الدعم الجهوي بين منطق الواجهة ومنطق القاعدة: حين تُختزل الرياضة في كرة القدم





بقلم: محمد المخطاري 

يعود النقاش حول الدعم الجهوي للرياضة بقوة مع كل موسم رياضي، ومع كل دورة لمجالس الجهات، ليطفو على السطح سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه عميق في دلالاته:

من الأحق بالاستفادة من الدعم العمومي؟

هل هي الفرق والنوادي المشاركة في المنافسات الوطنية، أم الجمعيات والفرق المكلفة بالتنشيط الرياضي وتأطير القاعدة؟

غير أن هذا النقاش، في جهة بني ملال–خنيفرة كما في جهات أخرى، يظل ناقصًا ما لم يتم التوقف عند معطى أساسي غالبًا ما يتم تجاهله أو التعامل معه كأمر عادي:

الدعم الجهوي الموجه للرياضة يُخصَّص في الغالب حصرًا لكرة القدم، عبر الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، باعتبارها جمعية ذات نفع عام.

اختزال الرياضة في كرة القدم: واقع يحتاج إلى مساءلة

لا أحد يُنكر المكانة الخاصة التي تحتلها كرة القدم في المجتمع المغربي، من حيث الشعبية، والتأثير الإعلامي، وعدد الممارسين. كما لا يمكن إنكار الدور التنظيمي والمؤسساتي الذي تضطلع به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، باعتبارها إطارًا ذا نفع عام، يُؤطر المنافسات الوطنية، ويشرف على توزيع جزء من الدعم العمومي.

لكن الإشكال يطرح نفسه حين يتحول هذا الواقع إلى سياسة إقصائية غير معلنة، تُختزل فيها الرياضة الجهوية في لعبة واحدة، بينما تُترك باقي الرياضات (ألعاب القوى، كرة السلة، الكرة الطائرة، اليد، الفنون القتالية، الرياضة النسوية، والرياضة القروية…) خارج دائرة الدعم أو على هامشها.

في هذه الحالة، لا يعود النقاش فقط حول من الأحق داخل كرة القدم نفسها، بل حول من له الحق أصلًا في الدعم الجهوي.

كرة القدم: بين الاستحقاق وهيمنة الحصة الأكبر

الفرق الكروية، خصوصًا تلك المشاركة في المنافسات الوطنية، تستفيد من قنوات دعم متعددة، سواء عبر الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أو عبر الشراكات، أو الإشهار، أو حتى التغطية الإعلامية. كما أن كون الجامعة ذات نفع عام يمنحها موقعًا مريحًا في هندسة التمويل العمومي.

غير أن هذا الوضع يطرح أسئلة مشروعة:

هل من العدل أن تُوجَّه حصة الأسد من المال العام لرياضة واحدة؟

هل يعكس هذا الاختيار حاجيات الجهة الحقيقية؟

وهل تُقيَّم آثار هذا الدعم من حيث التنمية البشرية، أم فقط من حيث النتائج والرتب؟

الخطير في الأمر ليس دعم كرة القدم، بل تحويلها إلى المستفيد شبه الوحيد من الدعم الجهوي، دون نقاش عمومي، ودون رؤية شمولية للسياسة الرياضية.

ضحايا الصمت: رياضات بلا صوت ولا دعم

في المقابل، تعاني عشرات الجمعيات والنوادي النشيطة في رياضات أخرى من تهميش مزدوج:

تهميش مالي بسبب غياب الدعم.

وتهميش رمزي بسبب ضعف الاعتراف بدورها المجتمعي.

هذه الجمعيات تؤطر آلاف الأطفال والشباب، وتحقق أحيانًا نتائج وطنية ودولية، لكنها تظل خارج معادلة الدعم، لأنها لا تنتمي لكرة القدم، ولا تستفيد من إطار مؤسساتي قوي كالجامعة الملكية لكرة القدم.

وفي جهة بني ملال–خنيفرة، حيث تتعدد المواهب وتتنوع الخصوصيات المجالية، يصبح هذا الإقصاء غير مفهوم، بل ومضرًا بالتنمية الرياضية المتوازنة.

الإشكال الحقيقي: غياب سياسة رياضية جهوية متعددة الرياضات

المشكل ليس في كون الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ذات نفع عام، ولا في دعم كرة القدم، بل في غياب سياسة جهوية واضحة تُنصف باقي الرياضات، وتُخرج الدعم من منطق الأحادية.

فالرياضة الجهوية لا يجب أن تُدار بمنطق:

“ما هو مُنظَّم أكثر يستفيد أكثر”،

بل بمنطق:

“ما هو أنفع اجتماعيًا وتنمويًا يستحق الدعم”.

إن حصر الدعم في كرة القدم يُنتج:

اختلالًا في تكافؤ الفرص.

ضعفًا في التنوع الرياضي.

إحباطًا للفاعلين الجمعويين في باقي التخصصات.

وإهدارًا لمواهب قد لا تجد طريقها إلى البروز.

نحو عدالة رياضية حقيقية: ما العمل؟

إذا كانت الجهة تسعى فعلًا إلى جعل الرياضة رافعة للتنمية، فإن ذلك يمر عبر:

فصل الدعم الجهوي عن منطق الرياضة الواحدة

مع احترام خصوصية كرة القدم، دون تحويلها إلى المستفيد الوحيد.

فتح آليات دعم موازية لباقي الجامعات والرياضات

وفق معايير واضحة: عدد الممارسين، النتائج، الأثر الاجتماعي، والانتشار المجالي.

دعم التنشيط الرياضي متعدد التخصصات

خاصة في العالم القروي، والمؤسسات التعليمية، والأحياء الهامشية.

ربط الدعم بالمحاسبة والأثر سواء تعلق الأمر بكرة القدم أو بغيرها من الرياضات.

 الرياضة حق جماعي لا امتياز رياضي

الفرق الكروية تستحق الدعم، لكنها لا تختزل الرياضة.

والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إطار مهم، لكنها لا يمكن أن تكون البوابة الوحيدة للمال العام المخصص للرياضة.

أما العدالة الرياضية الحقيقية، فلا تتحقق بدعم لعبة واحدة، بل ببناء سياسة رياضية جهوية منصفة، متعددة، وشاملة، تعتبر الرياضة حقًا جماعيًا، وأداة للتنمية، لا مجرد واجهة تنافسية أو شعبية موسمية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق