‏إظهار الرسائل ذات التسميات رأي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رأي. إظهار كافة الرسائل

تفكيك "السيستم".. من محاكمة الأفراد إلى تحرير القرار المحلي

 تفكيك "السيستم".. من محاكمة الأفراد إلى تحرير القرار المحلي





بقلم: محمد المخطاري

كاتب رأي – أطلس 24


أحدثت الأحكام القضائية الثقيلة التي طالت بعض الأسماء البارزة في تدبير الشأن العام بالمغرب ارتياحًا واسعًا لدى فئات من الرأي العام، باعتبارها مؤشرًا على جدية الدولة في مواجهة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تكفي محاكمة الأشخاص لإنهاء منظومة أنتجتهم واستفادت من وجودهم لعقود؟

في تقديري، الجواب هو لا.

فإرسال "الإمبراطور" إلى السجن لا يعني بالضرورة سقوط "الإمبراطورية". فحين يتم التركيز على معاقبة الأفراد مع الإبقاء على الشروط السياسية والاقتصادية والإدارية التي سمحت لهم بالتمدد، فإننا نكون أمام معالجة جزئية لمشكل بنيوي عميق. وكما أن قطع أغصان شجرة فاسدة لا يؤدي إلى موتها ما دامت جذورها ممتدة في التربة، فإن إسقاط بعض الوجوه لن يمنع ظهور وجوه جديدة إذا بقيت قواعد اللعبة على حالها.

ما نشهده في عدد من الأقاليم والجهات، ومنها بني ملال والفقيه بنصالح، يؤكد أن الإشكال لا يتعلق بأشخاص معزولين بقدر ما يتعلق بمنظومة متكاملة من المصالح والعلاقات وآليات النفوذ. إنها منظومة قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى بعد سقوط بعض رموزها، لأنها لم تُبنَ على الأفراد وحدهم، بل على شبكة من التوازنات والمصالح المتشابكة.

وتقوم هذه المنظومة، في الغالب، على ثلاثة مرتكزات أساسية.

أولها وجود ما يمكن تسميته بخلايا الصف الثاني، وهي شبكة من المقربين والوسطاء والمنتفعين الذين يتقدمون إلى الواجهة عند سقوط القيادات التقليدية. هؤلاء لا يغيرون طريقة التدبير، بل يواصلونها بأدوات أكثر حذرًا وأقل صخبًا، مستفيدين من الخبرة المتراكمة ومن العلاقات التي نسجتها المنظومة عبر سنوات طويلة.

أما المرتكز الثاني فيتمثل في التداخل الخطير بين المال العقاري والقرار السياسي. فالعقار أصبح في كثير من المناطق مصدرًا ضخمًا للثروة والنفوذ، ما يجعل التحكم في القرارات المتعلقة بالتعمير والتهيئة العمرانية هدفًا استراتيجيًا لشبكات المصالح. لذلك لا يحتاج أصحاب النفوذ الاقتصادي دائمًا إلى الترشح للانتخابات؛ يكفيهم دعم واجهات سياسية قادرة على حماية مصالحهم من داخل المؤسسات المنتخبة، وتوجيه القرارات العمومية بما يخدم مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة.

أما المرتكز الثالث فهو استمرار الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. فالفقر والبطالة وضعف التأطير السياسي تجعل فئات واسعة من المواطنين عرضة لمنطق الزبونية وشراء الولاءات، وهو ما يحول الاستحقاقات الانتخابية أحيانًا من منافسة بين البرامج والرؤى إلى منافسة بين شبكات النفوذ والقدرات المال

جيرُ السياسة وتشناقتُ الأعيان: بني ملال-خنيفرة على مقصلة "التطهير الهادئ"

 جيرُ السياسة وتشناقتُ الأعيان: بني ملال-خنيفرة على مقصلة "التطهير الهادئ"





​بقلم: محمد المخطاري

​من يعش في جغرافيا جهة بني ملال-خنيفرة، ويحفظ تضاريسها السياسية كما يحفظ تفاصيل تلالها وسهولها، يدرك أن ما يحدث اليوم في كواليس "السيستيم" المركزي ليس مجرد زوبعة في فنجان تقارير رقابية، بل هو عملية "تكسير للجير" (le détartrage) طال انتظارها؛ عملية تجفيف للمنابع الريعية تقودها يد مركزية صلبة، تتحرك بصمت المسدس الكاتم للصوت، لتعيد صياغة النخب في أفق مرحلة سياسية جديدة لا تقبل الهواية.

​كصحفي نبت في هذه التربة وخبر نخبها عن قرب، لم يكن مفاجئاً لي أن تلتفت ماكينة الحصاد المركزية صوب أعيان الجهة. لقد عشنا لسنوات نراقب كيف تحولت "التشناقت" من ممارسة تجارية مشروعة في الأسواق ببني ملال والفقيه بن صالح وخريبكة وأزيلال، إلى "مذهب سياسي" قائم الذات. تخصصت فيه وجوه عمرت طويلاً في المشهد، وجوه لا تملك رصيداً علمياً ولا عمقاً ثقافياً، لكنها حازت "العالمية" في الهندسة الانتخابية، والقدرة الفائقة على تدوير التزكيات، وتتبع رائحة "العسل" الحزبي أينما حلّت وارتحلت.

​لقد قامت شرعية هؤلاء "الأعيان الشناقة" لسنوات على معادلة بسيطة: "نحن نضبط الخزان الانتخابي محلياً، مقابل غض الطرف المركزي عن هوامش الريع التدبيري والصفقات". لكن هذه النخبة، وفي غمرة نشوتها بالحصانة الافتراضية، لم تقرأ التحولات التكتونية للمخزن. لم تدرك أن الدولة التي تستعد للعقد القادم بمشاريع سيادية ضخمة، وبأوراش مائية وفلاحية ولوجستيكية حارقة بالجهة، لم تعد قادرة على تحمل كلفة "أعيان" تحولوا من صمامات أمان إلى عبء ثقيل ومحرج أمام الرأي العام والشركاء الدوليين.

​بسقوط قلاع سياسية تاريخية بالجهة كانت تظن نفسها عصية على "الدك"، يتأكد لنا ـ نحن أبناء هذه المنطقة ـ أن زمن "الوساطة الريعية التقليدية" يعيش خريفه الأخير. المنظومة لم تعد بحاجة إلى "كوابح تدبيرية" تتقن فقط البلوكاج وتحويل المجالس المنتخبة إلى ملكيات خاصة؛ بل تبحث اليوم، وبعجل، عن نخب تكنوقراطية بملامح محلية، نخب تتقن لغة الأرقام والمؤشرات، وقادرة على مجاراة إيقاع قصر يريد نخباً تشبه طموحه التنموي.

​إن ما نعيشه اليوم في جهة بني ملال-خنيفرة ليس تصفية حسابات عابرة، بل هو عملية تنقية واعية لأوعية التدبير الترابي. وكابن لهذه المنطقة، أقولها بمرارة العارف: إن الوجوه التي ظلت تقفز من غصن حزبي إلى آخر بحثاً عن التموقع، وتفننت لسنوات في كواليس "تاشلاهبيت" والمناورة، تجد نفسها اليوم عارية تماماً أمام أوراق القضاء الصارمة وآليات الرقابة التي لا ترحم. لزوماً على هذه الوجوه اليوم أن تفهم الإشارة، وتفسح المجال دون تردد وتنسحب وتلتزم الصمت، فالحقائق بدأت تطفو على السطح، وحبل الكذب السياسي قصير جداً.

​القطار انطلق، والجير المتراكم على جدران المجالس المحلية يتساقط، والسرعة القادمة لن ترحم من لا يملك في جعبته سوى الكفاءة في "التشناقت". فهل تستوعب النخب المتبقية أن قواعد اللعبة قد تغيرت إلى غير رجعة؟ وأن طراوة المنظومة الجديدة لن تقبل بالوجوه القديمة ذاتها؟

بين التحصين الرقابي والرهان الديمقراطي: جبهتنا الداخلية أولاً




​بقلم: محمد المخطاري

​تعيش المملكة المغربية على إيقاع حركية استثنائية تتداخل فيها التحديات السياسية بالرهانات التنموية والدبلوماسية، ولعل أدق ما يمكن وصف هذه المرحلة به هو أنها مرحلة "المكاشفة والمسؤولية". فبينما تحصد الدبلوماسية الرسمية، تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، انتصارات غير مسبوقة في ملف وحدتنا الترابية نالت اعتراف كبريات العواصم الدولية، يبرز سؤال جوهري في الصالونات السياسية وفي عمق الشارع المغربي على حد سواء: كيف نحصّن هذه المكتسبات الخارجة؟ والإجابة ببساطة: عبر تطهير وتحصين الجبهة الداخلية.

​إن المتابع لدفتر الشأن العام الوطني لا يمكنه أن يغفل حالة "الترقب المقلق" التي تسود الشارع مع اقتراب المحطات الانتخابية التشريعية. هذا القلق ليس نابعاً من غياب الوعي السياسي لدى المواطن المغربي، بل على العكس تماماً، هو نتاج وعي حاد بات يرفض الوعود الحبرية ويقيس كفاءة الأحزاب بمدى نزاهة منتخبيها ونظافة يدهم. لقد أظهرت ملفات الفساد المالي والإداري التي طفت على السطح مؤخراً، أن "سرطان" اقتصاد الريع وتجاوز القانون من طرف بعض النخب الانتهازية لا يهدد فقط السلم الاجتماعي، بل يمثل عرقلة حقيقية للمشروع التنموي الجديد.

​من هنا، يكتسي الحزم المؤسساتي الأخير دلالة بالغة الأهمية. إن التنسيق المشترك والبروتوكولات الموقعة بين الأجهزة الرقابية العليا والقوى الأمنية لحماية المال العام، تمثل خطوة جبارة في الاتجاه الصحيح. هذه الشراكة المؤسساتية تبعث برسالة واضحة لا لبس فيها لكل عازم على الترشح أو تحمل المسؤولية: "السياسة تكليف لخدمة الصالح العام، وليست مطية للاغتناء غير المشروع أو نيل الحظوة". إن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة دون استثناء أو حصانة، من الوزير إلى عون السلطة، هو الترياق الوحيد الكفيل بإعادة منسوب الثقة إلى صناديق الاقتراع وتبديد مشاعر اليأس والعزوف.

​وفي مقابل هذا الحزم الصارم ضد الفساد، تبرز على السطح جبهة أخرى لا تقل خطورة؛ وهي جبهة "صناعة الإحباط". ففي مناخ الحريات العامة المتقدم الذي ينعم به المغرب، تناسلت خطابات راديكالية ومنابر رقمية تبحث عن الإثارة وتعمّد التهويل، جاعلة من الفساد قاعدة لا استثناءً، ومشككة في نزاهة المؤسسات وحتى الأحكام القضائية. هذا الأسلوب الهدام لا يقدم نقداً بناءً ولا يطرح حلولاً، بل يسعى لتهيئة بيئة حاضنة للفتنة والقنوط. وهنا تقع على عاتق الإدارة والحكومة مسؤولية سد الثغرات عبر ترسيخ الثقافة القانونية والرد المقنع والمؤسساتي على شكايات المواطنين، لقطع الطريق أمام هؤلاء المتربصين باستقرار الوطن.

​إن القوة الحقيقية للمملكة المغربية، في غياب الموارد النفطية، كانت وستظل في عمقها الحضاري، وتماسك مؤسساتها، وإرادتها السياسية الصلبة في الإصلاح والتحديث الديمقراطي وحقوق الإنسان. ولتأكيد هذه المكانة كدولة رائدة قارياً وإقليمياً، أصبح من الملحّ الإسراع بإخراج الترسانة القانونية المجرمة للإثراء غير المشروع (قانون "من أين لك هذا؟")، وتطهير الحقلين الجمعوي والإعلامي من الانتهازية، لفتح المجال أمام النخب الحية والكفاءات الوطنية الحقيقية لتصدر المشهد.

​إننا أمام ثورة جديدة ومستمرة، يقودها ملك حداثي ديمقراطي ويلتف حولها شعب غيور وأجهزة وطنية مخلصة. معركة محاربة الفساد والاستبداد ليست ترفاً فكرياً أو شعاراً موسمياً، بل هي وجودية؛ فبقدر ما ننجح في تنقية إداراتنا ومجالسنا المنتخبة من "الجراثيم الدنيئة" التي تقتات على المال العام، بقدر ما سنبني مغرباً قوياً، مهاب الجانب، قادراً على فرض كلمته في المحافل الدولية وإقناع العالم، أكثر فأكثر، بعدالة قضاياه.


بين "خاوة" التاريخ و"خاوة" الجغرافيا: قراءة في النسيج القبلي بالفقيه بن صالح



بقلم : محمد المخطاري

تطرح الديناميكيات الاجتماعية في منطقة تادلة، وتحديداً بمركز "الفقيه بن صالح"، تساؤلات جوهرية حول ماهية الروابط التي تجمع المكونات البشرية لهذا الإقليم. ولعلّ الجدل الدائر حول مفهوم "الخاوة" بين قبائل بني عمير، بني موسى، وبني شكدال، يعكس صراعاً خفياً بين موروث تاريخي ثابت وبين تحالفات براغماتية تفرضها سياقات العصر الحديث.

الروابط التاريخية: وحدة الأصل في مواجهة الزمن

يرى باحثون ومتابعون للشأن المحلي أن "الخاوة الحقيقية" التي تصمد أمام الفحص التاريخي والسوسيولوجي هي تلك التي تجمع بين بني عمير وبني شكدال. هذا الترابط ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لتحالفات تقليدية موثقة في الذاكرة الشعبية، تعززها تقاربات في العادات والأصول السلالية التي شكلت العمود الفقري للمنطقة لقرون. في هذا السياق، يُنظر إلى هذه العلاقة بوصفها "ثابتاً" لا يتأثر بتقلبات السياسة أو التقسيمات الإدارية.

"الخاوة" المستحدثة: هل هي تحالف للمصلحة؟

في المقابل، يبرز تكتل "الخاوة العميرية الموساوية"، خاصة في أوساط الجالية المقيمة بالخارج (كما يظهر في ملصق "يوم دراسي تواصلي" المنظم مستقبلا بالمركب الثقافي بالفقيه بن صالح). وهنا يطرح التساؤل: هل هي "خاوة" أصل أم "خاوة" جغرافيا؟

من وجهة نظر محايدة، يبدو أن انضواء هاتين القبيلتين تحت لواء جمعوي موحد هو استجابة لواقع إداري وجغرافي يجمعهما داخل إقليم واحد. فالمصالح التنموية المشتركة، والرغبة في تعزيز "التنمية الترابية"، تتطلب نوعاً من "الخاوة الوظيفية" التي تتجاوز البحث في الأصول السلالية لتصل إلى تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية راهنة.

في نفس يعقوب: قراءة في الدوافع

إن وصف البعض لهذه التحالفات بأنها "مستحدثة لشيء في نفس يعقوب" يفتح الباب أمام تأويلات متعددة. فمن الممكن أن تكون هذه "الخاوة" الجديدة أداة لصناعة نفوذ محلي أقوى، أو وسيلة لتدبير ملفات حساسة مثل "الهجرة وإدماج المهاجر" بكتلة بشرية وازنة. ففي عالم اليوم، غالباً ما تتراجع "الروابط الدموية" أمام "الروابط المصلحية" التي تخدم التموقع في المشهد السياسي والجمعوي.

يبقى التمييز بين الخاوة التاريخية (عمير وشكدال) والخاوة الإدارية/التنموية (عمير وموسى) ضرورة لفهم التحولات التي يشهدها إقليم الفقيه بن صالح. فبينما يظل التاريخ شاهداً على الأصول، تظل الجغرافيا والمصلحة المشتركة المحرك الأساسي للفعل الجمعوي المعاصر، وهو ما يجعل من "الخاوة" مصطلحاً مطاطاً يتشكل حسب حاجة اللحظة الراهنة.


قبل "زلزال" 2026.. زلزال إداري مرتقب في وزارة الداخلية لإعادة ترتيب البيت الترابي

 قبل "زلزال" 2026.. زلزال إداري مرتقب في وزارة الداخلية لإعادة ترتيب البيت الترابي

​ماي.. شهر الحسم٠




​الرباط – خاص

​مع اقتراب العد العكسي للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تتجه أنظار المتتبعين للشأن السياسي بالمغرب نحو "أم الوزارات"، حيث كشفت معطيات متطابقة عن استعدادات مكثفة تجريها وزارة الداخلية للإفراج عن حركة انتقالية واسعة وغير مسبوقة في صفوف الإدارة الترابية، تشمل ولاة وعمالاً ورجال سلطة من مختلف الرتب.

​تؤكد المصادر أن هذه الحركة، المرتقب تفعيلها خلال شهر ماي الجاري، لن تكتفي بالتدوير الإداري المعتاد، بل تحمل في طياتها "رؤية استراتيجية" تهدف إلى إعادة رسم خريطة التدبير الترابي للمملكة. وتأتي هذه الخطوة في سياق يتسم بضغوط زمنية وسياسية، لضمان جاهزية الإدارة الترابية لمواكبة التحولات الكبرى التي تعيشها البلاد.

​يبدو أن زمن "المعايير التقليدية" في التعيينات قد ولى؛ فالحركة المرتقبة تضع "مبدأ المردودية" فوق كل اعتبار. وحسب المعطيات المتوفرة، فإن التقييمات التي خضع لها المسؤولون الترابيون مؤخراً ارتكزت على ثلاثة محاور أساسية:

​تنزيل الأوراش الملكية: مدى النجاح في تسريع وتيرة المشاريع التنموية الكبرى والحماية الاجتماعية.

​تدبير الأزمات: القدرة على التفاعل الاستباقي مع التوترات الاجتماعية والمشاكل المحلية (كالماء والتشغيل).

​سياسة القرب: مدى نجاح المسؤول في فتح قنوات التواصل مع المواطنين والفاعل المدني.

​لا يمكن فصل هذه الدينامية عن الأجندة الانتخابية لعام 2026. فمن خلال ضخ دماء جديدة وترقية عمال إلى رتبة ولاة، تسعى الدولة إلى تكريس صورة "الإدارة المحايدة والفعالة". ويرى محللون أن تعيين وجوه جديدة في هذه الظرفية يهدف إلى توفير مناخ من تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين، بعيداً عن أي اصطدامات قد تشوب العملية الانتخابية المقبلة.

​المرتقب أيضاً أن تشمل هذه الحركة ترقيات لأسماء برزت بفعاليتها في الميدان، مما يعكس رغبة الوزارة في تشبيب النخب الإدارية الترابية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي إشارة واضحة بأن "الكرسي" لم يعد امتيازاً، بل مسؤولية محكومة بنتائج ميدانية ملموسة.

​بينما ينتظر المسؤولون الترابيون في مختلف الأقاليم والجهات الإعلان الرسمي عن القائمة النهائية، يسود تفاؤل حذر لدى المواطنين بأن تساهم هذه التغييرات في حلحلة الملفات العالقة وتسريع وتيرة التنمية المحلية. فهل ستنجح "دماء ماي" الجديدة في تقديم الإجابات المنتظرة قبل دخول معترك انتخابات 2026؟

الفقيه بن صالح: عندما تغيب "الندية" ويحضر "البروتوكول الوصي"








بقلم: [محمد الشكدالي]

شهدت مدينة الفقيه بن صالح أمس افتتاح الدورة الخامسة للمعرض الجهوي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وبقدر ما كان الحدث اقتصادياً وتنموياً في ظاهره، إلا أنه حمل في تفاصيله التنظيمية رسائل سياسية وبروتوكولية لا يمكن للمراقب الفطن أن يمر عليها مرور الكرام.

بعيداً عن لغة الأرقام والمشاريع، توقفت الذاكرة الجمعية للمدينة عند "مشهد المنصة"، لتطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يُقام حدث بهذا الحجم فوق تراب الإقليم، ثم يغيب مسؤولو المدينة والإقليم عن الكلمات الافتتاحية؟

لقد جرت الأعراف البروتوكولية في المغرب أن تكون المدينة المستضيفة هي "المضيف" الفعلي، حيث يتقدم مسؤولوها المحليون (سواء من المجلس الجماعي أو الإقليمي) لإلقاء كلمة ترحيبية تؤكد على خصوصية المنطقة ومطالب ساكنتها أمام ممثلي السلطة المركزية. لكن ما حدث في هذه الدورة كان استثناءً يثير التساؤل؛ حيث انفرد المنظمون بالكلمات، وبدا المسؤول المحلي وكأنه "ضيف ثانوي" في بيته.

هنا، لا يسعنا إلا أن نستذكر حقبة، رغم كل ما لنا وما عليها من اختلاف جذري وجملي، كانت تفرض "ندية" بروتوكولية لا تتنازل عن حضور اسم الفقيه بن صالح في صدارة البرنامج الخطابي. إن المقارنة هنا ليست من باب الحنين إلى الأشخاص، بل هي مقارنة بين "زمن القوة الاقتراحية" وزمن "الاستسلام التنظيمي".

إن "تجرؤ" الجهات المنظمة على تغييب الكلمات المحلية لم يكن ليحدث لو وجدوا أمامهم نخبة محلية تفرض اعتبار المدينة وتتمسك بحقها في التعبير الرسمي. إن هذا التغييب ليس مجرد خطأ تنظيمي عابر، بل هو مؤشر على حالة "الاستضعاف" التي قد تعيشها النخبة المحلية الحالية، والتي سمحت لجهات خارجية (سواء جهوية أو مركزية) بأن ترسم برنامج اللقاء وتنفذه دون إشراك حقيقي لأبناء الدار في واجهة الحدث.

إن نجاح أي تظاهرة لا يُقاس فقط بجودة الأروقة أو حجم الزيارات، بل بمدى احترام "كرامة المؤسسات المحلية". ما وقع في افتتاح المعرض الجهوي بالفقيه بن صالح هو جرس إنذار لمسؤولي المدينة؛ فالمكانة لا تُمنح بل تُنتزع، والسكوت عن "التهميش البروتوكولي" اليوم قد يفتح الباب لتهميش تنموي أوسع غداً.

إن الفقيه بن صالح ليست مجرد قاعة عرض أو مساحة جغرافية لتنفيذ برامج الوزارات، بل هي كيان مؤسساتي له تاريخه ورجالاته (رغم الاختلاف معهم)، ومن حق سكانها أن يمثلهم "صوت محلي" قوي لا يقبل التواري خلف الكواليس في اللحظات الرسمية الكبرى.


شغب الرباط ورهان السيادة الرياضية في أفق مونديال 2030




ايوب هناد

لم تكن ليلة الثلاثين من أبريل 2026 مجرد ذكرى عابرة في سجلات البطولة الاحترافية، بل كانت لحظة كاشفة وضعت الطموح المونديالي للمملكة أمام مرآة الحقيقة. فبينما كانت الأنظار تتجه صوب ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط لمتابعة كلاسيكو الجيش الملكي والرجاء الرياضي، تحول الفضاء الذي أعيد بناؤه ليحتضن 70 ألف متفرج إلى ساحة لصدام لم يوقفه سوى تدخل العناصر الأمنية. إن المشاهد التي تناقلتها العدسات لم تكن تعكس خسارة رياضية فحسب، بل كانت تعبيرا عن جرح سوسيولوجي غائر امتد ليفجر حالة من الفوضى في حي الفتح المجاور، مخلفا وراءه تخريبا طال ممتلكات المواطنين ورشقا مكثفا بالحجارة طال عناصر الأمن.

أمام هذا الانفلات، جاء رد العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية سريعا ومحملا بدلالات سياسية أعمق من مجرد عقوبات رياضية؛ إذ تقرر حرمان فريق الجيش الملكي من جماهيره لـ 5 مباريات، والرجاء لـ 3 مباريات، مع فرض حظر تنقل شامل لمشجعيهما حتى نهاية الموسم. هذه القرارات، التي شملت غرامات مالية بقيمة 400 ألف درهم وإلزامية إصلاح الأضرار، لم تكن تستهدف الأندية في ذاتها، بل كانت محاولة لترميم السمعة الدولية للمغرب في وقت تشتد فيه المنافسة مع إسبانيا على انتزاع شرف استضافة المباراة النهائية لمونديال 2030. إن الرسالة المغربية للفيفا واضحة لا تسامح مع أي سلوك يخدش بريق الملف المشترك، حتى لو تطلب الأمر شل الحركة الجماهيرية لأكبر فصيلين في البلاد.

 إن تحليل الصورة الدولية يضعنا أمام مقارنة حتمية مع الجار الإسباني؛ فإذا كان الإعلام في مدريد يحاول توظيف أي انفلات أمني مغربي لتعزيز حظوظ ملعب "سانتياغو بيرنابيو"، فإن الواقع في إسبانيا ليس ورديا هو الآخر. ففي فبراير 2026، شهد ملعب "إل سادار" ببامبلونا أعمال شغب عنيفة وتدخلا شرطيا خشنا أعاد للذاكرة صور الهوليغانز القديمة. يضاف إلى ذلك القنبلة الموقوتة المتمثلة في العنصرية الممنهجة التي تلاحق الملاعب الإسبانية، والتي وصلت إلى حد إصدار الفيفا لتحذيرات رسمية لمدريد، مما يجعل الكفتين متساويتين في حجم التحديات الأخلاقية والأمنية.

يرى خبراء السوسيولوجيا، وعلى رأسهم عبد الرحيم بورقية، أن الشغب في المغرب هو صرخة لفئات تعاني من التهميش، حيث تتحول المدرجات إلى فضاء لتصريف الإحباطات الاجتماعية. غير أن هذا التفسير لا يعفي الأندية وفصائل الإلتراس من مسؤوليتها التاريخية في التأطير، فالدولة التي تستثمر 50 مليار درهم لتطوير البنية التحتية الرياضية، لا يمكنها أن تظل رهينة لسلوكيات طائشة تهدد الأمن القومي الرياضي. لذا، فإن التوجه الحالي نحو الانضمام لاتفاقية "سانت دوني" واعتماد قانون إطار جديد للفعاليات الرياضية يمثل خطوة استراتيجية نحو مأسسة الأمن الرياضي للمملكة.

إن أحداث شغب الرباط ، رغم ما خلفته من ألم وصور مشوهة، يجب أن تكون اللقاح الذي يقوي مناعة الملف المغربي لمونديال 2030. فالدرس المستفاد هو أن الحجر وحده لا يبني مجدا رياضيا، بل إن رقي البشر هو الذي يمنح الملاعب روحها وقيمتها. الدولة اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى، بتفعيل مقاربة شمولية تتجاوز الزجر الأمني لتشمل الإصلاح التربوي، والتمكين الرقمي، والحوار الصريح مع الجماهير. إن ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، بسعته الخرافية، ينتظر جماهير تليق بعظمته.


غلاء الخضر والفواكه ليس قدراً: الشركات الجهوية كمدخل لاستعادة الدولة لوظائف السوق




بقلم : كمال العشابي 

​في المغرب، لم يعد ممكناً حصر ارتفاع أسعار الخضر والفواكه في عوامل المناخ أو كلفة الإنتاج وحدها؛ إذ تؤكد معطيات المؤسسات الرسمية أن جوهر المشكلة يكمن في "مرحلة ما بعد الإنتاج"، أي في مسالك التجميع، التخزين، والتوزيع. ويشخص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هذه الوضعية باختلالات تنظيمية ووظيفية عميقة، أبرزها ضعف قدرة صغار الفلاحين على التنظيم، وبطء التحول الرقمي، وضياع كميات هائلة من المنتجات عبر قنوات التسويق. أمام هذا الوضع، لم يعد السؤال الجوهري هو: كم ننتج؟ بل الأهم: كيف نسوّق ونوزع؟ ومن يربح في المسافة الفاصلة بين الحقل وقفة المستهلك؟

​وتتضاعف وجاهة هذا التساؤل حين تظهر المؤشرات الرسمية أن المغرب يحقق وفرة إنتاجية تغطي الاحتياجات الوطنية، ومع ذلك تظل الأسعار متقلبة ومنفصلة عن منطق العرض المتاح. وتكشف نشرات وزارة الفلاحة وجود فجوة حادة بين أسعار الجملة وأسعار البيع النهائي، مما يثبت أن كلفة التداول ليست هامشاً ثانوياً، بل محرك أساسي للثمن. لذا، فإن الأزمة في عمقها هي أزمة "تنظيم سوق" و"فعالية لوجستية" وليست مجرد أزمة ندرة.

​كما تشير الوثائق الرسمية إلى أن جزءاً معتبراً من المبادلات يتم خارج القنوات المنظمة والشفافة، مما يعيق تتبع الأسعار وهوامش الربح. وفي هذا السياق، يبرز تقرير مجلس المنافسة الدور المحوري للوسطاء، الذين يكتسبون نفوذاً سعرياً يفوق دور المنتجين أنفسهم، مستغلين غياب الشفافية المعلوماتية، وضعف البنية التحتية للتخزين، وتشتت حلقات التجميع.

​من هنا، تبرز ضرورة التفكير في إحداث شركات جهوية عمومية أو شبه عمومية تضطلع بمهام التجميع، الفرز، التخزين، وربط العرض بالطلب ترابياً. لا يهدف هذا المقترح إلى تأميم القطاع، بل إلى استرجاع الدولة والجهات لدورها "الناظم" للسوق. وإذا كانت المؤسسات الرسمية تنادي بتقوية التنسيق الترابي وتطوير القنوات القصيرة، فإن الشركة الجهوية تمثل الأداة التنفيذية لدمج هذه الوظائف ضمن بنية واحدة خاضعة للمحاسبة على النتائج.

​تكمن القيمة المضافة لهذه الشركات في تقليص "الكلفة غير المنتجة"؛ وهي التكاليف التي ترفع السعر دون تحسين الجودة، نتيجة التلف وتعدد الوسطاء. فبينما تنخفض خسائر المنتجات الموجهة للتصدير بفضل التبريد والتثمين، تصل خسائر ما بعد الجني في السوق المحلية إلى ما بين 20 و40%. لذا، فإن الاستثمار في اللوجستيك الجهوي هو سياسة اقتصادية مباشرة لخفض الأسعار عبر تقليص الهدر وزيادة العرض الفعلي.

​إن المقاربة الجهوية تمنح مرونة عالية في التعامل مع سلع سريعة التلف تتأثر بالمسافة والموسمية. فوجود شركة جهوية تدير مخازن التبريد وتنشر بيانات الأسعار اليومية، من شأنه ردم الفجوة بين مناطق الوفرة ومناطق الطلب، والحد من "الندرة المفتعلة". كما يوفر هذا النموذج مظلة حماية لصغار المنتجين الذين يفتقرون للقدرة التفاوضية والوسائل اللوجستية للوصول المباشر إلى الأسواق المنظمة.

​هذا التصور يتقاطع مع التوجهات الاستراتيجية للدولة، حيث تضمنت استراتيجية "الجيل الأخضر 2020-2030" مشاريع لعصرنة أسواق الجملة، مثل مشروع الجديدة المبتكر. وهي خطوات تؤكد القناعة الرسمية بأن ضبط الأسعار يمر حتماً عبر إصلاح "البنيات الوسيطة" وليس فقط عبر المراقبة الزجرية للأثمان النهائية.

​ومع ذلك، يظل نجاح هذه الشركات رهيناً بنموذج حكامتها. فالمطلوب ليس خلق "وسيط بيروقراطي" جديد يثقل كاهل السلسلة، بل بناء مؤسسة تشاركية (تضم الجهة، الجماعات، الدولة، والمهنيين) يُربط تمويلها بمؤشرات أداء دقيقة: تقليص الهدر، رقمنة المعاملات، وضمان عدالة التوزيع.

​في الختام، يمثل إحداث الشركات الجهوية مشروعاً يعيد تعريف دور السلطة العمومية كفاعل "منظم" للبنية التحتية والمعلوماتية، لا مجرد مراقب متأخر. إن اختصار الطريق بين الحقل والمائدة هو السبيل الوحيد لإعادة الشفافية والكفاءة للسوق المغربية، وحماية القدرة الشرائية من تضخم لا تبرره تكاليف الإنتاج بقدر ما يغذيه سوء التنظيم.

بين وهج الذات وضبابية المؤسسة: قراءة في "نقطة نظام" السيدة أمينة ماء العينين

 



بقلم: محمد الشكدالي – أطلس 24

يأتي النص الأخير للسيدة أمينة ماء العينين ليعيد طرح سؤال قديم متجدد في الساحة السياسية: أين تنتهي حدود الشخصية الفكرية المستقلة، وأين تبدأ التزامات الانتماء الحزبي؟

في نصها المفعم بالأنفة، ترسم السيدة أمينة صورة لـ "السياسي المثقف" الذي يعتصم بالبناء الذاتي والارتقاء المعرفي في مواجهة ما تسميه "أعمال السخرة" و"نهش اللحوم" من طرف الخصوم. هي معركة قيمية بامتياز، تضع "الحرية الأخلاقية" في كفة، و"التبعية العمياء" في كفة أخرى.

لا يمكن للمتابع إلا أن يلمس صدقية في خطاب السيدة أمينة؛ فهي تعبر عن حالة من التصالح مع الضمير الأخلاقي تتجاوز الضجيج السياسي العابر. لكن هذه الصدقية الشخصية تصطدم بصخرة الواقع التنظيمي؛ فالمتلقي اليوم يجد صعوبة بالغة في الفصل بين بهاء الخطاب الفردي وبين ضبابية الموقف الحزبي.

هذا "البون الشاسع" الذي نلمسه أحياناً، ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو أزمة هوية سياسية. فعندما يتحدث الفرد بلغة "الوضوح والارتقاء"، بينما يتحرك التنظيم في مساحات الغموض والمساومات البراغماتية، يتولد لدى المتلقي نوع من "التيه المعرفي".

إن الاعتصام بـ التصالح مع المبادئ وبالـ نضج الفكري المستمر كدروع في مواجهة التبخيس السياسي، يبرز رغبة السيدة أمينة في صياغة نموذج للسياسي الذي لا تستنزفه المعارك الهامشية. لكن في عمق الممارسة، قد يبدو هذا الطرح كـ "تحصين ذاتي" يرمم صورة الفرد بعيداً عن إخفاقات الجماعة. الطبقة الواسعة من المتلقين لم تعد تكتفي بـ "النزاهة الفكرية" للفاعل السياسي، بل تبحث عن انعكاس تلك القيم في القرارات الجماعية والمواقف من قضايا الشأن العام.

إن تأثير هذا التباعد بين صدقية القول وضبابية الموقف يؤدي إلى نتيجة حتمية: شخصنة الفعل السياسي. حيث يصبح الفرد (المثقف) هو "المرجع" الذي يثق فيه الناس، بينما تظل المؤسسة مجرد إطار يفتقر للجاذبية الأخلاقية.

يبقى نص السيدة أمينة ماء العينين محاولة جادة للترفع عن الابتذال، لكنها تضعنا أمام تساؤل بنيوي: هل يكفي أن نكون "أحراراً في ذواتنا" بينما تظل أطرنا السياسية رهينة لضبابية المواقف؟ إن الأجدى نفعاً هو مد الجسور لتنتقل هذه "الرصانة الأخلاقية" من الفرد إلى المؤسسة، حتى يزول ذاك البون الذي بات يرهق عين المتلقي.

 

نحو آلية تحفيزية لتعزيز المشاركة الانتخابية ودعم المشاريع الاجتماعية على المستوى الترابي




بقلم : كمال العشابي طالب باحث  

 

يشهد النقاش العمومي في المغرب منذ سنوات تنامي الاهتمام بإشكالية العزوف الانتخابي وحدود فعالية آليات التعبئة التقليدية، خاصة في ظل السعي إلى جعل الديمقراطية التمثيلية أكثر اتصالًا بالديمقراطية التشاركية. وفي هذا السياق، يبرز مقترح تخصيص دعم مالي تحفيزي للأقاليم التي تحقق أعلى نسب مشاركة انتخابية، على أن يوجه هذا الدعم إلى مشاريع اجتماعية ذات أثر محلي، باعتباره تصورًا يجمع بين منطق التحفيز المدني ومنطق العدالة المجالية.

لا ينطلق هذا المقترح من فراغ، لأن التجربة المغربية نفسها عرفت توظيف آليات التحفيز المالي في المجال الانتخابي، كما في التحفيزات العمومية الرامية إلى دعم ترشح الشباب وتغطية جزء من مصاريف الحملات ضمن شروط قانونية ورقابية محددة. وهذا يعني أن فكرة التحفيز في حد ذاتها ليست غريبة عن المنظومة الانتخابية، بل إن السؤال الحقيقي يتعلق بطبيعة الحافز، والجهة المستفيدة منه، والغاية الديمقراطية والتنموية التي يخدمها.

من منظور مؤسسي، ينسجم هذا المقترح مع روح دستور 2011 الذي وسع من دائرة المشاركة المواطنة، سواء عبر الحق في التصويت والترشح، أو عبر تمكين المواطنين والجمعيات من أدوات العرائض والملتمسات والمساهمة في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية. كما أن بوابة الحكومة المنفتحة تؤكد صراحة أن الإطار القانوني وحده لا يكفي لتحقيق مشاركة فعالة، وأن تفعيل الديمقراطية التشاركية يقتضي حملات تحسيسية، وبرامج تكوين، وتقوية قدرات الفاعلين المدنيين.

بناءً على ذلك، يمكن النظر إلى الحافز المالي المقترح لا كأداة منفصلة عن الديمقراطية التشاركية، بل كآلية مكملة لها، شرط أن يُربط بمسار تشاركي محلي يتيح للسكان المساهمة في تحديد المشاريع الاجتماعية التي ستمول من المنحة. بهذا المعنى، لا تصبح الانتخابات مجرد لحظة لاختيار النخب، بل مدخلًا لإنتاج أثر اجتماعي جماعي، وهو ما قد يعزز الثقة في المؤسسات على المستوى الترابي.

تتمثل القوة الأساسية لهذا التصور في أنه يحول المشاركة من فعل سياسي رمزي إلى سلوك ذي مردودية اجتماعية محلية، بما قد يسهم في رفع منسوب الإحساس بجدوى التصويت لدى المواطنين. وقد تكون هذه الجدوى مهمة خصوصًا إذا استحضرنا أن نسبة التصويت في انتخابات 2021 بلغت نحو 50.86 % وفق المعطيات الرسمية المتداولة، بما يعكس بقاء هامش واسع لتحسين المشاركة وتوسيعها.

مع ذلك، يثير المقترح عددًا من التحفظات النظرية والعملية، أبرزها الخشية من الانزلاق نحو فهم نفعي ضيق للمشاركة السياسية، أو خلق تفاوتات جديدة بين الأقاليم إذا اعتمدت معايير غير منصفة. لذلك فإن أي اعتماد لهذا التوجه يقتضي أن تُحتسب الصدارة وفق نسب المشاركة لا وفق الأعداد المطلقة، وأن تخضع الأموال المرصودة لآليات دقيقة للمراقبة، خصوصًا أن المنظومة المغربية تخضع أصلًا النفقات الانتخابية لفحص المجلس الأعلى للحسابات بموجب الفصل 147 من الدستور والمقتضيات التنظيمية ذات الصلة.

لكي يكون المقترح قابلًا للدفاع أكاديميًا ومؤسساتيًا، ينبغي بناؤه على أربعة شروط مترابطة:

• اعتماد نسبة المشاركة داخل كل إقليم بدل العدد الخام للمصوتين، ضمانًا لتكافؤ الفرص بين الأقاليم ذات الأحجام الديمغرافية المختلفة.

• تخصيص المنحة حصريًا لمشاريع اجتماعية محددة وقابلة للقياس، مثل النقل المدرسي أو مراكز القرب أو دعم الفئات الهشة، منعًا لأي توظيف سياسي مباشر للموارد.

• إقرار آلية تشاركية محلية لتحديد أولويات صرف المنحة، حتى يكون المواطن شريكًا في ما بعد التصويت لا مجرد رقم في يوم الاقتراع.

• إخضاع التنفيذ للتتبع والافتحاص والشفافية، انسجامًا مع المنطق الرقابي الذي يحكم المال العمومي والنفقات الانتخابية في المغرب.

ضمن هذه الشروط، يصبح المقترح أقرب إلى نموذج تحفيز جماعي تنموي لا إلى مكافأة انتخابية بالمعنى الضيق، لأن المستفيد النهائي ليس الفرد الناخب بل المجال الترابي وساكنته. كما أن هذا التوجه قد يخلق تنافسًا إيجابيًا بين الأقاليم في مجال التعبئة المدنية، ويشجع الجماعات والفاعلين الجمعويين على تطوير أساليب أكثر ابتكارًا في التحسيس والمواكبة.

تحليليًا، يمكن اعتبار هذا المقترح محاولة لإعادة وصل ما انفصل بين الفعل الانتخابي والأثر الاجتماعي المحلي، أي بين الشرعية السياسية والتنمية الترابية. وهو مقترح لا يخلو من المخاطر، لكنه يكتسب وجاهته من كونه يستجيب لتشخيص رسمي ومجتمعي مفاده أن المشاركة المواطنة لا تتعزز بالقواعد القانونية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى هندسة مؤسساتية وحوافز عادلة وشفافة.

في هذا الأفق، لا ينبغي أن يطرح السؤال بصيغة: هل يجوز تحفيز المشاركة؟ بل بصيغة أدق: كيف يمكن تصميم تحفيز عمومي لا يمس بحرية الاختيار، ويخدم المصلحة العامة، ويقوي الديمقراطية التشاركية بدل أن يختزلها؟  والجواب المبدئي هو أن منح دعم تنموي للأقاليم الأكثر مشاركة قد يكون قابلًا للتبني، إذا جرى تأطيره قانونيًا، وتحييده سياسيًا، وربطه بمشاريع اجتماعية يحددها المواطنون أنفسهم داخل منطق الحكامة الترابية والمساءلة العمومية.

بني ملال: هل سقطت "قلاع الجرار" في فخ الموسمية؟ السيد صابري تحت مجهر المساءلة

 



بني ملال – مراسلة خاصة

مع اقتراب العد العكسي للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، بدأت ملامح المشهد السياسي بجهة بني ملال خنيفرة تتخذ أبعاداً تثير الكثير من الجدل. فبين "غياب الأثر" وتهميش "القواعد"، يجد السيد هشام صابري، كاتب الدولة المكلف بالتشغيل وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، نفسه في قلب عاصفة من الانتقادات التي تتجاوز شخصه لتسائل جدوى الممارسة السياسية القائمة على "الظهور الموسمي".

ظاهرة "القمر الانتخابي" وحصيلة الغياب

يرى متتبعون للشأن المحلي بالجهة أن العلاقة بين الناخب والمنتخب في الدائرة الجبلية والسهلية لبني ملال تمر بأسوأ فتراتها. فالسيد صابري، الذي نال ثقة الساكنة لتمثيلها في البرلمان وصولاً إلى كراسي الحكومة، يُواجه اليوم بتهمة "الاختفاء الخماسي"؛ وهي ظاهرة يصفها البعض بـ "القمر الذي لا يهل على جبال الأطلس إلا عند اقتراب موسم الاقتراع".

هذا الانقطاع عن التواصل الميداني ولد شعوراً بـ "الاغتراب السياسي" لدى الساكنة التي لم تلمس، حسب آراء متطابقة، أي بصمة حقيقية لكاتب الدولة المكلف بالتشغيل في جهة تُعد من أكثر جهات المملكة تصديراً لليد العاملة نحو الخارج وبحثاً عن فرص الشغل للشباب.

العزلة التنظيمية: هل بدأ التصدع داخل "البام"؟

المثير للانتباه في الآونة الأخيرة ليس فقط الانتقاد الشعبي، بل حالة "الجفاء التنظيمي" التي طفت على السطح. فقد سجل ملاحظون غياباً لافتاً لأطر حزب "الجرار" ورئيس الجهة والمنتخبين الكبار عن الأنشطة الرسمية والحزبية التي يترأسها السيد صابري في المنطقة.

تأسيس "منتدى محامي البام" ولقاءات كلية الاقتصاد بمدينة بني ملال، كانت مؤشرات دالة؛ حيث بدا كاتب الدولة "معزولاً" داخل بيته السياسي، وهو ما يفسره مراقبون بوجود شروخ عميقة داخل الحزب بالجهة. فهل هي محاولة من صقور الحزب إقليمياً للنأي بأنفسهم عن حصيلة يُنظر إليها على أنها "باهتة"؟ أم هو صراع أجنحة استباقي لتغيير خارطة التزكيات لعام 2026؟

الترحال السياسي والولاءات المتحولة

المقال لا يغفل تسليط الضوء على "الانتهازية السياسية" التي تطبع سلوك بعض رؤساء الجماعات، الذين يهرولون في اللحظات الأخيرة خلف "المنتخبين الكبار" لتأمين مواقعهم. هذا المشهد يعزز فرضية أن القاعدة الانتخابية بالجهة أصبحت تُعامل كـ "خزان للمصالح" يتم التلاعب به وتوجيهه حسب بورصة التزكيات والولاءات المتبدلة.

تحدي 2026: نهاية "الثوابت"؟

إن حالة الغضب الصامت في صالونات بني ملال السياسية، تقابلها أسئلة مشروعة: هل سيفطن الناخب هذه المرة لخدعة "الموسمية"؟ وهل يستطيع حزب الأصالة والمعاصرة ترميم تصدعاته في الجهة قبل فوات الأوان؟

الأكيد أن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان السيد صابري سيتمكن من إعادة وصل ما انقطع مع القواعد، أم أن قطار 2026 سيمر دون أن يجد "الجرار" محطته المعتادة في قلعة بني ملال، وسط تزايد الوعي بضرورة الانتقال من "سياسة الوعود" إلى "سياسة الأثر الملموس".

الدكتور منصف اليازغي يفكك "خبايا" الهجوم على الريادة المغربية: 16 حقيقة تاريخية تفضح "عقدة" النجاح




 الدكتور منصف اليازغي يفكك "خبايا" الهجوم على الريادة المغربية: 16 حقيقة تاريخية تفضح "عقدة" النجاح


​بني ملال | أطلس 24: محمد المخطاري

​في رد حازم ومبني على "حقائق لا ترتفع"، خرج ابن مدينة بني ملال، الخبير الدولي في السياسات الرياضية الدكتور منصف اليازغي، ليفند ادعاءات وتساؤلات "خبيثة" حاولت النيل من المكانة المرموقة التي يتبوأها المغرب اليوم داخل منظومة "الكاف". اليازغي، وفي مقال ناري تفاعل معه الوسط الرياضي، قدم 16 دليلاً قاطعاً على أفضال المغرب التاريخية، معتبراً أن "الصراخ" الحالي ليس إلا انعكاساً لفشل الآخرين.

​الرد على "السؤال المسموم"

​انطلق الدكتور اليازغي من واقعة "تلعثم" إعلامي مصري وهو يوجه سؤالاً وصفه بـ"الخبيث" لرئيس الكاف حول ما إذا كان للمغرب أفضال يتوجب دفع ثمنها. اليازغي قرر وضع النقاط على الحروف عبر جرد تاريخي غير مسبوق:

​16 حقيقة وضعها اليازغي فوق الطاولة:

​ضريبة الموقف الوطني: المغرب أول بلد حظرته "الفيفا" لسنتين بسبب خوضه مباراة مع منتخب جبهة التحرير الجزائرية، بينما تخلت عنه أطراف أخرى حينها.

​انتزاع حق القارة: قيادة المغرب لحملة مقاطعة مونديال 1966 لضمان مقعد دائم لإفريقيا، وهو ما تحقق في 1970 بالمكسيك.

​الكرة كرسالة سياسية: انسحاب المغرب من مواجهة إسرائيل في أولمبياد 1968 تأكيداً على أن الرياضة موقف وطني.

​الاستحقاق المونديالي: أول بلد إفريقي يتأهل للمونديال عبر 10 مباريات تصفيات وليس عبر مباراة سد شكلية.

​كسر حاجز الهيبة: أول بلد يحقق نقطة في المونديال ويحرج كبار العالم (ألمانيا بيكنباور) سنة 1970.

​الريادة الفردية: أول بلد في شمال إفريقيا يحرز جائزة أفضل لاعب في إفريقيا (أحمد فرس).

​تجاوز الدور الأول: أول منتخب إفريقي يعبر للدور الثاني في كأس العالم (المكسيك 1986).

​نزاهة اللعب: التذكير بواقعة حذف البطاقات الصفراء للاعب المصري طاهر أبوزيد في "جنح الظلام" ببطولة 1986 بالقاهرة.

​الطموح التنظيمي: أول بلد إفريقي يضع ترشيحه الرسمي لاحتضان كأس العالم (نسخة 1994).

​حماية مبدأ التنافس: المغرب كان وراء تغيير منهجية الجولة الأخيرة من التصفيات بعد واقعة اتفاق "مصر ومالي" الشهيرة سنة 1994.

​الشهامة الرياضية: فوز المغرب على السنغال سنة 1997 (مباراة شكلية للمغرب) لتمهيد صعود مصر لمونديال 1998 بطلب من الراحل الجوهري.

​سقف الإعجاز: أول بلد إفريقي يصل لنصف نهائي كأس العالم (قطر 2022).

​تصحيح الصورة النمطية: إنقاذ "الكاف" من السمعة التنظيمية الكارثية عبر تنظيم دورات احترافية أبهرت العالم.

​المعيار الذهبي: تقديم نسخة من كأس إفريقيا (للسيدات) وضعت معايير لن تضاهيها أي دولة أخرى قريباً.

​التضامن القاري: فتح الملاعب المغربية لاستضافة مباريات دول إفريقية لم تكن تملك ملاعب مؤهلة.

​النجاح العابر للقارات: تحقيق نتائج كبرى عالمياً (أولمبياد ومونديال) رغم ما يعانيه المغرب من "ظلم تحكيمي" قارياً.

​خلاصة اليازغي: "لا تُقذف إلا الأشجار المثمرة"

​ختم الدكتور اليازغي تحليله بالتأكيد على أن هذا الهجوم الإعلامي ليس إلا انعكاساً لـ "عقدة" النجاح المغربي، متسائلاً إن كان هؤلاء يحنون لزمن "الكواليس والظلام" الذي كان يخدم قوى معينة، ومؤكداً أن المغرب لا ينتظر مقابلاً لأفضاله بل يواصل عمله كقوة رائدة في القارة السمراء.

فطور رمضاني بـ600 درهم يثير الجدل: مواطن يشتكي من غلاء فاحش وخدمة دون المستوى



 في واقعة تثير الكثير من التساؤلات حول مراقبة الأسعار وجودة الخدمات خلال شهر رمضان، عبّر أحد المواطنين بمدينة بني ملال عن استيائه الشديد بعد تجربة فطور رمضاني وصفها بـ”المخيبة للآمال”، وذلك داخل أحد الفنادق المعروفة بالمدينة.

المعني بالأمر أكد أنه فوجئ بفاتورة بلغت 600 درهم مقابل وجبة تفتقر إلى أبسط مكونات الإفطار المغربي التقليدي، وعلى رأسها الحريرة والتمر، وهما عنصران أساسيان في المائدة الرمضانية. هذا الغياب، إلى جانب تواضع الأطباق المقدمة من حيث الكمية والجودة، دفعه إلى اعتبار ما حدث شكلاً من أشكال الاستغلال، خاصة في ظرفية دينية يفترض أن تسودها قيم الاعتدال والتضامن.

الصور التي وثّقت الواقعة تُظهر مائدة غير منظمة، بأطباق متفرقة وبقايا وجبات بسيطة، ما يعكس، بحسب المتضرر، ضعفًا واضحًا في مستوى الخدمة مقارنة بالسعر المؤدى. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول معايير التسعير، ومدى التزام بعض المؤسسات السياحية بالمهنية واحترام الزبون.

وفي ظل الإقبال الكبير الذي تعرفه المطاعم والفنادق خلال شهر رمضان، تتجدد الدعوات إلى تدخل الجهات المختصة لتكثيف المراقبة، وضمان شفافية الأسعار وجودة الخدمات المقدمة، حمايةً للمستهلكين من أي ممارسات قد تمس بحقوقهم.

كما يرى متتبعون أن مثل هذه الحوادث، وإن بدت معزولة، فإنها تؤثر سلبًا على صورة القطاع السياحي المحلي، وتستدعي وقفة حازمة لإعادة التوازن بين السعر والجودة، وترسيخ ثقافة احترام الزبون.

السنغال والطاس… وخطيئة قانونية لا تُغتفر

 






أعادت التطورات الأخيرة في ملف لقب كأس أمم إفريقيا 2025 الجدل من الملعب إلى فضاء أكثر حساسية وتعقيدًا: فضاء القانون الرياضي. وبدل أن يُحسم النقاش فقط بمنطق الانطباع أو ردود الفعل الجماهيرية، أصبح محكومًا اليوم بمنطق المساطر، والاختصاص، وتسلسل درجات الطعن.

في هذا السياق، يبدو أن الاتحاد السنغالي ارتكب خطأ قانونيًا بالغ الكلفة حين لم يسلك، وفق المعطيات المتداولة، مسطرة الاستئناف ضد القرار الابتدائي داخل أجهزة الاتحاد الإفريقي، قبل الحديث عن اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي. فالقواعد الإجرائية لمحكمة التحكيم الرياضي تشترط، من حيث الأصل، استنفاد وسائل الطعن الداخلية المتاحة قبل رفع النزاع إليها، ما لم ينص النظام المعني على خلاف ذلك.

جوهر الإشكال هنا لا يتعلق فقط بمضمون النزاع، بل بمساره الإجرائي. فإذا ثبت أن الطرف المعني لم يمارس الاستئناف داخل البنية القضائية أو شبه القضائية للاتحاد القاري في الآجال المحددة، فإن ذلك قد يضعف كثيرًا فرص قبول طعنه أمام الطاس من الناحية الشكلية، لأن المحكمة لا تُنشأ أصلًا لتدارك إهمال مسطري كان ممكنًا تفاديه داخل المسار الداخلي.

ومن هذه الزاوية، يظهر الفرق بين من يدير النزاع بمنطق الانفعال، ومن يديره بمنطق الملف القانوني. فحين تُحترم درجات التقاضي وتُستنفد وسائل الطعن المتاحة، يصبح الانتقال إلى الطاس خطوة منسجمة مع القواعد؛ أما تجاوز هذه المرحلة، أو التعامل معها باستخفاف، فقد يحول الطعن نفسه إلى ورقة ضعيفة حتى قبل مناقشة الموضوع.

الدرس الأهم في هذه القضية أن كرة القدم الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالأهداف والنتائج، بل كذلك بالوثائق، والآجال، والدقة في استعمال الأدوات القانونية. لذلك، فإن أي اتحاد يريد الدفاع عن مصالحه في النزاعات الكبرى لا يكفيه أن يمتلك خطابًا احتجاجيًا قويًا، بل يحتاج قبل ذلك إلى هندسة قانونية محكمة، لأن المعارك الرياضية الكبرى تُربح أحيانًا في المكاتب قبل أن تُحسم في الملاعب.


مجلس جهة بني ملال-خنيفرة: "حروب كلامية" برائحة انتخابية.. قراءة استقصائية في "خلفيات" دورة مارس

 





مجلس جهة بني ملال-خنيفرة: "حروب كلامية" برائحة انتخابية.. قراءة استقصائية في "خلفيات" دورة مارس

 

تحقيق: محمد المخطاري (أطلس 24)

شهدت الدورة العادية لمجلس جهة بني ملال-خنيفرة (مارس 2026) فصلاً جديداً من فصول التوتر السياسي، الذي تجاوز حدود النقاش التقني حول المشاريع التنموية، ليتحول إلى "مكاشفة علنية" بين رئاسة المجلس و احد الأعضاء "أطلس 24" تضع هذا الصدام تحت مجهر التحليل، لتفكيك الدوافع الحقيقية وراء "النرفزة" المتبادلة وتوقيتها السياسي.

1.     "لغة الحصيلة" في مواجهة "واجب الرقابة"

بدأ التوتر حين رفع المستشار محمد جلال (فيدرالية اليسار) سقف المساءلة حول أوراش تنموية، مستنداً إلى "أرقام دقيقة". وفي المقابل، لم يتأخر رد رئيس الجهة، عادل بركات (الأصالة والمعاصرة)، الذي نقل النقاش من "تفنيد الأرقام" إلى "مواجهة الشخص"، مذكراً جلال بحصيلته كرئيس سابق لبلدية قصبة تادلة ومستشهداً برقم 9 ملايير سنتيم كدعم جهوي لم تظهر آثاره على "تادلة".

2.     "نرفزة" الرئاسة.. قمع أم دفاع عن المنجز؟

تضاربت القراءات حول رد فعل الرئيس؛ فبينما اعتبره المستشار جلال، بدعم من النائبة البرلمانية مديحة خيير (حزب الاستقلال)،من خلال تفاعلها الفايسبوكي "فقداً للصواب" ومصادرة لحق التعقيب، يرى مراقبون محايدون أن الرئيس نهج أسلوب "الدفاع الهجومي". فعبارة "ما تجيش دير السياسة هنا" قد تُفهم من زاوية الرئاسة كرفض لما تسميه "المزايدات"، بينما تراها المعارضة "تضييقاً" على دورها الدستوري والقانوني (القانون 111.14).

3.     "قصبة تادلة".. كلمة السر في "تسخينات 2026"

لا يمكن لـ "أطلس 24" قراءة هذا الصدام بمعزل عن اقتراب استحقاقات شتنبر 2026. فالتقاطع المفاجئ في المواقف بين المستشار جلال (المعارض) والبرلمانية خيير (المنتمية للأغلبية المسيرة للجهة)، واللذين يجمعهما الانتماء لمدينة قصبة تادلة، يوحي بأننا أمام "تموقع انتخابي" مبكر.

فالرغبة في استمالة الشارع "التادلي" دفعت الطرفين لتبني خطاب رقابي شرس، يقابله رئيس جهة يصارع للحفاظ على "هيبة الأغلبية" وصورة المنجز العام.

4.     الأسئلة العالقة أمام الرأي العام

بعيداً عن صخب الجلسة، يبقى المواطن بالجهة أمام مفارقتين:

حق المعارضة: هل ممارسة السياسة والرقابة "تهمة" كما جاء في رد الرئيس، أم أنها صلب الوظيفة الانتدابية التي يضمنها القانون التنظيمي للجهات؟

نجاعة التدبير: هل فعلاً استُثمرت الـ 9 ملايير سنتيم في قصبة تادلة بالشكل المطلوب؟ ولماذا صمتت المعارضة طيلة أربع سنوات لتستفيق الآن بلغة الأرقام الصادمة؟

وكخلاصة ،إن ما حدث في دورة مارس ليس صراعاً بين "حق وباطل"، بل هو صراع حول "من يمتلك رواية الحقيقة". الرئاسة تحتمي بـ "لغة التمويلات الممنوحة"، والمعارضة تتحصن بـ "لغة المشاريع المتعثرة". وبين هذا وذاك، تظل "أطلس 24" ملتزمة بنقل الوقائع كما هي، تاركة للحكم النهائي (المواطن) فرصة التمييز بين "النقد البناء" و"الحملة الانتخابية" سابقة لأوانها.

"زلزال العدوي" يضرب بني ملال: "كونترا بروكرام" غرفة التجارة.. حلم ملكي وأدته البيروقراطية؟

 




بقلم: [محمد المخطاري] بني ملال | دورة فبراير 2026

لم يكن تقرير السيدة زينب العدوي، رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، أمام البرلمان مجرد جرد روتيني للأرقام، بل كان "صدمة رقابية" أعادت تسليط الضوء على جرح نازف بجهة بني ملال خنيفرة: المشاريع الملكية التي لم تخرج للوجود. وفي واجهة هذا التعثر، برز ملف "عقد البرنامج" (Contrat-Programme) الخاص بغرفة التجارة والصناعة والخدمات، الذي بات اليوم "نموذجاً صارخاً" للفرص الضائعة.

خلال أشغال الدورة العادية لشهر فبراير 2026، لم يجد رئيس الغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات بداً من النزول من "برج التفاؤل" ليعترف بمرارة الواقع. وأكد في مداخلة اتسمت بالصراحة، أن البرنامج التعاقدي الذي صُمم ليكون قاطرة لنهضة اقتصادية حقيقية بالجهة، لا يزال مجرد "حبر على ورق"، رغم الصبغة الاستراتيجية التي يكتسيها كالتزام موقّع في إطار التوجهات الملكية السامية.

التحليل الميداني والتقني الذي طُرح خلال الدورة، حصر أسباب "موت المشروع في مهدِه" في كوابح رئيسية، تضع المركز والجهة أمام تساؤلات حارقة: تلكؤ الوزارات: تأخر المانحين المركزيين والقطاعات الحكومية في الوفاء بالتزاماتهم المالية، مما جعل الغرفة "مكبلة اليدين" أمام طموحاتها.

إن وضع هذا الملف تحت مجهر زينب العدوي يرفع منسوب القلق لدى مدبري الشأن المهني بالجهة. فالمشاريع الملكية ليست "ترفاً إدارياً" قابلاً للتأجيل، بل هي التزامات دولة. ويرى مراقبون أن "إخلاء الذمة" الذي حاول رئيس الغرفة تمريره عبر تحميل المسؤولية للوزارات، قد لا يكون كافياً أمام "قضاة المجلس الأعلى للحسابات" الذين يركزون على النجاعة والنتائج الملموسة.

بينما تتبادل الجهات المسؤولة التهم، يدفع مهنيو وتجار وشباب جهة بني ملال خنيفرة الثمن؛ استثمارات معطلة، مناصب شغل وهمية، وأزمة ثقة بدأت تتسع بين القاعدة المهنية ومؤسستهم الدستورية.

 إن "كونترا بروكرام" بني ملال هو اليوم في "غرفة الإنعاش" الرقابية. فهل ستتحرك الماكينة الحكومية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل صدور تقارير المحاسبة النهائية؟ أم أن المشروع سيسجل في التاريخ كـ "فرصة ملكية ضائعة" ضاعت في دهاليز الإدارة؟

عبد الهادي بلخياط.. سيرة الصوت والاختيار





فاجعة آيت امديس: عندما يسقط سقف "التهميش" على رؤوس البسطاء




لم تكن الصرخة التي انطلقت من دوار "أيت مديوال" بجماعة آيت امديس مجرد صرخة فقدان لسيدة رحلت تحت الأنقاض، بل كانت "هزة إنذار" جديدة تضرب جدار الصمت المحيط بمنظومة التعمير في أعالي جبال إقليم أزيلال. إن انهيار سقف إسطبل فوق رؤوس قاطنيه ليس مجرد حادث عرضي تسببت فيه عوامل الطبيعة، بل هو تجسيد حي للفراغ القاتل بين ترسانة قانونية معقدة وواقع جغرافي واجتماعي ممعن في القسوة.

ثنائية "القانون الجامد" و"الواقع الهش"

إن أول ما تسائله هذه الفاجعة هو "قانون التعمير" المغربي، الذي ما زال في كثير من بنوده يتعامل مع "الدوار" في قمة الجبل بنفس المنطق الذي يتعامل به مع "الحي" في قلب الدار البيضاء. إن اشتراط تصاميم هندسية مكلفة ومساطر إدارية ماراثونية للحصول على رخصة إصلاح إسطبل أو ترميم بيت طيني في منطقة نائية، هو دفع صريح للمواطن نحو "مغامرة" البناء العشوائي أو التعايش مع خطر الموت تحت الأسقف المتآكلة.

الجرح الذي لم يندمل بعد الزلزال

لا يمكن قراءة حادثة آيت امديس بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه مناطق الأطلس بعد زلزال الحوز. فالعديد من البنايات التي صمدت في وجه الزلزال أصيبت بتصدعات "صامتة" لم يتم تشخيصها تقنياً. ومع توالي التساقطات المطرية والثلجية، تصبح هذه التصدعات ثغرات قاتلة. الحادثة تؤكد أن الحاجة لم تعد تقتصر على إعادة الإعمار، بل إلى خريطة مخاطر دقيقة لكل بناية في العالم الجبلي، سواء كانت للسكن أو لتربية الماشية.

المسؤولية المشتركة: من المركز إلى الجماعة

إن تحميل المسؤولية للطبيعة أو لقدم البناء هو نوع من "الهروب إلى الأمام". المسؤولية هنا تقع على عاتق:

1. المشرع: الذي لم ينتج حتى الآن قانوناً خاصاً بالتعمير القروي يراعي الخصوصية "المجالية" والقدرة الشرائية للساكنة.

2. المجالس الجماعية: التي تجد نفسها بين مطرقة تطبيق القانون الصارم وسندان واقع اجتماعي يفرض غض الطرف عن إصلاحات ضرورية يقوم بها المواطن لحماية نفسه.

3. المصالح التقنية: الغائبة عن تقديم التأطير والمشورة المجانية لساكنة الجبال حول كيفية استخدام المواد المحلية (الطين والحجر) بطرق هندسية آمنة.

نحو "عقد تعمير" جديد للجبل

إن إنصاف ضحايا "آيت امديس" وغيرها من المداشر النازفة، لا يكون فقط بتقديم التعازي، بل بإقرار ثورة إدارية في منظومة البناء القروي:

• إقرار "رخصة الترميم المبسطة" التي تمنح مجاناً وبمعاينة تقنية بسيطة.

• تفعيل المساعدة المعمارية المجانية بشكل دائم في المناطق الجبلية.

• اعتبار "الإسطبل" جزءاً لا يتجزأ من أمان السكن القروي، وليس مجرد ملحق ثانوي، ففيه يكمن مورد رزق الساكنة وأحياناً قدرهم المحتوم.

ختاماً، إن سقف الإسطبل الذي انهار في آيت امديس هو تذكير بأن التهميش في الجبل له تكلفة باهظة تُدفع من أرواح المغاربة. فهل ننتظر فاجعة أخرى لندرك أن قوانيننا تحتاج إلى "نزول" من المكاتب المكيفة إلى وعورة الجبال؟


المغرب ومجلس السلام العالمي: عندما تفرض "الدبلوماسية الهادئة" منطق الكبار

 


المغرب ومجلس السلام العالمي: 

عندما تفرض "الدبلوماسية الهادئة" 

منطق الكبار


بقلم: محمد المخطاري

في عالم تتقاذفه أمواج النزاعات، وتتغير فيه موازين القوى بسرعة البرق، تأتي دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، للمشاركة في تأسيس "مجلس السلام" لتضع النقاط على الحروف. هي ليست مجرد دعوة ديبلوماسية بين حليفين، بل هي شهادة اعتراف دولية بأن المغرب لم يعد مجرد فاعل إقليمي، بل أضحى "مهندساً" سيادياً لا غنى عنه في صياغة الحلول الكبرى.

الهروب من "الأوحال" نحو القمة

لطالما حاولت بعض الأطراف، بدافع الحقد أو ضيق الأفق، جرّ المغرب إلى صراعات هامشية ومعارك بئيسة تهدف إلى استنزاف طاقاته وتعطيل مساره التنموي. لكن الجواب المغربي كان دائماً يأتي من "فوق": ترفعٌ عن الصغائر، وتركيزٌ على الاستراتيجيات الكبرى. قبول جلالة الملك لهذه الدعوة هو الرد العملي والأقوى؛ فبينما يغرق البعض في "أوحال" الاستهدافات الحقيرة، يتربع المغرب في منصة صناع القرار العالمي، ثابتاً على مواقفه، واثقاً من خطواته.

لماذا المغرب؟ ولماذا الآن؟

اختيار المغرب كشريك مؤسس لمبادرة تهدف لتسوية النزاعات في الشرق الأوسط والعالم ليس وليد الصدفة، بل يرتكز على ركائز صلبة:

1. المصداقية التاريخية: المغرب هو الدولة التي تمسك بزمام الأمور برصانة، والملك محمد السادس، بصفته رئيساً للجنة القدس، يمتلك "الشرعية الروحية" والسياسية التي تجعل منه طرفاً موثوقاً في أعقد ملفات المنطقة.

2. الواقعية والجواب الاستراتيجي: الحضور المغربي مع "الكبار" يثبت أن الكبير يبقى كبيراً بأفعاله لا بشعاراته. الجواب على المناورات لم يكن يوماً بالصراخ، بل بالتموقع في قلب التحولات الجيوسياسية التي ترسم وجه العالم الجديد.

 مكاننا الطبيعي

إن تأسيس "مجلس السلام" بمشاركة مغربية وازنة يبعث برسالة واضحة: المملكة المغربية حسمت خياراتها، ومكانها الطبيعي هو حيث تُصنع القرارات الدولية. هذا هو المغرب الذي نعرفه، وهذا هو قدره الذي كان ولا يزال وسيبقى؛ دولة أمة ضاربة في التاريخ، وقوة هادئة تُستشار وتُقدر.

بالمختصر المفيد: الجواب سياسي واستراتيجي.. وهدا ما كان!


كرة القدم: لعبة الميدان وليس القلم و بروح الرياضة والأخلاق


مجرد رأي:  إبراهيم  ذ 

في مباراة كثر عليها اللغط، لا بد من التركيز على النقطة التي جدبت الفريق المهزم بكل حيادية وتجرد. دعنا نذكر بالقانون: عندما تلمس الكرة أولًا ركبة اللاعب ثم يده، فلا تُحتسب أي ركلة جزاء. هذا ما تنص عليه قوانين كرة القدم بشكل واضح وصريح، وفقًا للقانون رقم 12 من قوانين لوحة الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB)، وهو القانون الخاص بـ "الأخطاء وسوء السلوك" (Fouls and Misconduct).

في هذه اللقطة، لمست الكرة بوضوح ركبة اللاعب النيجيري قبل أن تلامس يده، دون أي حركة متعمدة، ودون أن تكون وضعية الذراع غير طبيعية. الخلاصة: لا توجد مخالفة ولا ركلة جزاء. وما عدا ذلك فهو إما سوء نية أو جهل بقوانين اللعبة.

الفريق الجزائري منذ دخوله الميدان وهو يبحث عن الأخطاء، في الوقت الذي صرف تركيزه على لعب المباراة في الميدان. يبدو أن هاجس معاداة المغرب الذي تشبع به، ومهمة تشويه البطولة والنقص منها، كانت أكبر من التركيز على اللعب.

كرة القدم تلعب بالميدان وبالتقدم، لا بالقلم. يجب على الجميع التمسك بالروح الرياضية والأخلاق، وإذا ما أريد تطوير هذه اللعبة حتى تضاهي مثيلاتها خاصة في أوروبا ودول أمريكا.

يمكن أن تكون هناك أخطاء في التحكيم، ولهذا وجدت الفار، الذي قد تستعصي عليه الجزم بذلك في بعض الحالات، لذلك يبقى الحكم هو الأساس في الفصل بذلك.

يجب على الدور الأعضاء والمنتمين لهذه الرقعة من الكرة الأرضية إما مسايرة التطور أو الخنوع إلى الوراء، فالقافلة تسير إلى الأمام ودون الالتفات إلى الوراء.

حظا موفقا للفريق الجزائري في المستقبل، عله يتبث تفوقه وطاقته التي يلوح بها خاصة أن نهائيات كأس العالم بالولايات المتحدة الأمريكية قريبة جدا خلال صيف 2026. وهنيئا للمملكة المغربية والكونفدرالية الأفريقية لكرة القدم على النجاح الباهر في هذه الدورة. ونتمنى حظا موفقا للمتأهلين الأربعة فرق القوية للنصف النهائي وإلى منصة التتويج.