بني
ملال-خنيفرة وسؤال الفعالية الترابية: حين تصبح الجهوية مسألة بقاء
حين يضع الخطاب
الملكي أمام البرلمان العمل الترابي في صلب أولويات المرحلة المقبلة، ويشدد على أن
زمن الحلول المركزية المعلبة قد ولى، فإن صدى هذه التوجيهات يتردد بقوة استثنائية
في قلب المغرب غير النافع سابقاً، وفي عمق جهة بني ملال-خنيفرة تحديداً. فالحديث
عن "الجهوية المتقدمة" و"اللاتمركز الإداري" لم يعد هنا مجرد
ترفٍ نظري أو نقاش قانوني يدور في أروقة كليات الحقوق وقاعات البرلمان، بل بات
معادلة حياة أو موت لجهة تنزف بصمت تحت وطأة تحولات مناخية واقتصادية قاسية.
لسنوات طويلة،
استند اقتصاد جهتنا إلى ثلاثية الفلاحة، والسياحة الإيكولوجية، وقطاع الخدمات. غير
أن توالي سنوات الجفاف البنيوي والشرس قد حطم العمود الفقري لهذه المنظومة؛ أراضٍ
بورية ومسقية ضربها البوار، ثروة حيوانية استنزفت وقطيع تآكلت أعداده، وغطاء غابوي
وأشجار مثمرة اختنقت بسبب تراجع المياه الجوفية وجفاف السدود التي كانت تروي نصف
المغرب. هذا الانهيار الإيكولوجي-الفلاحي لم يمس فقط مداخيل الأسر، بل فكك النسيج
الاجتماعي للمنطقة وحولها سريعاً إلى فضاء طارد لكفاءاتها وشبابها نحو هوامش المدن
الكبرى أو مسارات الهجرة غير النظامية.
صحيح أن التضامن
العائلي وتحويلات مغاربة العالم من أبناء الجهة، لاسيما المتواجدين في إيطاليا
وإسبانيا، شكلا شبكة أمان اجتماعي حالت دون وقوع كارثة إنسانية شاملة؛ إلا أن
التعويل على تدفقات المهاجرين لم يعد حلاً مستداماً. فتحويلات مغتربينا، رغم نبلها
وحيويتها، هي مسكنات آنية لأزمة هيكلية، ولا يمكنها أن تعوض غياب الاستثمار
العمومي المنتج، ولا أن تبني سدوداً تلية، ولا أن توفر بديلاً لاقتصاد فلاحي ينهار
أمام أعيننا.
من هنا، تبرز
محورية إعادة هندسة العلاقة بين المركز والجهة. إن تنزيل اللاتمركز الإداري كما
دعا إليه الخطاب الملكي يقتضي الكف عن إدارة الأزمات الفلاحية والمائية بعقلية
المكاتب المكيفة في العاصمة. ما تحتاجه جهتنا اليوم ليس تقارير تُرسل وتُستقبل عبر
مساطر بيروقراطية بطيئة، بل تمكين الفاعل الترابي المحلي من سلطة القرار المالي
والتنفيذي الفعلي، لابتكار حلول ميدانية تلائم خصوصية هذا الإقليم الجبلي والسهلي
المعقد.
وهنا تقع
المسؤولية المباشرة والتاريخية على عاتق ممثلي الإدارة الترابية بالجهة؛ من والي
الجهة إلى عمال أقاليم بني ملال، وأزيلال، وخنيفرة، وخريبكة، والفقيه بن صالح.
إن حداثة تعيين أغلب هؤلاء المسؤولين يجب ألا تكون مبرراً للتردد أو انتظار التعليمات، بل فرصة ذهبية للقطيعة مع إرث تدبيري أثبت عجزه. يملك المسؤولون الجدد هامشاً ثميناً للتحرر من أي التزامات سابقة أو شبكات مصالح محلية، وهو ما يفرض عليهم العمل بصرامة ومسؤولية وقطع دابر "المحاباة" والتوازنات الانتخابوية التي أهدرت فرص التنمية لعقود. وفي المقابل، فإن عامل إقليم الفقيه بن صالح، بحكم استمراريته وتجربته الطويلة ودرايته العميقة بخصوصيات الإقليم الفلاحي الأكثر تضرراً من ندرة المياه وانهيار مدارات تادلة للسقي، مطالب بوضع هذه الخبرة في خدمة تنسيق جهوي شجاع ينقل الواقع بلا مساحيق تجميلية ولا مجاملات إدارية.
يتطلب التدخل
العمومي المستعجل في بني ملال-خنيفرة خريطة طريق واضحة لا تقبل التسويف:
إعادة توجيه
الاستثمار: خلق صناعات تحويلية زراعية تركز على تثمين المنتوجات المحلية الأقل
استهلاكاً للماء، بدل التشبث بزراعات استنزافية باتت عبئاً على الفرشة المائية.
فك العزلة
وتثمين السياحة: إطلاق برامج لربط أقاليم أزيلال وخنيفرة ببني ملال والشبكة
الوطنية بطرق ومسارات لائقة، مع الدفع بمشروع الربط السككي لإخراج الجهة من عزلتها
اللوجستية وتنشيط السياحة الجبلية والبيئية.
تحويل دعم
الجفاف: الانتقال من منطق توزيع الأعلاف المؤقت إلى برامج هيكلية للتكيف المناخي،
مع خلق تحفيزات حقيقية تشجع أبناء الجالية على تحويل مدخراتهم من الاستهلاك
والعقار العائلي إلى مقاولات إنتاجية وخدماتية تخلق فرص عمل مستدامة.
إن الاختبار
الحقيقي لنجاح المرحلة الحالية يكمن في كسر منطق "دار لقمان على حالها".
لم يعد لدى سكان بني ملال-خنيفرة ترف الانتظار، وإذا كانت الولاية الجديدة عنواناً
للنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن معيارها سيبدأ من إنقاذ هذا الخزان الحيوي
للبلاد، وإعادة بناء اقتصاد جهوي يحفظ كرامة أبنائه ويثبتهم في أرضهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق