حين يتحول الاستوزار إلى مناسبة للتنمر والنبش في دفاتر الماضي!


حين يتحول الاستوزار إلى مناسبة للتنمر والنبش في دفاتر الماضي!

من العمل الإداري إلى البرلمان ثم الحكومة.. لماذا لم تظهر الوثائق القديمة إلا بعد التعيين الوزاري؟ 

من المستفيد من تحويل الحياة الشخصية إلى ساحة للمواجهة السياسية؟





أطلس 24 | مقال رأي

ما إن أُعلن عن تعيين مديحة خيير وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، حتى برزت موجة من التعليقات والتدوينات وتداول وثائق قديمة يُراد من خلالها، على ما يبدو، إثارة الشكوك حول مسارها الشخصي والسياسي.

واللافت في هذا الجدل ليس فقط طبيعة ما يجري تداوله، وإنما توقيته، والطريقة التي يجري بها استحضار وقائع تعود إلى ما يقارب اثنين وعشرين عاماً، وكأن الزمن توقف عند تلك المرحلة، وكأن مسيرة الإنسان بأكملها يمكن اختزالها في ورقة قديمة لم تثبت بعد صحتها أو مصداقيتها أو ظروف تحريرها.

فهل أصبح الاستوزار مناسبة لفتح دفاتر الحياة الخاصة؟ وهل من الإنصاف أن تتحول وثائق غير متحقق منها إلى مقصلة معنوية تُرفع في وجه امرأة مباشرة بعد وصولها إلى المسؤولية الحكومية؟

لماذا صمت الجميع بالأمس وتحدثوا اليوم؟

قبل أن تصبح مديحة خيير وزيرة، كانت موظفة ومسؤولة بالمكتب الوطني للمطارات، وفق المعطيات المتداولة عن مسارها المهني. ثم انتقلت إلى العمل السياسي والتمثيلية البرلمانية، حيث مارست مهامها داخل المغرب وخارجه، وراكمت تجربة في التواصل مع المواطنين وتتبع قضايا دائرتها الانتخابية.

وخاضت تجربة انتخابية استطاعت خلالها تحقيق نتيجة مهمة، حظيت على إثرها بإشادة أنصارها ومسانديها، وشهدت دائرتها الانتخابية مظاهر احتفال بفوزها.

وخلال هذه المراحل، لم يكن الجدل الحالي حاضراً بهذه الحدة.

لكن بمجرد الإعلان عن تعيينها وزيرة منتدبة، تغير المشهد، وبدأ تداول أوراق قديمة وإثارة تساؤلات مرتبطة بماضيها الشخصي.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن القفز عليه: لماذا الآن بالضبط؟

هل تغير مضمون الوثائق؟ أم تغير موقع المعنية بالأمر؟ وهل كانت هذه الأوراق متداولة من قبل، أم أن الوصول إلى المنصب الوزاري هو الذي منحها فجأة هذه الأهمية؟

إنها أسئلة مشروعة، لكن الإجابة عنها تقتضي البحث عن الوقائع، لا الاكتفاء بالظنون أو توجيه الاتهامات دون دليل.

الاستوزار ليس قراراً عابراً

من المفارقات أن بعض الخطابات المتداولة توحي وكأن الوصول إلى منصب وزاري يتم دون مؤسسات أو إجراءات دستورية أو اعتبارات سياسية ومسؤوليات كبرى.

والحال أن تعيين أعضاء الحكومة بالمغرب يتم في إطار أحكام الدستور، وتحديداً الفصل 47، بما يجعل التعيين الوزاري جزءاً من مسار مؤسساتي وليس مجرد إجراء شخصي عابر.

غير أن هذا لا يعني أن التعيين يشكل شهادة مطلقة على جميع جوانب المسار الشخصي أو المهني، ولا يمنع مساءلة أي مسؤول عن كفاءته وقراراته وأدائه.

لكن المساءلة شيء، والتنمر والتشهير بالحياة الخاصة شيء آخر تماماً.

وثائق عمرها 22 سنة.. هل تصلح لمحاكمة الحاضر؟

إن الوثائق التي يجري الحديث عنها، والمنسوبة إلى فترة تعود إلى سنة 2004، تطرح قبل كل شيء مسألة التحقق من أصالتها وسياقها ومدى صلتها بالشأن العام.

ولا نملك، في غياب تحقق مستقل، ما يسمح بالجزم بصحتها أو نسبتها أو تفسير مضمونها.

وحتى إذا ثبتت أصالة وثيقة طبية قديمة، فإن ذلك لا يجعلها حكماً على الحالة الصحية الراهنة لصاحبها، ولا دليلاً تلقائياً على أهليته أو عدم أهليته لتحمل المسؤولية.

فالإنسان ليس وثيقة جامدة، ولا يمكن اختزال اثنين وعشرين عاماً من حياته المهنية والاجتماعية والسياسية في معطيات مقتطعة من سياقها.

والأخطر أن يتحول تداول مثل هذه الأوراق إلى مناسبة للسخرية أو الوصم النفسي أو الانتقاص من الكرامة الإنسانية.

إن المرض أو المعاناة النفسية، إن وجدا في أي مرحلة من حياة أي شخص، لا ينبغي أن يتحولا إلى تهمة أو مادة للتنمر.

هل نحن أمام منافسة سياسية أم تصفية حسابات؟

من حق أي مواطن أن يتساءل عن خلفيات هذا الجدل، خصوصاً عندما يتزامن مع انتقال شخصية سياسية من البرلمان إلى الحكومة.

فهل يتعلق الأمر بمنافسين سياسيين؟ أم بحسابات داخلية؟ أم بمجرد تداول رقمي لمعلومات مثيرة للجدل؟

لا توجد، في المعطيات المتاحة، أدلة كافية تسمح بتحديد الجهة التي تقف وراء تداول هذه الوثائق أو الجزم بوجود حملة منظمة.

لكن غياب الدليل على هوية الفاعلين لا يمنع من إدانة أي ممارسة تستهدف الحياة الخاصة أو تستعمل المعطيات الصحية وسيلة للتنمر.

فالمنافسة السياسية النزيهة لا تحتاج إلى النبش في التفاصيل الشخصية لإثبات اختلافها مع مسؤول عمومي؛ بل تحتاج إلى أفكار وبرامج وحجج وبدائل.

رفقاً بالمناضلات.. فالاختلاف لا يبرر الإهانة

قد نختلف مع مديحة خيير سياسياً، وقد ننتقد اختياراتها ومواقفها، وقد نطالبها، كما نطالب جميع الوزراء، بالنتائج والمحاسبة والشفافية.

لكن لا ينبغي أن يتحول الاختلاف إلى ترخيص للإهانة، ولا أن تصبح الحياة الشخصية ساحة مباحة لكل أشكال التجريح.

والأمر يكتسي بعداً أكثر حساسية حين يتعلق بامرأة استطاعت الوصول إلى موقع متقدم في المسؤولية السياسية، لأن النقاش قد ينزلق من مساءلة أدائها إلى استهداف شخصها.

وليس المطلوب الدفاع عن مديحة خيير باعتبارها فوق النقد، بل الدفاع عن مبدأ يفترض أن يستفيد منه الجميع: لا يجوز أن تصبح الكرامة الإنسانية ثمناً للمشاركة في الحياة السياسية.

حاسبوها على التكوين المهني لا على أوراق الماضي

إن مديحة خيير أصبحت اليوم أمام مسؤولية حكومية تتصل مباشرة بمستقبل آلاف الشباب، وبملفات التكوين المهني والتأهيل والتشغيل وملاءمة الكفاءات مع حاجيات الاقتصاد الوطني.

وهذه هي المجالات التي ينبغي أن تتجه إليها الأنظار.

ماذا ستقدم للشباب الباحث عن فرص التكوين والإدماج؟ وما نصيب جهة بني ملال خنيفرة من البرامج والمشاريع؟ وكيف ستتعامل مع تحديات العالم القروي والفوارق المجالية وضعف فرص التأهيل في بعض المناطق؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق النقاش العمومي الجاد.

أما تحويل وثائق شخصية قديمة، غير محسومة المصداقية، إلى محور للحكم على تجربتها الوزارية قبل أن تبدأ، فلا يخدم بالضرورة حق المواطنين في معرفة الحقيقة، ولا يساعد على تقييم العمل الحكومي.

ارتقوا بالله عليكم.. فإن القاع قد ازدحم

ليس من العدل أن نحتفي بمسار امرأة حين تفوز في الانتخابات، ثم نختزل تجربتها كلها في جدل شخصي بمجرد انتقالها إلى الحكومة.

وليس من الإنصاف أن نطالب النساء بالانخراط في العمل السياسي وتحمل المسؤوليات، ثم نسمح بتحويل حياتهن الخاصة إلى مادة للسخرية كلما بلغن موقعاً متقدماً.

إن من يمتلك معطيات موثقة ذات صلة حقيقية بالمصلحة العامة، فليعرضها بالطرق القانونية والمهنية، مع احترام الحق في الرد والخصوصية وقرينة البراءة.

أما من يريد ممارسة المعارضة السياسية، فليعارض البرامج والقرارات والحصيلة، وليقدم البدائل التي ينتظرها المواطنون.

رفقاً بمديحة خيير، ورفقاً بكل امرأة اختارت خوض غمار العمل العام.

فالدفاع عن كرامتها لا يعني المصادقة المسبقة على أدائها، وإنما رفض تحويل الحياة الخاصة إلى أداة للتجريح والإقصاء.

ولنترك للتجربة الحكومية أن تقدم حصيلتها، وللمواطنين حق الحكم عليها وفق ما ستنجزه، لا وفق ما يتداول من أوراق قديمة.

ارتقوا، بالله عليكم، في خلافاتكم السياسية، وفي لغتكم، وفي أساليب نقدكم.. فإن القاع قد ازدحم، ولم يعد يحتمل مزيداً من التنمر والتشهير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق