام الفحص التاريخي والسوسيولوجي هي تلك التي تجمع بين بني عمير وبني شكدال. هذا الترابط ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لتحالفات تقليدية موثقة في الذاكرة الشعبية، تعززها تقاربات في العادات والأصول السلالية التي شكلت العمود الفقري للمنطقة لقرون. في هذا السياق، يُنظر إلى هذه العلاقة بوصفها "ثابتاً" لا يتأثر بتقلبات السياسة أو التقسيمات الإدارية.

"الخاوة" المستحدثة: هل هي تحالف للمصلحة؟

في المقابل، يبرز تكتل "الخاوة العميرية الموساوية"، خاصة في أوساط الجالية المقيمة بالخارج (كما يظهر في ملصق "يوم دراسي تواصلي" المنظم مستقبلا بالمركب الثقافي بالفقيه بن صالح). وهنا يطرح التساؤل: هل هي "خاوة" أصل أم "خاوة" جغرافيا؟

من وجهة نظر محايدة، يبدو أن انضواء هاتين القبيلتين تحت لواء جمعوي موحد هو استجابة لواقع إداري وجغرافي يجمعهما داخل إقليم واحد. فالمصالح التنموية المشتركة، والرغبة في تعزيز "التنمية الترابية"، تتطلب نوعاً من "الخاوة الوظيفية" التي تتجاوز البحث في الأصول السلالية لتصل إلى تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية راهنة.

في نفس يعقوب: قراءة في الدوافع

إن وصف البعض لهذه التحالفات بأنها "مستحدثة لشيء في نفس يعقوب" يفتح الباب أمام تأويلات متعددة. فمن الممكن أن تكون هذه "الخاوة" الجديدة أداة لصناعة نفوذ محلي أقوى، أو وسيلة لتدبير ملفات حساسة مثل "الهجرة وإدماج المهاجر" بكتلة بشرية وازنة. ففي عالم اليوم، غالباً ما تتراجع "الروابط الدموية" أمام "الروابط المصلحية" التي تخدم التموقع في المشهد السياسي والجمعوي.

يبقى التمييز بين الخاوة التاريخية (عمير وشكدال) والخاوة الإدارية/التنموية (عمير وموسى) ضرورة لفهم التحولات التي يشهدها إقليم الفقيه بن صالح. فبينما يظل التاريخ شاهداً على الأصول، تظل الجغرافيا والمصلحة المشتركة المحرك الأساسي للفعل الجمعوي المعاصر، وهو ما يجعل من "الخاوة" مصطلحاً مطاطاً يتشكل حسب حاجة اللحظة الراهنة.


قبل "زلزال" 2026.. زلزال إداري مرتقب في وزارة الداخلية لإعادة ترتيب البيت الترابي

 قبل "زلزال" 2026.. زلزال إداري مرتقب في وزارة الداخلية لإعادة ترتيب البيت الترابي

​ماي.. شهر الحسم٠




​الرباط – خاص

​مع اقتراب العد العكسي للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تتجه أنظار المتتبعين للشأن السياسي بالمغرب نحو "أم الوزارات"، حيث كشفت معطيات متطابقة عن استعدادات مكثفة تجريها وزارة الداخلية للإفراج عن حركة انتقالية واسعة وغير مسبوقة في صفوف الإدارة الترابية، تشمل ولاة وعمالاً ورجال سلطة من مختلف الرتب.

​تؤكد المصادر أن هذه الحركة، المرتقب تفعيلها خلال شهر ماي الجاري، لن تكتفي بالتدوير الإداري المعتاد، بل تحمل في طياتها "رؤية استراتيجية" تهدف إلى إعادة رسم خريطة التدبير الترابي للمملكة. وتأتي هذه الخطوة في سياق يتسم بضغوط زمنية وسياسية، لضمان جاهزية الإدارة الترابية لمواكبة التحولات الكبرى التي تعيشها البلاد.

​يبدو أن زمن "المعايير التقليدية" في التعيينات قد ولى؛ فالحركة المرتقبة تضع "مبدأ المردودية" فوق كل اعتبار. وحسب المعطيات المتوفرة، فإن التقييمات التي خضع لها المسؤولون الترابيون مؤخراً ارتكزت على ثلاثة محاور أساسية:

​تنزيل الأوراش الملكية: مدى النجاح في تسريع وتيرة المشاريع التنموية الكبرى والحماية الاجتماعية.

​تدبير الأزمات: القدرة على التفاعل الاستباقي مع التوترات الاجتماعية والمشاكل المحلية (كالماء والتشغيل).

​سياسة القرب: مدى نجاح المسؤول في فتح قنوات التواصل مع المواطنين والفاعل المدني.

​لا يمكن فصل هذه الدينامية عن الأجندة الانتخابية لعام 2026. فمن خلال ضخ دماء جديدة وترقية عمال إلى رتبة ولاة، تسعى الدولة إلى تكريس صورة "الإدارة المحايدة والفعالة". ويرى محللون أن تعيين وجوه جديدة في هذه الظرفية يهدف إلى توفير مناخ من تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين، بعيداً عن أي اصطدامات قد تشوب العملية الانتخابية المقبلة.

​المرتقب أيضاً أن تشمل هذه الحركة ترقيات لأسماء برزت بفعاليتها في الميدان، مما يعكس رغبة الوزارة في تشبيب النخب الإدارية الترابية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي إشارة واضحة بأن "الكرسي" لم يعد امتيازاً، بل مسؤولية محكومة بنتائج ميدانية ملموسة.

​بينما ينتظر المسؤولون الترابيون في مختلف الأقاليم والجهات الإعلان الرسمي عن القائمة النهائية، يسود تفاؤل حذر لدى المواطنين بأن تساهم هذه التغييرات في حلحلة الملفات العالقة وتسريع وتيرة التنمية المحلية. فهل ستنجح "دماء ماي" الجديدة في تقديم الإجابات المنتظرة قبل دخول معترك انتخابات 2026؟

الفقيه بن صالح: عندما تغيب "الندية" ويحضر "البروتوكول الوصي"








بقلم: [محمد الشكدالي]

شهدت مدينة الفقيه بن صالح أمس افتتاح الدورة الخامسة للمعرض الجهوي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وبقدر ما كان الحدث اقتصادياً وتنموياً في ظاهره، إلا أنه حمل في تفاصيله التنظيمية رسائل سياسية وبروتوكولية لا يمكن للمراقب الفطن أن يمر عليها مرور الكرام.

بعيداً عن لغة الأرقام والمشاريع، توقفت الذاكرة الجمعية للمدينة عند "مشهد المنصة"، لتطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يُقام حدث بهذا الحجم فوق تراب الإقليم، ثم يغيب مسؤولو المدينة والإقليم عن الكلمات الافتتاحية؟

لقد جرت الأعراف البروتوكولية في المغرب أن تكون المدينة المستضيفة هي "المضيف" الفعلي، حيث يتقدم مسؤولوها المحليون (سواء من المجلس الجماعي أو الإقليمي) لإلقاء كلمة ترحيبية تؤكد على خصوصية المنطقة ومطالب ساكنتها أمام ممثلي السلطة المركزية. لكن ما حدث في هذه الدورة كان استثناءً يثير التساؤل؛ حيث انفرد المنظمون بالكلمات، وبدا المسؤول المحلي وكأنه "ضيف ثانوي" في بيته.

هنا، لا يسعنا إلا أن نستذكر حقبة، رغم كل ما لنا وما عليها من اختلاف جذري وجملي، كانت تفرض "ندية" بروتوكولية لا تتنازل عن حضور اسم الفقيه بن صالح في صدارة البرنامج الخطابي. إن المقارنة هنا ليست من باب الحنين إلى الأشخاص، بل هي مقارنة بين "زمن القوة الاقتراحية" وزمن "الاستسلام التنظيمي".

إن "تجرؤ" الجهات المنظمة على تغييب الكلمات المحلية لم يكن ليحدث لو وجدوا أمامهم نخبة محلية تفرض اعتبار المدينة وتتمسك بحقها في التعبير الرسمي. إن هذا التغييب ليس مجرد خطأ تنظيمي عابر، بل هو مؤشر على حالة "الاستضعاف" التي قد تعيشها النخبة المحلية الحالية، والتي سمحت لجهات خارجية (سواء جهوية أو مركزية) بأن ترسم برنامج اللقاء وتنفذه دون إشراك حقيقي لأبناء الدار في واجهة الحدث.

إن نجاح أي تظاهرة لا يُقاس فقط بجودة الأروقة أو حجم الزيارات، بل بمدى احترام "كرامة المؤسسات المحلية". ما وقع في افتتاح المعرض الجهوي بالفقيه بن صالح هو جرس إنذار لمسؤولي المدينة؛ فالمكانة لا تُمنح بل تُنتزع، والسكوت عن "التهميش البروتوكولي" اليوم قد يفتح الباب لتهميش تنموي أوسع غداً.

إن الفقيه بن صالح ليست مجرد قاعة عرض أو مساحة جغرافية لتنفيذ برامج الوزارات، بل هي كيان مؤسساتي له تاريخه ورجالاته (رغم الاختلاف معهم)، ومن حق سكانها أن يمثلهم "صوت محلي" قوي لا يقبل التواري خلف الكواليس في اللحظات الرسمية الكبرى.


شغب الرباط ورهان السيادة الرياضية في أفق مونديال 2030




ايوب هناد

لم تكن ليلة الثلاثين من أبريل 2026 مجرد ذكرى عابرة في سجلات البطولة الاحترافية، بل كانت لحظة كاشفة وضعت الطموح المونديالي للمملكة أمام مرآة الحقيقة. فبينما كانت الأنظار تتجه صوب ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط لمتابعة كلاسيكو الجيش الملكي والرجاء الرياضي، تحول الفضاء الذي أعيد بناؤه ليحتضن 70 ألف متفرج إلى ساحة لصدام لم يوقفه سوى تدخل العناصر الأمنية. إن المشاهد التي تناقلتها العدسات لم تكن تعكس خسارة رياضية فحسب، بل كانت تعبيرا عن جرح سوسيولوجي غائر امتد ليفجر حالة من الفوضى في حي الفتح المجاور، مخلفا وراءه تخريبا طال ممتلكات المواطنين ورشقا مكثفا بالحجارة طال عناصر الأمن.

أمام هذا الانفلات، جاء رد العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية سريعا ومحملا بدلالات سياسية أعمق من مجرد عقوبات رياضية؛ إذ تقرر حرمان فريق الجيش الملكي من جماهيره لـ 5 مباريات، والرجاء لـ 3 مباريات، مع فرض حظر تنقل شامل لمشجعيهما حتى نهاية الموسم. هذه القرارات، التي شملت غرامات مالية بقيمة 400 ألف درهم وإلزامية إصلاح الأضرار، لم تكن تستهدف الأندية في ذاتها، بل كانت محاولة لترميم السمعة الدولية للمغرب في وقت تشتد فيه المنافسة مع إسبانيا على انتزاع شرف استضافة المباراة النهائية لمونديال 2030. إن الرسالة المغربية للفيفا واضحة لا تسامح مع أي سلوك يخدش بريق الملف المشترك، حتى لو تطلب الأمر شل الحركة الجماهيرية لأكبر فصيلين في البلاد.

 إن تحليل الصورة الدولية يضعنا أمام مقارنة حتمية مع الجار الإسباني؛ فإذا كان الإعلام في مدريد يحاول توظيف أي انفلات أمني مغربي لتعزيز حظوظ ملعب "سانتياغو بيرنابيو"، فإن الواقع في إسبانيا ليس ورديا هو الآخر. ففي فبراير 2026، شهد ملعب "إل سادار" ببامبلونا أعمال شغب عنيفة وتدخلا شرطيا خشنا أعاد للذاكرة صور الهوليغانز القديمة. يضاف إلى ذلك القنبلة الموقوتة المتمثلة في العنصرية الممنهجة التي تلاحق الملاعب الإسبانية، والتي وصلت إلى حد إصدار الفيفا لتحذيرات رسمية لمدريد، مما يجعل الكفتين متساويتين في حجم التحديات الأخلاقية والأمنية.

يرى خبراء السوسيولوجيا، وعلى رأسهم عبد الرحيم بورقية، أن الشغب في المغرب هو صرخة لفئات تعاني من التهميش، حيث تتحول المدرجات إلى فضاء لتصريف الإحباطات الاجتماعية. غير أن هذا التفسير لا يعفي الأندية وفصائل الإلتراس من مسؤوليتها التاريخية في التأطير، فالدولة التي تستثمر 50 مليار درهم لتطوير البنية التحتية الرياضية، لا يمكنها أن تظل رهينة لسلوكيات طائشة تهدد الأمن القومي الرياضي. لذا، فإن التوجه الحالي نحو الانضمام لاتفاقية "سانت دوني" واعتماد قانون إطار جديد للفعاليات الرياضية يمثل خطوة استراتيجية نحو مأسسة الأمن الرياضي للمملكة.

إن أحداث شغب الرباط ، رغم ما خلفته من ألم وصور مشوهة، يجب أن تكون اللقاح الذي يقوي مناعة الملف المغربي لمونديال 2030. فالدرس المستفاد هو أن الحجر وحده لا يبني مجدا رياضيا، بل إن رقي البشر هو الذي يمنح الملاعب روحها وقيمتها. الدولة اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى، بتفعيل مقاربة شمولية تتجاوز الزجر الأمني لتشمل الإصلاح التربوي، والتمكين الرقمي، والحوار الصريح مع الجماهير. إن ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، بسعته الخرافية، ينتظر جماهير تليق بعظمته.


غلاء الخضر والفواكه ليس قدراً: الشركات الجهوية كمدخل لاستعادة الدولة لوظائف السوق




بقلم : كمال العشابي 

​في المغرب، لم يعد ممكناً حصر ارتفاع أسعار الخضر والفواكه في عوامل المناخ أو كلفة الإنتاج وحدها؛ إذ تؤكد معطيات المؤسسات الرسمية أن جوهر المشكلة يكمن في "مرحلة ما بعد الإنتاج"، أي في مسالك التجميع، التخزين، والتوزيع. ويشخص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هذه الوضعية باختلالات تنظيمية ووظيفية عميقة، أبرزها ضعف قدرة صغار الفلاحين على التنظيم، وبطء التحول الرقمي، وضياع كميات هائلة من المنتجات عبر قنوات التسويق. أمام هذا الوضع، لم يعد السؤال الجوهري هو: كم ننتج؟ بل الأهم: كيف نسوّق ونوزع؟ ومن يربح في المسافة الفاصلة بين الحقل وقفة المستهلك؟

​وتتضاعف وجاهة هذا التساؤل حين تظهر المؤشرات الرسمية أن المغرب يحقق وفرة إنتاجية تغطي الاحتياجات الوطنية، ومع ذلك تظل الأسعار متقلبة ومنفصلة عن منطق العرض المتاح. وتكشف نشرات وزارة الفلاحة وجود فجوة حادة بين أسعار الجملة وأسعار البيع النهائي، مما يثبت أن كلفة التداول ليست هامشاً ثانوياً، بل محرك أساسي للثمن. لذا، فإن الأزمة في عمقها هي أزمة "تنظيم سوق" و"فعالية لوجستية" وليست مجرد أزمة ندرة.

​كما تشير الوثائق الرسمية إلى أن جزءاً معتبراً من المبادلات يتم خارج القنوات المنظمة والشفافة، مما يعيق تتبع الأسعار وهوامش الربح. وفي هذا السياق، يبرز تقرير مجلس المنافسة الدور المحوري للوسطاء، الذين يكتسبون نفوذاً سعرياً يفوق دور المنتجين أنفسهم، مستغلين غياب الشفافية المعلوماتية، وضعف البنية التحتية للتخزين، وتشتت حلقات التجميع.

​من هنا، تبرز ضرورة التفكير في إحداث شركات جهوية عمومية أو شبه عمومية تضطلع بمهام التجميع، الفرز، التخزين، وربط العرض بالطلب ترابياً. لا يهدف هذا المقترح إلى تأميم القطاع، بل إلى استرجاع الدولة والجهات لدورها "الناظم" للسوق. وإذا كانت المؤسسات الرسمية تنادي بتقوية التنسيق الترابي وتطوير القنوات القصيرة، فإن الشركة الجهوية تمثل الأداة التنفيذية لدمج هذه الوظائف ضمن بنية واحدة خاضعة للمحاسبة على النتائج.

​تكمن القيمة المضافة لهذه الشركات في تقليص "الكلفة غير المنتجة"؛ وهي التكاليف التي ترفع السعر دون تحسين الجودة، نتيجة التلف وتعدد الوسطاء. فبينما تنخفض خسائر المنتجات الموجهة للتصدير بفضل التبريد والتثمين، تصل خسائر ما بعد الجني في السوق المحلية إلى ما بين 20 و40%. لذا، فإن الاستثمار في اللوجستيك الجهوي هو سياسة اقتصادية مباشرة لخفض الأسعار عبر تقليص الهدر وزيادة العرض الفعلي.

​إن المقاربة الجهوية تمنح مرونة عالية في التعامل مع سلع سريعة التلف تتأثر بالمسافة والموسمية. فوجود شركة جهوية تدير مخازن التبريد وتنشر بيانات الأسعار اليومية، من شأنه ردم الفجوة بين مناطق الوفرة ومناطق الطلب، والحد من "الندرة المفتعلة". كما يوفر هذا النموذج مظلة حماية لصغار المنتجين الذين يفتقرون للقدرة التفاوضية والوسائل اللوجستية للوصول المباشر إلى الأسواق المنظمة.

​هذا التصور يتقاطع مع التوجهات الاستراتيجية للدولة، حيث تضمنت استراتيجية "الجيل الأخضر 2020-2030" مشاريع لعصرنة أسواق الجملة، مثل مشروع الجديدة المبتكر. وهي خطوات تؤكد القناعة الرسمية بأن ضبط الأسعار يمر حتماً عبر إصلاح "البنيات الوسيطة" وليس فقط عبر المراقبة الزجرية للأثمان النهائية.

​ومع ذلك، يظل نجاح هذه الشركات رهيناً بنموذج حكامتها. فالمطلوب ليس خلق "وسيط بيروقراطي" جديد يثقل كاهل السلسلة، بل بناء مؤسسة تشاركية (تضم الجهة، الجماعات، الدولة، والمهنيين) يُربط تمويلها بمؤشرات أداء دقيقة: تقليص الهدر، رقمنة المعاملات، وضمان عدالة التوزيع.

​في الختام، يمثل إحداث الشركات الجهوية مشروعاً يعيد تعريف دور السلطة العمومية كفاعل "منظم" للبنية التحتية والمعلوماتية، لا مجرد مراقب متأخر. إن اختصار الطريق بين الحقل والمائدة هو السبيل الوحيد لإعادة الشفافية والكفاءة للسوق المغربية، وحماية القدرة الشرائية من تضخم لا تبرره تكاليف الإنتاج بقدر ما يغذيه سوء التنظيم.