فاجعة آيت امديس: عندما يسقط سقف "التهميش" على رؤوس البسطاء




لم تكن الصرخة التي انطلقت من دوار "أيت مديوال" بجماعة آيت امديس مجرد صرخة فقدان لسيدة رحلت تحت الأنقاض، بل كانت "هزة إنذار" جديدة تضرب جدار الصمت المحيط بمنظومة التعمير في أعالي جبال إقليم أزيلال. إن انهيار سقف إسطبل فوق رؤوس قاطنيه ليس مجرد حادث عرضي تسببت فيه عوامل الطبيعة، بل هو تجسيد حي للفراغ القاتل بين ترسانة قانونية معقدة وواقع جغرافي واجتماعي ممعن في القسوة.

ثنائية "القانون الجامد" و"الواقع الهش"

إن أول ما تسائله هذه الفاجعة هو "قانون التعمير" المغربي، الذي ما زال في كثير من بنوده يتعامل مع "الدوار" في قمة الجبل بنفس المنطق الذي يتعامل به مع "الحي" في قلب الدار البيضاء. إن اشتراط تصاميم هندسية مكلفة ومساطر إدارية ماراثونية للحصول على رخصة إصلاح إسطبل أو ترميم بيت طيني في منطقة نائية، هو دفع صريح للمواطن نحو "مغامرة" البناء العشوائي أو التعايش مع خطر الموت تحت الأسقف المتآكلة.

الجرح الذي لم يندمل بعد الزلزال

لا يمكن قراءة حادثة آيت امديس بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه مناطق الأطلس بعد زلزال الحوز. فالعديد من البنايات التي صمدت في وجه الزلزال أصيبت بتصدعات "صامتة" لم يتم تشخيصها تقنياً. ومع توالي التساقطات المطرية والثلجية، تصبح هذه التصدعات ثغرات قاتلة. الحادثة تؤكد أن الحاجة لم تعد تقتصر على إعادة الإعمار، بل إلى خريطة مخاطر دقيقة لكل بناية في العالم الجبلي، سواء كانت للسكن أو لتربية الماشية.

المسؤولية المشتركة: من المركز إلى الجماعة

إن تحميل المسؤولية للطبيعة أو لقدم البناء هو نوع من "الهروب إلى الأمام". المسؤولية هنا تقع على عاتق:

1. المشرع: الذي لم ينتج حتى الآن قانوناً خاصاً بالتعمير القروي يراعي الخصوصية "المجالية" والقدرة الشرائية للساكنة.

2. المجالس الجماعية: التي تجد نفسها بين مطرقة تطبيق القانون الصارم وسندان واقع اجتماعي يفرض غض الطرف عن إصلاحات ضرورية يقوم بها المواطن لحماية نفسه.

3. المصالح التقنية: الغائبة عن تقديم التأطير والمشورة المجانية لساكنة الجبال حول كيفية استخدام المواد المحلية (الطين والحجر) بطرق هندسية آمنة.

نحو "عقد تعمير" جديد للجبل

إن إنصاف ضحايا "آيت امديس" وغيرها من المداشر النازفة، لا يكون فقط بتقديم التعازي، بل بإقرار ثورة إدارية في منظومة البناء القروي:

• إقرار "رخصة الترميم المبسطة" التي تمنح مجاناً وبمعاينة تقنية بسيطة.

• تفعيل المساعدة المعمارية المجانية بشكل دائم في المناطق الجبلية.

• اعتبار "الإسطبل" جزءاً لا يتجزأ من أمان السكن القروي، وليس مجرد ملحق ثانوي، ففيه يكمن مورد رزق الساكنة وأحياناً قدرهم المحتوم.

ختاماً، إن سقف الإسطبل الذي انهار في آيت امديس هو تذكير بأن التهميش في الجبل له تكلفة باهظة تُدفع من أرواح المغاربة. فهل ننتظر فاجعة أخرى لندرك أن قوانيننا تحتاج إلى "نزول" من المكاتب المكيفة إلى وعورة الجبال؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق