بني ملال بين أوراش التنمية وانتظارات الساكنة.. مشاريع اليوم وطموحات الغد
بقلم: محمد المخطاري
«إن شاء الله وليدات بني ملال يعومو في الصيف القادم».. بهذه العبارة التي قالها والي جهة بني ملال–خنيفرة عند مغادرته المسبح البلدي، اختار أن يختم زيارته لهذا المرفق، وهي عبارة بسيطة في كلماتها، لكنها تحمل دلالات إنسانية وتنموية عميقة، لأنها تختزل انتظارات أجيال من أطفال المدينة الذين يتطلعون إلى فضاءات ترفيهية ورياضية تليق بهم، وتمنحهم حقهم في الاستمتاع بمرافق عمومية تحفظ كرامتهم وتصون حقهم في الترفيه.
ولعل هذه العبارة تستحق أن تكون مدخلاً لقراءة أوسع لمستقبل مدينة بني ملال، التي شهدت خلال الفترة الأخيرة تدشين وإطلاق مجموعة من المشاريع التنموية، بمناسبة الاحتفال بعيد الوحدة المجيد وذكرى المسيرة الخضراء المظفرة، في سياق دينامية تروم تأهيل البنية التحتية وتحسين جودة المشهد الحضري وتعزيز جاذبية المدينة.
فالمعطيات المقدمة خلال هذه الزيارة تكشف عن حزمة من المشاريع التي تهم تهيئة وتأهيل عدد من المحاور الطرقية، وتقوية شبكات الكهرباء، وإعادة تأهيل قنوات الماء الصالح للشرب والصرف الصحي، إلى جانب إنجاز قناة لتصريف المياه وتأهيل المسبح البلدي، باستثمارات مالية مهمة تتجاوز 25 مليار سنتيم وفق المعطيات المعلن عنها.
ولا شك أن هذه الأوراش تشكل خطوة إيجابية في اتجاه معالجة عدد من الاختلالات التي راكمتها المدينة، كما أن تأهيل المداخل والمحاور الطرقية وتحسين شبكات التطهير والماء والكهرباء من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، ويعزز شروط العيش الكريم.
لكن، وبكل موضوعية، فإن التنمية الحقيقية لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد الأوراش المنجزة أو بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، وإنما بمدى قدرتها على إحداث تحول ملموس في حياة الساكنة، وخلق فرص الشغل، وتحسين الخدمات، وتوفير فضاءات اجتماعية وثقافية ورياضية واقتصادية تستجيب لتطلعات مختلف الفئات، وخاصة الشباب.
بني ملال تحتاج إلى ما هو أبعد من تعبيد الطرق وتأهيل الشبكات.
إن المدينة، بما تتوفر عليه من مؤهلات طبيعية وموقع استراتيجي وطاقات بشرية شابة، تستحق رؤية تنموية متكاملة، لا تكتفي بتجميل الواجهات الحضرية، بل تمتد إلى بناء اقتصاد محلي منتج، وإحداث مرافق قادرة على احتضان المواهب والطاقات والمبادرات.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة تقتضي التفكير الجدي في إطلاق مشاريع مهيكلة أخرى، من بينها:
أولاً: مركب رياضي متكامل
بني ملال في حاجة إلى مركب رياضي بمواصفات عصرية، يضم ملاعب متعددة التخصصات وقاعات مغطاة ومرافق للتدريب والتكوين، حتى يجد شباب المدينة وأطفالها فضاءات حقيقية لممارسة الرياضة وتطوير مواهبهم. فالاستثمار في الرياضة استثمار في الصحة والتربية والوقاية من الانحراف، كما أنه رافعة لتعزيز الإشعاع الرياضي للمدينة.
ثانياً: مسرح بلدي وفضاءات ثقافية
لا يمكن الحديث عن مدينة متجددة دون الحديث عن الثقافة والفنون. ومن حق بني ملال أن تتوفر على مسرح بلدي يليق بتاريخها ومكانتها، يحتضن العروض المسرحية والموسيقية والندوات والأنشطة الثقافية، ويفتح المجال أمام الفنانين والمبدعين والجمعيات الثقافية لإبراز مواهبهم.
فالمدينة التي تتوفر على الطرق والمرافق الأساسية تحتاج أيضاً إلى فضاءات تصنع الوعي والذوق الفني وتمنح الأجيال الصاعدة فرصة التعبير والإبداع.
ثالثاً: منطقة صناعية منتجة وليست عقيمة
من أكبر التحديات التي تواجه بني ملال مسألة التشغيل وخلق الثروة. لذلك، فإن التفكير في منطقة صناعية حقيقية، مجهزة بالبنيات الأساسية والتحفيزات الاستثمارية، أصبح ضرورة ملحة.
والأهم من إحداث منطقة صناعية على الورق هو استقطاب وحدات إنتاجية حقيقية، قادرة على خلق مناصب شغل قارة، وتحريك الدورة الاقتصادية، واستثمار المؤهلات الفلاحية والموارد المحلية للجهة.
فلا نريد منطقة صناعية تتحول إلى مجرد بنايات ومستودعات مغلقة أو عقارات تنتظر المستثمرين، بل نريد فضاءً اقتصادياً منتجاً، يخلق القيمة المضافة ويوفر فرص العمل للشباب وحاملي الشهادات.
رابعاً: برامج اقتصادية حقيقية لفائدة الشباب
إن شباب بني ملال لا يحتاجون فقط إلى ملاعب ومسابح وفضاءات للترفيه، رغم أهميتها، بل يحتاجون كذلك إلى فرص حقيقية للاستقلال الاقتصادي وتحقيق الذات.
ومن هنا تبرز أهمية إطلاق برامج محلية وجهوية لدعم المقاولات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومواكبة الشباب حاملي الأفكار والمبادرات، وتوفير التكوين المهني المرتبط بحاجيات سوق الشغل، مع إحداث آليات فعالة لتمويل المشاريع ومواكبتها.
إن الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق انتظار الوظيفة إلى منطق خلق فرص الشغل والإنتاج والمبادرة الاقتصادية.
خامساً: فضاءات خضراء ومرافق ترفيهية تحفظ جاذبية المدينة
بني ملال مدينة ذات مؤهلات طبيعية وسياحية متميزة، وقربها من المجال الجبلي ومناظرها الطبيعية يمنحانها إمكانات كبيرة لتطوير السياحة والترفيه. ولذلك، فإن تأهيل الحدائق والمنتزهات والفضاءات العمومية، وإحداث مناطق للترفيه العائلي، من شأنه أن يجعل المدينة أكثر جاذبية لسكانها وزوارها.
إن عبارة والي الجهة بشأن سباحة أطفال بني ملال خلال الصيف المقبل ينبغي ألا تبقى مجرد لحظة عابرة أو تصريحاً تفاؤلياً، بل يجب أن تتحول إلى التزام عملي يترجم إلى فتح المسبح البلدي في ظروف جيدة، مع ضمان الصيانة والسلامة والتدبير الجيد، حتى يصبح هذا المرفق حقاً متاحاً لأبناء المدينة.
إن بني ملال لا ينقصها الطموح، ولا تنقصها المؤهلات، بقدر ما تحتاج إلى مواصلة التعبئة وتكامل جهود مختلف المتدخلين، من سلطات إقليمية وجهوية ومجالس منتخبة ومؤسسات عمومية وقطاع خاص ومجتمع مدني.
كما أن المرحلة تتطلب الانتقال من منطق المشاريع المتفرقة إلى رؤية تنموية شاملة، تحدد الأولويات وتربط الاستثمار بتحسين جودة الحياة، وتجعل المواطن في قلب كل السياسات والبرامج.
فإذا كان تأهيل الطرق والشبكات والمرافق الأساسية مدخلاً ضرورياً للتنمية، فإن بناء مستقبل بني ملال يمر أيضاً عبر الرياضة والثقافة والصناعة والتشغيل والاستثمار في الإنسان.
وفي النهاية، نتمنى أن تكون عبارة «إن شاء الله وليدات بني ملال يعومو في الصيف القادم» بداية لمرحلة جديدة من الوفاء لانتظارات الساكنة، وأن يأتي الصيف المقبل وأطفال المدينة يستمتعون بمسبحهم البلدي، فيما تتواصل الأوراش لتصبح بني ملال مدينة أكثر جمالاً وإنتاجاً وإشعاعاً.
فبني ملال تستحق أن تكون مدينة للعيش الكريم، لا مجرد مدينة للأوراش. وتستحق أن تمنح أبناءها أسباب البقاء والنجاح، لا أن تكتفي بتوديع طموحاتهم نحو مدن أخرى.
بقلم: محمد المخطاري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق