بقلم: فتيحة حروش (طالبة علم اجتماع)
بين قسوة الطبيعة ومحدودية الفرص وتحديات الأمية، تواصل المرأة القروية بإقليم خنيفرة معركة يومية من أجل البقاء، في انتظار أن تتحول التضحيات إلى حقوق، والصبر إلى فرص، والاعتراف بدورها إلى سياسات فعلية للتمكين والإنصاف.
في أعالي جبال الأطلس المتوسط، وبين القرى المتناثرة على امتداد المجال القروي بإقليم خنيفرة، تعيش نساء كثيرات واقعا تتداخل فيه قسوة الظروف الطبيعية مع صعوبات اجتماعية واقتصادية متراكمة. هناك، حيث أصبح الجفاف مصدر قلق متزايد للأسر التي تعتمد على الفلاحة وتربية الماشية، وحيث تتقلص فرص الشغل وتتفاوت إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، تجد المرأة القروية نفسها في مواجهة يومية مع أعباء الحياة، حاملة على عاتقها مسؤوليات الأسرة والرعاية والإنتاج، في كثير من الأحيان دون موارد كافية أو حماية اجتماعية ملائمة أو اعتراف يتناسب مع حجم مساهمتها.
إن الحديث عن المرأة القروية بإقليم خنيفرة ليس مجرد حديث عن فئة اجتماعية تعاني من الفقر أو ضعف الإمكانيات، بل هو حديث عن نساء يقفن في قلب معادلة التنمية المحلية، ويساهمن في استمرارية الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل أسرهن ومجتمعاتهن، رغم أنهن لا يستفدن دائما من الفرص والموارد نفسها المتاحة لغيرهن.
الجفاف... حين تصبح الطبيعة عبئا إضافيا على المرأة
في المناطق القروية التي ترتبط فيها سبل العيش بالموارد الطبيعية، لا يمثل الجفاف مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل قد يتحول إلى أزمة اقتصادية واجتماعية تمس تفاصيل الحياة اليومية للأسرة.
فتراجع التساقطات المطرية وشح المياه وتأثر الأنشطة الفلاحية وتربية الماشية كلها عوامل يمكن أن تقلص مداخيل الأسر، وتزيد من هشاشتها، وتدفعها إلى البحث عن مصادر بديلة للعيش. وفي قلب هذه التحولات، تتحمل المرأة القروية أعباء متعددة؛ فهي تساهم في تدبير الموارد المحدودة، وتعمل على توفير احتياجات الأسرة، وتواصل أداء مهامها المنزلية والرعائية، وقد تنخرط في أنشطة إنتاجية موسمية أو غير مهيكلة لا تضمن لها دخلا مستقرا.
وعندما تشتد الأزمة، لا تتوقف آثارها عند حدود الأرض أو المحصول أو القطيع، بل تمتد إلى التغذية والصحة والتعليم والاستقرار الأسري. وقد تجد النساء أنفسهن أمام مسؤوليات إضافية لتدبير الندرة، في وقت تكون فيه إمكانياتهن الاقتصادية محدودة.
إن الجفاف، بهذا المعنى، لا يختبر قدرة الطبيعة على العطاء فقط، بل يكشف أيضا هشاشة نماذج العيش ومدى قدرة السياسات العمومية على حماية الأسر الأكثر تأثرا، وضمان مشاركة النساء في تدبير الموارد الطبيعية والتكيف مع التغيرات المناخية.
ومن هنا، فإن دعم المرأة القروية لا يمكن أن ينفصل عن سياسات تدبير الماء، وحماية الموارد المحلية، وتعزيز الفلاحة المستدامة، وتنويع مصادر الدخل، وتوفير بدائل اقتصادية تقلل من ارتهان الأسر للتقلبات المناخية.
الأمية والبطالة... حين تضيق فرص الاختيار
تزداد معاناة المرأة القروية حين تجتمع صعوبة الظروف الاقتصادية مع محدودية فرص التعليم والتكوين والتشغيل. فالأمية لا تعني فقط عدم القدرة على القراءة والكتابة، بل قد تشكل عائقا أمام الوصول إلى المعلومة، وفهم المساطر الإدارية، والاستفادة من برامج الدعم، والتعامل مع المؤسسات المالية، وتسويق المنتجات، واستعمال الوسائل الرقمية.
وتؤكد معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، استمرار التفاوت بين الوسطين الحضري والقروي بإقليم خنيفرة. فقد بلغ معدل الأمية لدى السكان البالغين عشر سنوات فما فوق 50.2 في المائة في الوسط القروي، مقابل 30.1 في المائة في الوسط الحضري. وعلى مستوى الإقليم ككل، بلغ معدل الأمية لدى النساء 45.8 في المائة، وهي مؤشرات تكشف حجم التحدي الذي يطرحه التعليم ومحو الأمية أمام التنمية والتمكين.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الأرقام باعتبارها مجرد مؤشرات إحصائية، بل باعتبارها تعبيرا عن فرص قد تكون ضاعت أمام نساء لم تتح لهن ظروف الطفولة متابعة الدراسة، أو اضطررن إلى تحمل مسؤوليات أسرية مبكرة، أو عشن في مناطق يصعب فيها الوصول المنتظم إلى بعض الخدمات والفرص.
أما البطالة ومحدودية فرص الشغل، فتضعان المرأة القروية أمام معادلة صعبة: كيف يمكنها تحسين دخل الأسرة عندما تكون فرص العمل القريب محدودة، وعندما تتطلب بعض الأنشطة رأسمالا أو تكوينا أو تنقلا لا تستطيع توفيره؟
وقد تمتلك المرأة مهارات مهمة في الصناعة التقليدية أو المنتجات المجالية أو تربية الماشية أو الأنشطة الفلاحية، لكن هذه المهارات لا تتحول بالضرورة إلى دخل مستقر. فغياب قنوات التسويق، وضعف الولوج إلى التمويل، ومحدودية المواكبة التقنية والإدارية، وصعوبة الاستفادة من الوسائل الرقمية، كلها عوامل قد تجعل الجهد المبذول أكبر بكثير من العائد المحقق.
إن التمكين الاقتصادي الحقيقي لا يبدأ بتوجيه النساء إلى إنشاء التعاونيات أو المقاولات فقط، بل يبدأ بتهيئة الشروط التي تجعل مشاريعهن قابلة للاستمرار، وتضمن لهن الوصول إلى الأسواق والموارد والمعلومات، وتساعدهن على تجاوز العوائق التي تحول دون تحويل مهاراتهن إلى فرص اقتصادية حقيقية.
عمل غير مرئي ومسؤوليات لا تنتهي
من أكثر جوانب معاناة المرأة القروية إيلاما أن جزءا كبيرا من عملها يظل غير مرئي في الحسابات الاقتصادية والاجتماعية. فهي تساهم في الأنشطة المرتبطة بالإنتاج الفلاحي وتربية الماشية، وتشارك في إعداد المنتجات المنزلية أو المجالية، وتدبر شؤون البيت، وترعى الأطفال وكبار السن، وتتحمل مسؤوليات يومية قد تستغرق ساعات طويلة، دون أن يقابل كل ذلك دخل مستقل أو اعتراف كاف بقيمة العمل المنجز.
وقد تعمل المرأة داخل النشاط الاقتصادي للأسرة دون أن تتوفر لها سلطة فعلية على الموارد أو القرارات المتعلقة بالإنتاج والتسويق وتدبير المداخيل. وهكذا، يمكن أن تكون مساهمتها ضرورية لاستمرار النشاط، بينما تظل فرصتها في الاستقلال الاقتصادي محدودة.
ولا يتعلق الأمر هنا بإنكار الدور الذي تؤديه الأسرة أو التقليل من أهمية التضامن بين أفرادها، بل بالتأكيد على ضرورة ألا يتحول هذا التضامن إلى مبرر لإغفال حقوق المرأة أو اعتبار عملها واجبا طبيعيا لا يستحق التقدير أو المقابل.
فالمرأة القروية ليست مجرد يد عاملة إضافية داخل الأسرة، ولا مجرد حارسة للتقاليد أو مسؤولة عن الرعاية، بل هي فاعلة اقتصادية واجتماعية تمتلك معارف ومهارات وخبرات ينبغي الاعتراف بها وتطويرها.
ومن ثم، فإن أي مشروع يروم تحسين أوضاع النساء في العالم القروي ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار قيمة العمل غير المؤدى عنه، وأن يشجع على تقاسم مسؤوليات الرعاية داخل الأسرة، وأن يفتح أمام النساء إمكانيات حقيقية للتحكم في مواردهن والمشاركة في اتخاذ القرارات الاقتصادية التي تؤثر في حياتهن.
من الهشاشة الاقتصادية إلى التمكين الفعلي
إن مواجهة التحديات التي تعيشها المرأة القروية بإقليم خنيفرة لا يمكن أن تقتصر على تدخلات ظرفية أو أنشطة محدودة في الزمن والأثر. فالمطلوب هو الانتقال من منطق تقديم المساعدة إلى منطق بناء القدرات وتوسيع الفرص وضمان الاستدامة.
ويقتضي ذلك تطوير برامج لمحو الأمية الوظيفية والرقمية، تراعي خصوصيات النساء القرويات ومستوياتهن التعليمية ولغاتهن المستعملة، وتربط التعلم باحتياجاتهن اليومية والاقتصادية. كما يتطلب توفير تكوينات عملية في تدبير المشاريع والتسويق والتجارة الإلكترونية والتدبير المالي، مع مواكبة مستمرة تتجاوز مرحلة التكوين إلى مرحلة التطبيق وتطوير الأنشطة.
ومن الضروري أيضا تسهيل ولوج النساء إلى التمويل الملائم، وتوفير المعلومات المتعلقة ببرامج الدعم، وتعزيز الربط بين التعاونيات والأسواق والمؤسسات الاقتصادية، وتطوير قنوات تسويق المنتجات المحلية بما يضمن قيمة مضافة أكبر للمنتجات والمجهودات المبذولة في إنتاجها.
وبالنظر إلى خصوصية إقليم خنيفرة، فإن دعم النساء ينبغي أن يرتبط كذلك بالتحولات المناخية وتدبير الموارد الطبيعية، من خلال تشجيع الأنشطة المدرة للدخل الأقل ارتهانا للتساقطات المطرية، ودعم المبادرات الملائمة للبيئة المحلية، وتوسيع فرص مشاركة النساء في تدبير الماء والموارد الطبيعية والتخطيط للتنمية الترابية.
ولا يقل أهمية عن ذلك ضمان الولوج إلى الخدمات الصحية والاجتماعية، وتقريب خدمات التوجيه والتكوين والمواكبة من النساء في المناطق البعيدة، وتطوير وسائل النقل والخدمات التي تساعدهن على المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
إن التمكين لا يتحقق بمجرد اكتساب مهارة أو الحصول على تمويل، بل حين تصبح المرأة قادرة على الاختيار، وعلى تدبير مواردها، وعلى المشاركة في القرارات التي تخصها، وعلى الدفاع عن حقوقها والمساهمة في تحديد أولويات التنمية في مجالها الترابي.
المرأة القروية ليست موضوعا للتنمية فقط، بل شريكة في صنعها
لطالما جرى الحديث عن المرأة القروية باعتبارها فئة تحتاج إلى المساعدة والمواكبة، غير أن هذه المقاربة، على أهميتها في الاستجابة للحاجيات العاجلة، تظل غير كافية ما لم تعترف بالمرأة باعتبارها شريكا أساسيا في تحديد الحلول وصياغة البرامج وتقييم السياسات العمومية.
فالنساء اللواتي يعشن يوميا تحديات ندرة المياه وصعوبات الإنتاج والتسويق وبعد الخدمات يمتلكن معرفة مباشرة بخصوصيات مجالاتهن الترابية، وبالحاجيات الفعلية لأسرهن، وبالعوائق التي تحول دون استفادتهن من فرص التنمية. ولذلك، فإن إقصاء أصواتهن من التشخيص والتخطيط واتخاذ القرار يعني إهدار جزء مهم من المعرفة والخبرة الضروريتين لبناء تدخلات أكثر فعالية.
ومن هنا، تبرز أهمية دعم التنظيمات النسائية والتعاونيات والجمعيات المحلية، وتعزيز قدراتها في الترافع والحوار مع المؤسسات، وفتح فضاءات فعلية لمشاركة النساء في إعداد برامج التنمية وتتبع تنفيذها.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الجمعيات وحدها؛ فالجماعات الترابية والمصالح اللاممركزة والمؤسسات المعنية بالتشغيل والتكوين والفلاحة والماء والتعليم والصحة مطالبة بتطوير تدخلات منسقة، تستجيب لخصوصيات المجال القروي وتضمن التقائية الجهود والموارد.
إن التنمية التي لا تنطلق من حاجيات النساء ولا تتيح لهن المشاركة في القرار تظل تنمية ناقصة، مهما تعددت برامجها ومبادراتها.
من أجل عدالة مجالية تنصف نساء خنيفرة
إن معاناة المرأة القروية بإقليم خنيفرة ليست قدرا محتوما، وليست نتيجة عجز النساء عن مواجهة الظروف، بل هي انعكاس لتحديات بنيوية تتطلب استجابات عمومية ومجتمعية مستدامة.
فلا يمكن الحديث عن تنمية قروية حقيقية في ظل استمرار الأمية وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل، ولا عن تمكين اقتصادي دون ضمان الوصول إلى الموارد والأسواق، ولا عن عدالة اجتماعية دون توفير الخدمات الأساسية وتقليص الفوارق المجالية، ولا عن تنمية مستدامة دون إشراك النساء في تدبير الموارد الطبيعية والتكيف مع آثار الجفاف.
إن المطلوب اليوم هو جعل المرأة القروية في صلب السياسات والبرامج التنموية بإقليم خنيفرة، ليس من باب الإحسان أو التعاطف، بل من منطلق الحق والإنصاف والاعتراف بدورها في بناء الاقتصاد المحلي وصون التماسك الاجتماعي.
فحين تتمكن المرأة القروية من التعلم، والعمل، والحصول على دخل لائق، والاستفادة من الخدمات الأساسية، والمشاركة في القرار، فإن أثر ذلك لا يقتصر عليها وحدها، بل يمتد إلى أسرتها وأطفالها وتعاونيتها وقريتها ومجتمعها بأكمله.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: كيف تستطيع المرأة القروية أن تتحمل المزيد من الأعباء؟ بل: كيف يمكن للمؤسسات والمجتمع أن يرفعا عنها العوائق التي تحد من إمكاناتها، وأن يوفرا لها شروط العيش الكريم والمشاركة الفعلية في التنمية؟
إن المرأة القروية بإقليم خنيفرة لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تمجد صبرها وتضحياتها بقدر ما تحتاج إلى فرص عادلة، وخدمات قريبة، وموارد مستدامة، وسياسات تعترف بحقوقها وتستثمر في قدراتها. فليس من الإنصاف أن نحتفي بصمودها أمام الجفاف والهشاشة، ثم نتركها وحدها في مواجهة أسبابهما.
إن إنصاف المرأة القروية ليس شأنا نسائيا فحسب، بل هو اختبار لمدى التزامنا ببناء تنمية ترابية عادلة، لا تترك القرى في مواجهة الهشاشة، ولا تجعل النساء يتحملن وحدهن كلفة الأزمات، بل تمنحهن المكانة والموارد والفرص التي يستحققنها باعتبارهن شريكات كاملات في صناعة المستقبل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق