هيئات الصحافة تدخل مرحلة التصعيد: رفض تعديلات قانون المجلس الوطني للصحافة يشعل مواجهة مفتوحة مع الحكومة

 



الدار البيضاء – 23 دجنبر 2025

دخلت الهيئات النقابية والمهنية لقطاع الصحافة والنشر مرحلة جديدة من التصعيد، عقب تصويت الأغلبية الحكومية ضد جميع التعديلات التي تقدمت بها فرق المعارضة على مشروع القانون رقم 06.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، معتبرة ما جرى “انتهاكًا صارخًا لدولة القانون وتحقيرًا للمؤسسة التشريعية وضربًا لجوهر التنظيم الذاتي للمهنة”.

وأعلنت خمس هيئات تمثل الصحافيين والناشرين، من ضمنها النقابة الوطنية للصحافة المغربية والفيدرالية المغربية لناشري الصحف، عن الشروع الفوري في تنزيل برنامج احتجاجي وطني تصاعدي، إلى جانب فتح مسار للترافع أمام المؤسسات الدولية والقارية ذات الصلة بحرية الصحافة وحقوق الإنسان.

تصويت يوسع فجوة الثقة

وجاء هذا الموقف عقب اجتماع لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين، المنعقد يوم الاثنين 22 دجنبر 2025، والذي خصص للبت في تعديلات مشروع القانون المذكور. إذ صوّتت مكونات الأغلبية الحكومية (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال) ضد كل التعديلات التي تقدمت بها المعارضة، دون تقديم أي مقترحات بديلة.

واعتبرت الهيئات النقابية والمهنية أن هذا السلوك يعكس “انخراطًا مباشرًا في مخطط يرمي إلى بلقنة قطاع الصحافة والإجهاز على مؤسسة التنظيم الذاتي”، عبر تقويض مبادئ الانتخاب والاستقلالية والديمقراطية والتعددية، التي تشكل الأساس القانوني والأخلاقي للمجلس الوطني للصحافة.

اتهامات مباشرة لوزير الاتصال

ووجه البيان انتقادات شديدة لوزير الاتصال، معتبرًا أن رفضه لأي تعديل في النص كما صادق عليه مجلس النواب في 22 يوليوز 2025، يشكل مسًّا بدولة القانون وتحقيرًا للبرلمان بغرفتيه، فضلًا عن تجاهل آراء مؤسسات دستورية وازنة، من بينها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.

وأكدت الهيئات أن المشروع، في صيغته الحالية، يعاني من اختلالات جوهرية في الشكل والمضمون، ولا يستجيب لمتطلبات تطوير حرية الصحافة، ولا لحاجيات المقاولات الصحافية الصغرى والمتوسطة، كما لا يوفر الضمانات الكافية لاستقلالية التنظيم الذاتي وحسن تدبيره.

“مشروع تراجعي” خارج الدستور ومدونة الصحافة

وذهبت الهيئات أبعد من ذلك، معتبرة أن مشروع القانون 06.25 يشكل تراجعًا تشريعيًا خطيرًا، لأنه جاء – بحسب تعبيرها – خارج الدسترة، وخارج منطق الإشراك المهني والجمعي، وخارج فلسفة مدونة الصحافة والنشر، كما يكرس منطق الهيمنة والتحكم وربط قطاع حيوي بمصالح لوبيات اقتصادية وإعلامية.

وحذرت من أن تمرير هذا القانون سيؤثر سلبًا على السيادة الإعلامية والأمن الإعلامي الوطني، ويُفرغ الممارسة الصحافية من قيمها المهنية، وفي مقدمتها الاستقلالية وأخلاقيات المهنة والتوازن بين الصحافيين والناشرين.

برنامج احتجاجي وترافع دولي

وفي رد مباشر على ما وصفته بـ”الإصرار الحكومي”، أعلنت الهيئات النقابية والمهنية عن قرارها تنزيل برنامج احتجاجي تصاعدي على المستوى الوطني، مع اللجوء إلى آليات الترافع الدولي أمام المؤسسات المعنية بحرية التعبير والصحافة.

وأكدت أن هذه الخطوة ستتم بتنسيق مع فرق المعارضة البرلمانية، والمركزيات النقابية، والأحزاب السياسية، والمنظمات الحقوقية وهيئات المجتمع المدني، إضافة إلى الإطارات الصحافية داخل المغرب وخارجه، على أن يتم الإعلان لاحقًا عن تفاصيل البرنامج وتوقيته.

معركة مفتوحة حول التنظيم الذاتي

ويعيد هذا التصعيد إلى الواجهة الجدل القديم المتجدد حول طبيعة المجلس الوطني للصحافة، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم المهنة، في وقت يرى فيه مهنيون أن مستقبل الصحافة المغربية مرتبط بوجود تنظيم ذاتي مستقل وديمقراطي، قائم على الانتخاب والتمثيلية العادلة، بعيدًا عن منطق الوصاية والاحتكار.

وتؤكد الهيئات، في ختام موقفها، أن معركة الدفاع عن التنظيم الذاتي للصحافة لن تتوقف إلا برفع كل أشكال الهيمنة والتحكم والإقصاء، معتبرة أن ما يجري اليوم ليس خلافًا تقنيًا حول قانون، بل “معركة وجود” تتعلق بحرية الصحافة ودورها في البناء الديمقراطي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق