أطلس 24 | تحليل سياسي وقانوني
بين سلطة التعيين الدستورية، ومسؤولية رئيسة الحكومة، وحدود الإعفاء الوزاري، تطرح الظهائر الشريفة المنشورة في الجريدة الرسمية بتاريخ 22 أكتوبر 2026 مجموعة من الأسئلة القانونية والسياسية المرتبطة بتشكيل الحكومة الجديدة، وتوزيع الاختصاصات، وضمان استمرارية المؤسسات، فضلاً عن الدلالات التي يحملها إعفاء الوزيرة المنتدبة مديحة خيير بعد فترة قصيرة من توليها مهامها.
وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى ضرورة التمييز بين القرار الدستوري بالتعيين أو الإعفاء، وبين التأويلات السياسية والإعلامية المصاحبة له، مع احترام قرينة البراءة والحقوق الفردية وعدم اعتبار الجدل العمومي بديلاً عن الوقائع الثابتة والإجراءات القانونية.
أولاً: الظهائر الملكية أساس القراءة القانونية
تُظهر الوثائق المرفقة، المنشورة في العدد 7554 من الجريدة الرسمية بتاريخ 22 أكتوبر 2026، صدور الظهير الشريف رقم 1.26.91 بتاريخ 21 أكتوبر 2026، المتعلق بتعيين أعضاء الحكومة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.
ويحدد هذا الظهير أسماء الوزراء والوزراء المنتدبين، والقطاعات الحكومية المسندة إليهم، مع التنصيص على سريان التعيينات ابتداءً من 16 أكتوبر 2026.
كما تتضمن الوثائق الظهير الشريف رقم 1.26.93، الصادر بتاريخ 21 أكتوبر 2026، والمتعلق بإعفاء مديحة خيير من مهامها وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، ابتداءً من 18 أكتوبر 2026.
ويُلاحظ هنا وجود ثلاثة تواريخ قانونية متمايزة: تاريخ سريان القرار، وتاريخ إصدار الظهير، وتاريخ نشره بالجريدة الرسمية.
وهذا التمييز مهم عند تحديد الوضعية القانونية للوزراء، وفهم التسلسل الزمني للقرارات، ودراسة آثارها الإدارية والمؤسساتية.
ثانياً: الفصل 47 من الدستور.. من يملك سلطة التعيين والإعفاء؟
يشكل الفصل 47 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 المرجعية الأساسية لفهم هذه القرارات.
فالدستور يميز بين تعيين رئيس الحكومة، وتعيين أعضائها باقتراح من رئيسها، وإعفاء الوزراء وفق مساطر محددة.
وفيما يتعلق بالإعفاء، يتيح الفصل 47 مسلكين رئيسيين: مبادرة ملكية بعد استشارة رئيس الحكومة، أو طلب يقدمه رئيس الحكومة إلى الملك لإعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة. كما ينظم حالة الإعفاء المبني على استقالة الوزير المعني.
وبالعودة إلى الظهير الشريف رقم 1.26.93، نجد أنه ينص صراحة على أن إعفاء مديحة خيير جاء بناءً على طلب رئيسة الحكومة.
وهذه الصياغة تكتسي دلالة قانونية دقيقة؛ فهي تحدد مصدر المبادرة إلى الإعفاء، دون أن تكشف بالضرورة عن دوافع تقديم الطلب.
ومن ثم، فإن القول بأن الإعفاء تم بطلب من رئيسة الحكومة يستند إلى الوثيقة الرسمية، أما الجزم بأنه كان نتيجة مخالفة قانونية أو ضغط حزبي أو خلاف سياسي معين، فيحتاج إلى أدلة مستقلة لا يوفرها الظهير.
فالقرار الدستوري بالإعفاء ثابت، لكن أسبابه التفصيلية ليست مثبتة في الوثائق المعروضة.
ثالثاً: إعفاء مديحة خيير.. المشروعية الدستورية لا تعني ثبوت المسؤولية
يثير إعفاء مديحة خيير بعد يومين من التاريخ المحدد لسريان تعيينها سؤالاً مشروعاً حول العلاقة بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية.
فالمسؤولية السياسية للوزير ترتبط بالثقة والتوازنات الحكومية ومدى استمرار اختياره ضمن الفريق التنفيذي، في حين أن المسؤولية القانونية، سواء كانت إدارية أو مدنية أو جنائية، تخضع لقواعد إثبات ومساطر واختصاصات مختلفة.
ولا يستلزم الإعفاء من منصب وزاري، في حد ذاته، صدور حكم قضائي أو ثبوت مخالفة قانونية.
وبالمقابل، فإن احترام مسطرة الإعفاء لا يعني تلقائياً حسم كل الأسئلة المرتبطة بملابساته السياسية.
وقد أكد البلاغ الصادر عن الديوان الملكي بتاريخ 18 أكتوبر 2026 أن الملك محمد السادس قبل طلب رئيسة الحكومة بإعفاء الوزيرة المنتدبة، وفق الفصل 47 من الدستور.
ويتعين هنا التمييز بين ثلاثة مستويات:
المستوى الدستوري: وجود طلب بالإعفاء وقبوله وفق الاختصاصات المنصوص عليها.
المستوى السياسي: مسؤولية رئيسة الحكومة عن تدبير تشكيلتها الوزارية وتقديم التفسيرات السياسية المناسبة عند الاقتضاء.
المستوى الحقوقي: عدم تحويل الإعفاء إلى قرينة إدانة أو وسيلة للمساس بسمعة المعنية دون سند ثابت.
وإذا كان الجدل العمومي قد ارتبط بوثائق أو اتهامات متداولة، فإن سلامة التحليل تقتضي التحقق من مصدر كل وثيقة وصحتها وحجيتها القانونية، وعدم استخلاص مسؤولية شخصية من مجرد تداولها.
رابعاً: هل يؤثر الإعفاء في شرعية التشكيلة الحكومية؟
من الناحية الدستورية، لا يؤدي إعفاء وزير منتدب، بحد ذاته، إلى سقوط الحكومة أو فقدان بقية أعضائها صفتهم الحكومية.
فالفصل 47 يميز بين الإعفاء الفردي وبين استقالة رئيس الحكومة، التي تترتب عنها آثار تخص الحكومة بكاملها.
وعليه، فإن إعفاء مديحة خيير يظل، من حيث نطاقه المباشر، قراراً فردياً يتعلق بمنصب وزاري محدد.
غير أن هذا الإعفاء يثير إشكالاً مؤسساتياً آخر يتعلق بكيفية استمرار تدبير قطاع التكوين المهني والتأهيل بعد انتهاء مهام الوزيرة المنتدبة.
ويكتسي هذا السؤال أهمية لأن التكوين المهني يرتبط بسياسات التشغيل والتأهيل الاقتصادي والإدماج الاجتماعي للشباب.
وينص القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها على آليات لتحديد اختصاصات أعضاء الحكومة، وتنظيم النيابة في بعض الحالات، بما يضمن استمرارية العمل الحكومي.
لذلك، ينبغي التمييز بين انتهاء مهام الوزيرة وبين استمرار اختصاصات الإدارة والقطاع الحكومي المعني. ولا يمكن تحديد الترتيبات العملية النهائية لتدبير هذه الاختصاصات إلا بالرجوع إلى المراسيم والقرارات التنظيمية ذات الصلة.
خامساً: التشكيلة الحكومية الجديدة.. إعادة توزيع القطاعات والأولويات
تكشف قراءة الظهير رقم 1.26.91 عن هندسة حكومية تقوم على الجمع بين قطاعات تقليدية وأخرى ذات طبيعة أفقية أو مستحدثة في تسميتها واختصاصاتها.
فإلى جانب وزارات الداخلية والخارجية والعدل والأوقاف، تضمنت التشكيلة وزارة للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، ووزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، فضلاً عن إعادة تجميع بعض القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
وقد أكد الإعلان الرسمي لتعيين الحكومة الجديدة بتاريخ 16 أكتوبر 2026 هذه التوزيعات.
ويمكن قراءة هذه الهندسة من زاويتين متكاملتين.
الأولى ترتبط بالتنسيق بين القطاعات، إذ قد يتيح تجميع الاختصاصات المتقاربة إمكانات لتوحيد التخطيط وتبسيط بعض المسارات الإدارية.
أما الثانية فتتعلق بتحديات التنفيذ، لأن اتساع مجالات تدخل الوزارة الواحدة قد يطرح أسئلة بشأن توزيع الموارد وتحديد المسؤوليات وتقييم النتائج.
ولذلك، فإن تقييم فعالية هذه الهندسة الحكومية لا ينبغي أن يقتصر على أسماء الوزارات أو عدد الحقائب، وإنما يتطلب تتبع النصوص المحددة لاختصاصاتها والبرامج والميزانيات والنتائج المحققة.
سادساً: التوازنات السياسية داخل الحكومة ومسؤولية رئيسة الحكومة
لا يمكن فصل تشكيل الحكومة عن السياق السياسي الذي يرافق توزيع الحقائب بين الأحزاب والشخصيات الحكومية.
لكن الظهير الملكي، بوصفه أداة قانونية للتعيين، لا يقدم وحده تفاصيل المفاوضات السياسية أو معايير اختيار جميع الأسماء.
ومن ثم، فإن تحليل التوازنات الحزبية يقتضي الاستناد إلى المعطيات الرسمية المتعلقة بالانتماءات الحزبية، والاتفاقات المعلنة بين مكونات الأغلبية، ومواقف الهيئات السياسية المعنية.
وفي حالة إعفاء مديحة خيير، يظل الثابت قانونياً أن رئيسة الحكومة طلبت الإعفاء، وهو ما يفتح نقاشاً سياسياً حول معايير الاختيار الوزاري وآليات معالجة المستجدات التي قد تطرأ عقب التعيين.
ومن الأسئلة التي يحق للرأي العام طرحها: ما المعايير المعتمدة في انتقاء أعضاء الحكومة؟ وكيف يجري التحقق من شروط تولي المسؤولية؟ وما حدود واجب التواصل الحكومي عند حدوث تغيير سريع في التشكيلة؟
هذه الأسئلة لا تتضمن اتهاماً لأي طرف، وإنما تتصل بمبادئ الحكامة والشفافية والمساءلة السياسية.
سابعا: نشر الظهائر بالجريدة الرسمية.. التوثيق القانوني وحدود الاستنتاج
تكتسي الجريدة الرسمية أهمية مركزية باعتبارها مرجعاً لنشر النصوص القانونية والتنظيمية والقرارات التي يقتضي القانون نشرها.
وتسمح الوثائق المرفقة بتحديد هوية الأعضاء المعينين، وتاريخ سريان تعييناتهم، وكذلك تاريخ انتهاء مهام مديحة خيير.
غير أن نشر الظهير لا يعني بالضرورة أن جميع التفاصيل المتعلقة بخلفيات القرار أصبحت معلومة للرأي العام.
كما أن تحديد تاريخ سابق لسريان قرار منشور لاحقاً يثير مسألة قانونية تتعلق بآثاره الزمنية، ينبغي تناولها في ضوء طبيعة القرار والنصوص المنظمة له، دون افتراض وجود مخالفة لمجرد اختلاف تاريخ الإصدار عن تاريخ النفاذ.
وفي الحالة المعروضة، يحدد الظهير تاريخ 18 أكتوبر 2026 بدايةً لسريان إعفاء مديحة خيير، بينما صدر الظهير في 21 أكتوبر ونُشر في 22 أكتوبر.
ويظل من المهم، عند بحث أي آثار إدارية أو مالية مترتبة على هذه الفترة، الرجوع إلى النصوص التطبيقية والقرارات ذات الصلة، وليس الاكتفاء بالتواريخ الثلاثة.
ثامنا: ما الذي تكشفه هذه الواقعة عن العلاقة بين السياسة والقانون؟
توضح هذه الحالة أن القرار الوزاري يمكن أن يكون سليماً من حيث المسطرة الدستورية، وأن يظل في الوقت نفسه موضوع نقاش سياسي مشروع.
فالدستور يحدد الجهات المختصة بإصدار القرار وكيفية اتخاذه، لكنه لا يقدم بالضرورة تفسيراً سياسياً لكل تغيير حكومي.
كما أن المسؤولية السياسية لا تتطابق مع المسؤولية الجنائية أو التأديبية، ولا ينبغي الخلط بينهما في التغطية الإعلامية.
وتبرز أهمية هذا التمييز بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر بشخصيات عمومية تتعرض لتداول معلومات شخصية أو وثائق غير مثبتة.
فحرية الصحافة وحق المواطنين في المعرفة يقابلهما واجب التثبت واحترام الحياة الخاصة والسمعة، مع إتاحة المجال للرد والتوضيح.
وفي المقابل، فإن المطالبة بتواصل مؤسساتي يشرح أسباب القرارات الحكومية الكبرى، ضمن الحدود القانونية، تظل جزءاً من النقاش المشروع حول الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
بين المشروعية الدستورية والمساءلة السياسية
إن قراءة الظهيرين الشريفين رقم 1.26.91 ورقم 1.26.93 تسمح باستخلاص حقيقة أساسية مفادها أن التعيينات الحكومية وإعفاء مديحة خيير تمت، وفق الصياغة الرسمية المنشورة، في إطار المساطر التي يحيل عليها الفصل 47 من الدستور.
لكن الوثائق لا تسمح، بمفردها، بتحديد الأسباب السياسية أو الشخصية التي دفعت إلى طلب الإعفاء، ولا تثبت وجود مسؤولية قانونية في حق الوزيرة المعفاة.
ويبقى التحدي الأوسع أمام الحكومة الجديدة مرتبطاً بترجمة هندستها التنظيمية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم، وبإرساء تواصل مؤسساتي يساعد المواطنين على فهم القرارات المتخذة.
فالمسألة لا تتعلق فقط بمن دخل الحكومة ومن غادرها، بل بكيفية ممارسة المسؤولية، واحترام القانون، وضمان استمرارية المؤسسات، وربط القرارات السياسية بمقتضيات الشفافية والمساءلة.
وبالنسبة إلى جهة بني ملال خنيفرة، فإن المعيار العملي لقياس أثر هذه المرحلة الحكومية سيظل مرتبطاً بما يتحقق من برامج ومشاريع وفرص تنموية، وليس بمجرد الحضور الاسمي لشخصيات من الجهة داخل الجهاز التنفيذي.
المراجع: الظهيران الشريفان رقم 1.26.91 و1.26.93، وفق الصور المرفقة من الجريدة الرسمية عدد 7554 بتاريخ 22 أكتوبر 2026؛ الفصل 47 من دستور المملكة المغربية؛ القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق