مسودة قرار مجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية.. تحولات دبلوماسية مرتقبة تضع الحكم الذاتي في صلب الحل السياسي وتفتح ملف إعادة هيكلة المينورسو




أطلس 24 | تحليل سياسي  – 26 أكتوبر 2026

تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة من النقاش الدبلوماسي داخل مجلس الأمن الدولي، على ضوء تداول نسخة معدلة من مشروع قرار بشأن مستقبل العملية السياسية الأممية، تتضمن مقتضيات لافتة تتعلق بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وإعادة هيكلة بعثة الأمم المتحدة «المينورسو»، إلى جانب معالجة الأوضاع الإنسانية بمخيمات تندوف، وتوسيع دائرة المشاورات المرتبطة بالتسوية السياسية.

وتكتسي هذه المسودة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة التحولات التي تقترحها، إذ لم يعد النقاش مقتصراً على التجديد السنوي لولاية البعثة الأممية، بل امتد إلى إعادة تحديد وظائفها ومستقبل حضورها، في ارتباط مباشر بتطور المفاوضات السياسية وبمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007.

وبحسب الترجمة العربية غير الرسمية للمسودة المتداولة، فإن المشروع يستحضر قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، ويشير إلى تنامي الدعم الدولي للمقترح المغربي، مع الترحيب بالمفاوضات المباشرة التي جرت، وفق النص، في واشنطن ومدريد بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، وبتيسير من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، والولايات المتحدة الأمريكية.

ويبرز في هذا السياق توجه نحو جعل المقترح المغربي الموسع والمحدث للحكم الذاتي الإطار الوحيد لمواصلة المفاوضات، وهو مقتضى يحمل دلالات سياسية وقانونية مهمة، إذا ما جرى اعتماده في الصيغة النهائية للقرار.

فالمشروع لا يكتفي بالإشارة إلى مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مقترحاً مطروحاً للنقاش، بل يذهب إلى اعتبار الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية الحل الأكثر قابلية للتطبيق، مع ربط التسوية باتفاق الأطراف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما فيها مبدأ تقرير المصير.

ومن الناحية الدبلوماسية، يمكن قراءة هذا التوجه باعتباره تعزيزاً لموقع المبادرة المغربية داخل العملية السياسية، وانتقالاً مقترحاً من تعدد التصورات التفاوضية إلى التركيز على إطار محدد للتسوية. غير أن هذه القراءة لا تعني أن المسودة، في حد ذاتها، ترتب آثاراً قانونية نهائية، لأن اعتمادها يظل رهيناً بمداولات مجلس الأمن والتصويت على النص النهائي.

ومن أبرز المستجدات الواردة في المشروع اقتراح تمديد ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع إعادة تسميتها ابتداءً من فاتح نونبر 2026 لتصبح «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء»، عوض تسميتها الحالية المرتبطة بتنظيم الاستفتاء.

ويكتسي هذا المقترح رمزية مؤسساتية واضحة، باعتبار أن اسم البعثة ارتبط منذ إنشائها سنة 1991 بمسار أممي محدد. وإذا صادق مجلس الأمن على تغيير التسمية، فإن ذلك سيعكس تطوراً في تصور مهامها، وإن كان تغيير الاسم وحده لا يكفي قانونياً لتحديد الوضع النهائي للإقليم أو إنهاء جميع الاختصاصات القائمة.

وتتجاوز المسودة مسألة التسمية إلى اقتراح مراجعة شاملة لهيكلة البعثة، من خلال مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تصور مفصل، في أجل أقصاه 30 يناير 2027، بشأن الموظفين والموارد البشرية واللوجستية، وإمكانية تقليص الأفراد النظاميين، وإغلاق بعض المواقع أو دمجها، فضلاً عن مراجعة آليات مراقبة وقف إطلاق النار وإزالة الألغام ودعم العملية السياسية.

وتشير هذه المقتضيات إلى أن مستقبل البعثة قد يصبح مرتبطاً بصورة أوثق بالتقدم المحرز في المفاوضات، بدل الاقتصار على تجديد ولايتها وفق الصيغة المعتمدة خلال السنوات الماضية.

وفي جانب آخر، تطرح المسودة توسيع المشاورات التي يجريها المبعوث الشخصي للأمين العام لتشمل مكونات وشخصيات صحراوية داخل الأقاليم الجنوبية للمملكة، وفي مخيمات تندوف، وفي بلدان المهجر، بما فيها أطراف غير مشاركة مباشرة في المفاوضات الرسمية.

ويثير هذا التوجه مسألة التمثيلية داخل العملية السياسية، وإمكانية الاستماع إلى تصورات متعددة بشأن مستقبل التسوية، مع بقاء تحديد الأطراف الرسمية وآليات اتخاذ القرار خاضعاً للإطار الذي يقرره مجلس الأمن والأمم المتحدة.

أما الملف الإنساني، فيحظى بمكانة بارزة في المشروع، الذي يعبر عن القلق من استمرار أوضاع النزوح وتدهور الظروف المعيشية بمخيمات تندوف، ويدعو إلى حلول طوعية وفردية ومستدامة وفق القانون الدولي، تحت إشراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وتقترح المسودة استكمال عملية تسجيل اللاجئين في منطقة تندوف خلال ستة أشهر، مع ضمان حرية التنقل والوصول دون عوائق لإنجاز عمليات التسجيل وتقييم الحلول المستدامة.

ويكتسي هذا المقتضى أهمية إنسانية وإجرائية، بالنظر إلى ارتباط التسجيل الفردي بتحديد الاحتياجات الفعلية للاجئين وتوفير الحماية الدولية المناسبة، فضلاً عن دعم شفافية تدبير المساعدات الإنسانية.

وتتضمن المسودة كذلك تأكيداً على ضرورة الالتزام الواضح وغير المشروط بوقف الأعمال العدائية، وتجنب أي تصرف قد يعرض العملية السياسية للخطر، مع إدانة الهجوم الذي تشير الوثيقة إلى وقوعه بمدينة السمارة بتاريخ 5 ماي 2026.

ويعكس إدراج هذا المقتضى، في حال اعتماده، اهتمام مجلس الأمن بالبعد الأمني للعملية السياسية، وبضرورة توفير الظروف الملائمة لاستمرار المفاوضات بعيداً عن التصعيد العسكري أو الأعمال التي تهدد سلامة المدنيين والاستقرار بالمنطقة.

وعلى المستوى الإقليمي، تعيد المسودة إبراز حضور الجزائر وموريتانيا في المسار التفاوضي، إلى جانب المغرب وجبهة البوليساريو، وهو ما يؤكد استمرار البعد الإقليمي للقضية، وارتباط التسوية المحتملة بتوازنات سياسية وأمنية تتجاوز نطاق الأطراف المباشرة.

كما أن الإشارة إلى الدور الأمريكي في تيسير المفاوضات تعكس، وفق الصياغة المتداولة، توجهاً نحو تعزيز التنسيق بين المبادرات الدبلوماسية الأمريكية والجهود التي تقودها الأمم المتحدة، مع التأكيد على استمرار الدور القيادي للمنظمة الأممية في العملية السياسية.

وبالنسبة للمغرب، فإن أهمية هذه المسودة تكمن في المقتضيات التي تقترح جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محوراً حصرياً للمفاوضات، إلى جانب مراجعة مهام البعثة الأممية وإدراج إجراءات جديدة بشأن مخيمات تندوف.

غير أن القيمة السياسية والقانونية لهذه المقتضيات ستتحدد وفق الصيغة النهائية التي قد يعتمدها مجلس الأمن، ومدى قدرة الأطراف المعنية على الانتقال من التفاوض حول المبادئ العامة إلى مناقشة الترتيبات المؤسساتية والضمانات القانونية وآليات التنفيذ.

وفي هذا الإطار، يبرز تحدٍ أساسي يتعلق بكيفية تنزيل أي اتفاق مستقبلي للحكم الذاتي، من حيث توزيع الاختصاصات، وضمان المشاركة الديمقراطية، وتدبير الموارد، وحماية الحقوق والحريات، وتحديد العلاقة بين المؤسسات الجهوية والسلطات المركزية، ضمن الإطار الدستوري والقانوني الذي ستستند إليه التسوية.

ولا تقل أهمية البعد التنموي عن الأبعاد السياسية والقانونية، بالنظر إلى ارتباط أي حل مستدام بتعزيز الاستقرار والاستثمار والتعاون الاقتصادي بين بلدان المنطقة المغاربية، وتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة الملفات الإنسانية والاجتماعية المتراكمة.

وفي المحصلة، فإن مشروع القرار المتداول بشأن الصحراء المغربية يعكس توجهاً دبلوماسياً نحو إعادة صياغة أولويات العملية السياسية الأممية، من خلال التركيز على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وإعادة النظر في مستقبل بعثة المينورسو، وإعطاء أهمية أكبر للملف الإنساني بمخيمات تندوف.

وإذا اعتمد مجلس الأمن هذه المقتضيات، فإنها قد تشكل محطة مهمة في تطور المقاربة الأممية للقضية، غير أن الانتقال من النصوص الدبلوماسية إلى تسوية سياسية نهائية سيظل مرتبطاً بمضمون القرار المعتمد، واستمرار المفاوضات، والتوصل إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ.

وبين تطورات المواقف الدولية ومتطلبات الحل السياسي، تظل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد مدى قدرة المبادرة المغربية للحكم الذاتي على التحول من إطار تفاوضي إلى اتفاق سياسي ومؤسساتي يضع حداً لهذا النزاع الممتد منذ عقود.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق