من وعود أخنوش إلى تعهدات المنصوري.. هل تستجيب الحكومة الجديدة لاختلالات التنمية التي كشفها الخطاب الملكي؟

 

 

من وعود أخنوش إلى تعهدات المنصوري.. هل تستجيب الحكومة الجديدة لاختلالات التنمية التي كشفها الخطاب الملكي؟

 




أطلس 24 | محمد المخطاري /تحقيق سياسي 

تفتح المقارنة بين البرنامج الحكومي لعزيز أخنوش للفترة 2021–2026 والبرنامج الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري للفترة 2026–2031 نقاشاً يتجاوز اختلاف الأرقام والتعهدات إلى سؤال أكثر عمقاً: هل تمثل الحكومة الجديدة تحولاً في أساليب التدبير والتنفيذ، أم استمراراً للسياسات السابقة مع رفع سقف الوعود الاجتماعية والاقتصادية؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ضوء الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026، الذي يجعل من الضروري قراءة البرنامج الحكومي الجديد في علاقته بأولويات التنمية الترابية، وفعالية المؤسسات، وتلبية الحاجيات الحقيقية للمواطنين.
وتقتضي هذه المقارنة التمييز بين ثلاثة مستويات: ما تعهدت به حكومة أخنوش عند تنصيبها، وما أعلنت عنه حكومة المنصوري في برنامجها الجديد، وما يتطلبه تنزيل التوجيهات الملكية على أرض الواقع.


أولاً: من تأسيس الدولة الاجتماعية إلى الرفع من سقف الالتزامات

جاء برنامج حكومة عزيز أخنوش سنة 2021 في سياق اقتصادي واجتماعي استثنائي، أعقب تداعيات جائحة كورونا، وركز على تعميم الحماية الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار، وإصلاح التعليم والصحة، وإحداث مليون منصب شغل صافٍ خلال الولاية الحكومية.

أما البرنامج الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري، المقدم يوم 19 أكتوبر 2026، فيتجه نحو توسيع بعض المكتسبات الاجتماعية، مع الالتزام برفع الدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً من 500 إلى 1000 درهم، والرفع من الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً، وتحسين حقوق الأرامل.

ويظهر الاختلاف في طبيعة التعهدات، إذ ركز برنامج أخنوش على بناء وتوسيع منظومة الحماية الاجتماعية، بينما يقدم برنامج المنصوري أهدافاً مرتبطة بتحسين قيمة الاستفادة وجودة الخدمات.

لكن الانتقال من التأسيس إلى التحسين لا يعني بالضرورة تجاوز الاختلالات السابقة، خصوصاً في ظل استمرار تحديات القدرة الشرائية والتشغيل والفوارق الاجتماعية.

ثانياً: التشغيل.. من وعد المليون منصب إلى برامج التكوين والإدماج

شكل الالتزام بإحداث مليون منصب شغل صافٍ أحد أبرز عناوين البرنامج الحكومي لأخنوش.

وفي المقابل، تعهدت حكومة المنصوري، ابتداءً من سنة 2027، بتكوين 100 ألف شاب سنوياً، وتمكين 100 ألف آخرين من أول تجربة مهنية كل سنة، إلى جانب توسيع التكوين بالتدرج ومواكبة 60 ألف مقاولة.

ويكشف هذا الاختلاف عن انتقال من هدف إجمالي يتعلق بصافي فرص الشغل إلى برامج تستهدف تحسين قابلية الشباب للتشغيل.

غير أن التكوين والتجربة المهنية لا يمثلان بالضرورة فرص شغل دائمة. ولذلك، فإن تقييم البرنامج الجديد يجب أن يتجاوز عدد المستفيدين إلى عدد الوظائف الفعلية التي ستُحدث، واستقرارها وجودة الأجور المرتبطة بها.

كما أن الحكم على حصيلة أخنوش في هذا المجال يقتضي مقارنة وعد المليون منصب بالحصيلة الإحصائية النهائية للولاية، وليس الاكتفاء بمقارنة التصريحين.

ثالثاً: الخطاب الملكي.. مرجعية جديدة لتقييم العمل الحكومي

تكتسب المقارنة بين البرنامجين أهمية إضافية في ضوء التوجيهات الملكية المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والمجالية، ووضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتسريع الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.

وقد استحضر برنامج المنصوري هذه الأولويات صراحة، باعتبارها مرجعية لعمل الحكومة الجديدة.

ومن هنا، يصبح معيار التقييم مرتبطاً بمدى قدرة الحكومة على تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى إجراءات تنفيذية، وليس فقط بإعادة تضمينها في التصريح الحكومي.

الجهوية المتقدمة.. هل تنتهي مركزية القرار؟

تتعهد حكومة المنصوري بالرفع من التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027، وتسريع تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري.

ويشكل هذا الالتزام تطوراً مهماً على مستوى الموارد المعلنة، لكنه يطرح سؤالاً أساسياً حول مدى مواكبته بنقل الاختصاصات والموارد البشرية وسلطة القرار إلى الجهات.

فالجهوية المتقدمة لا تتحقق بمجرد زيادة التمويل، بل تتطلب تمكين المؤسسات الترابية من إعداد المشاريع وتنفيذها ومراقبة نتائجها.

كما ينبغي أن تتجه البرامج الحكومية نحو معالجة الفوارق داخل الجهة الواحدة، وليس فقط الفوارق بين الجهات.

الشباب.. الإدماج الاقتصادي بدل الاكتفاء بالتكوين

إن وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية يستلزم تجاوز المقاربة العددية للبرامج نحو قياس أثرها الاجتماعي والاقتصادي.

ويقتضي ذلك معرفة عدد الشباب الذين تمكنوا من الاندماج في سوق العمل بعد التكوين، ومدى استقرار وظائفهم، ومستوى الأجور التي يحصلون عليها، ومدى استفادة المناطق القروية والجبلية من هذه البرامج.

وبذلك، يصبح تكافؤ الفرص بين الشباب، بصرف النظر عن مناطق إقامتهم، مؤشراً أساسياً للحكم على نجاح السياسات الحكومية.

السيادة الاقتصادية.. من التوجهات إلى المشاريع

يتقاطع برنامج المنصوري مع الأولويات الاستراتيجية المتعلقة بالأمن المائي والغذائي والطاقي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي.

فقد حدد البرنامج هدف رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة خلال الولاية، وتعزيز إعادة تكوين القطيع الوطني، وتطوير الطاقات المتجددة والصناعة والاستثمار.

غير أن نجاح هذه التوجهات يقتضي تحديد المشاريع والاعتمادات والآجال، مع تقييم آثارها على الإنتاج والتشغيل والقدرة الشرائية.

رابعاً: محاربة الفساد.. هل تتحول التعهدات إلى إصلاحات مؤسساتية؟

من أبرز الاختلافات في الخطاب الحكومي الجديد إعطاء محاربة الفساد والريع مكانة أكثر وضوحاً ضمن الأولويات المعلنة.

ويتضمن برنامج المنصوري تعهدات بتجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح بالممتلكات، وتشديد مراقبة الصفقات العمومية.

كما يتضمن تخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية.

لكن الحكم على فعالية هذه الإجراءات سيعتمد على اعتماد النصوص القانونية اللازمة، وتطبيقها بصورة متساوية، وضمان شفافية الصفقات ومراقبة نتائجها.

خامساً: جهة بني ملال خنيفرة.. اختبار العدالة المجالية

إذا كانت البرامج الحكومية السابقة والجديدة تتقاطع في التأكيد على تقليص الفوارق المجالية، فإن جهة بني ملال خنيفرة تقدم نموذجاً مهماً لقياس مدى فعالية هذه الالتزامات.

فالجهة تجمع بين مؤهلات فلاحية وصناعية وسياحية وطبيعية كبيرة، وبين تحديات مرتبطة بالبطالة والهدر المدرسي والخدمات الصحية والموارد المائية والتفاوتات بين المدن والمناطق القروية والجبلية.

الماء والفلاحة بسهل تادلة

يمثل الأمن المائي أحد أبرز الرهانات بالنسبة للجهة، خصوصاً في المناطق الفلاحية بسهل تادلة.

ومن ثم، فإن تقييم السياسة الحكومية ينبغي أن يشمل أثر الاستثمارات المائية على استدامة الإنتاج الفلاحي، وتحسين دخل الفلاحين، ودعم صغار الكسابة، وتعزيز الصناعات الغذائية.

التعليم والصحة بالمناطق الجبلية

تطرح المناطق الجبلية، خصوصاً بأجزاء من أزيلال وخنيفرة، تحديات تتعلق بالولوج إلى المؤسسات التعليمية والصحية.

وتقتضي الاستجابة لهذه الحاجيات تحسين خدمات النقل المدرسي والإيواء، وتقوية الموارد البشرية الصحية، وتطوير خدمات المستعجلات والنقل الطبي.

ولا يمكن اعتبار ارتفاع الاعتمادات المالية نجاحاً في حد ذاته إذا لم ينعكس على جودة الخدمات واستمراريتها.

التشغيل والاستثمار في الأقاليم الخمسة

ينبغي أن تقاس استفادة بني ملال وأزيلال وخنيفرة والفقيه بن صالح وخريبكة من برامج التشغيل الجديدة بعدد فرص العمل الفعلية، ونوعية الاستثمارات المستقطبة، وقدرة المقاولات المحلية على خلق قيمة مضافة.

كما يتعين الانتباه إلى توزيع المشاريع داخل الجهة، حتى لا تتركز الاستثمارات في مراكز حضرية محدودة على حساب المناطق الأخرى.

ما حصة الجهة من 12 مليار درهم؟

يطرح التزام الحكومة برفع التحويلات المالية للجهات سؤالاً مباشراً بشأن الحصة التي ستستفيد منها جهة بني ملال خنيفرة.

فالبرنامج الحكومي يعلن الغلاف الوطني المستهدف، لكنه لا يحدد في الوثيقة حصة مالية خاصة بالجهة أو قائمة بالمشاريع التي ستمول منها.

ومن هنا تبرز أهمية إعلان برمجة ترابية واضحة، تتضمن المشاريع وأغلفتها المالية وآجال إنجازها ومؤشرات تقييمها.

سادساً: المسؤولية السياسية بين الاستمرارية والتغيير

لا يمكن فصل البرنامج الجديد عن حصيلة المرحلة السابقة، خاصة في الملفات التي شهدت استمرارية في المسؤوليات الحكومية والحزبية.

فاستمرار بعض التوجهات قد يسمح باستكمال الإصلاحات الكبرى، لكنه لا يعفي من تقييم ما تحقق وما تعثر، وتفسير أسباب عدم بلوغ الأهداف السابقة.

ومن ثم، فإن المقارنة الموضوعية لا ينبغي أن تتحول إلى مفاضلة سياسية قائمة على الوعود، بل إلى تقييم مؤسساتي يعتمد على المعطيات والنتائج.

 التوجيهات الملكية تجعل التنفيذ معيار الحكم

تكشف المقارنة أن برنامج المنصوري رفع سقف بعض الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية مقارنة ببرنامج أخنوش، خصوصاً في الدعم الاجتماعي والمعاشات والموارد المالية الموجهة للجهات.

غير أن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الحكومة على تحقيق نتائج ملموسة، وتحويل الأولويات الاستراتيجية إلى مشاريع تستجيب للحاجيات الفعلية للمواطنين.

وبالنسبة لجهة بني ملال خنيفرة، فإن نجاح البرنامج الجديد سيقاس بمدى تحسن التشغيل والتعليم والصحة والأمن المائي، وتراجع الفوارق بين الأقاليم والمناطق الحضرية والقروية.

فالمطلوب اليوم ليس فقط الانتقال من تصريح حكومي إلى آخر، بل الانتقال من منطق الوعود إلى منطق النتائج، ومن مركزية البرامج إلى عدالة التنمية الترابية.

ويبقى السؤال السياسي والتنموي المطروح:

هل تنجح حكومة المنصوري في معالجة الاختلالات التي استمرت خلال ولاية أخنوش، وتنزيل التوجيهات الملكية إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟

 

ملاحظة تحريرية: يستند عرض التزامات حكومة المنصوري إلى وثيقة البرنامج الحكومي المقدمة يوم 19 أكتوبر 2026. أما تقييم حصيلة حكومة أخنوش وتحديد المشاريع التي ستستفيد منها جهة بني ملال خنيفرة، فيتطلبان معطيات رسمية تفصيلية إضافية. ويجب التمييز بين التوجيهات الملكية الواردة في النصوص الرسمية وبين الاستنتاجات والتحليلات الصحفية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق