المشتكون والضحايا يصطدمون بخيبة أمل بعد تبخر القضية دون محاكمة:
اطلس 24: أحمد بيضي
أكدت النيابة العامة بمدينة غرونوبل الفرنسية، لوسائل إعلام محلية، وفاة جاك لوفوغل، المعتقل على خلفية الاشتباه في ارتكابه جرائم اغتصاب واعتداءات جنسية استهدفت أطفالا وشبانا على مدى عقود وفي نحو عشرة بلدان، بينها المغرب، وتوفي لوفوغل يوم السبت 19 شتنبر 2026 داخل سجن كوربا بمدينة ليون، عن عمر ناهز 79 عاما، متأثرا بمرض عضال، وكانت التحقيقات قد نسبت إليه 89 اعتداء جنسيا خلال الفترة الممتدة من 1967 إلى 2022، فضلا عن الاشتباه في تورطه في قتل والدته وعمته سنتي 1974 و1992، قبل أن تنكشف القضية إثر العثور على مذكرات له من طرف ابن أخيه على مفتاح ذاكرة إلكترونية .USB.
وكان انكشاف أفعاله قد فتح تحقيقين قضائيين أفضيا إلى اعتقاله وإيداعه السجن الاحتياطي في فبراير 2024، قبل أن تعرب النيابة العامة، في يوليوز الماضي، عن أملها في عرض القضية على القضاء خلال العام المقبل 2027، رغم أن معظم الوقائع المنسوبة إليه أصبحت مشمولة بالتقادم، وهو ما أثار إشكالية الإنصاف القضائي في القضايا التي تتأخر فيها المحاسبة لعقود، وفي المحصلة، تمكن المحققون من تحديد 79 قاصرا تعرضوا لاعتداءات جنسية أو اغتصاب، تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاما، جرى الاستماع إلى 55 منهم، فيما تقدم 24 بشكايات رسمية، وينحدر هؤلاء من عدد من دول العالم.
وإلى جانب فرنسا القارية وإقليم كاليدونيا الجديدة، شملت تحركاته تسعة بلدان، متنقلا بينها في إطار مهام التدريس والتأطير الرياضي، وتقديم دروس الدعم المدرسي، أو الإشراف على أطفال جانحين، ويتعلق الأمر بالجزائر وسويسرا وألمانيا والنيجر وكولومبيا والفلبين والبرتغال والهند والمغرب، وبحسب المحققين، كان يعتمد أسلوبا يقوم على استمالة واستقطاب أطفال وشبان ينحدرون من أوساط اجتماعية هشة، وفي مذكراته، وصف نفسه، وفق مصادر إعلامية، بعبارة "عاشق الفتيان النبيل"، مستحضرا اليونان القديمة وما عرف فيها باسم "الإيفيب" أي الشبان في مرحلة المراهقة، ومستشهدا بأعمال الكاتبين أندريه جيد وهنري دو مونترلان.
وبخبر وفاته، اكتفى أحد ضحاياه بالقول "إن الدرك والقضاء بذلا كل ما في وسعهما لتسريع التحقيق، مع مراعاة خصوصية الملف وتعقيداته، غير أن وفاة المعني بالأمر حرمت الضحايا من المحاكمة التي كانوا ينتظرونها"، وأضاف متأسفا أن الأمر يمثل، بالنسبة إلى الضحايا، "عقوبة مزدوجة"، إذ لن تكون هناك محاكمة، بعدما تعذر على العدالة إصدار حكم، ولن تتمكن من ذلك أبدا،. وأوضح ضحية آخر أنه لم يكن يسعى بالأساس إلى خوض معركة قضائية شخصية، بقدر ما أراد الإدلاء بشهادته، اعتقادا منه بأن ذلك قد يساعد ضحايا آخرين ربما كانوا في حاجة أكبر إلى انعقاد المحاكمة، قبل أن تأتي وفاة المعني بالأمر لتترك المشتكين أمام مرارة تبخر أملهم في المحاكمة.
وكان المدعي العام للجمهورية الفرنسية في غرونوبل، إتيان مانتو، قد أطلق في العاشر من فبراير الماضي نداء عاما وموسعا بهدف تحديد ضحايا آخرين محتملين، إضافة إلى ما تضمنه المفتاح الإلكتروني من معطيات، وإلى جانب جريمتي قتل والدته سنة 1974، خنقا بوسادة وهي مصابة بالسرطان، وعمته المسنة سنة 1992 في سويسرا، تشكل هذه الوقائع ملفا استثنائيا كشف عنه مكتب الادعاء العام في غرونوبل خلال ندوة صحفية، ويتعلق برجل اعتاد الترحال عبر الحدود وممارسة الاعتداءات الجنسية، فيما كان المحققون يبحثون عن شركاء محتملين أو جرائم أخرى بعد وقوفهم على خطورة الملف.
وفي إطار واحدة من أوسع التحقيقات في جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال، كان الدرك الفرنسي قد أطلق بدوره نداء الكترونيا، مرفقا بسبع صور لجاك لوفوغل في أعمار وملامح مختلفة، مع ذكر الدول التي أقام فيها، وذلك لتوسيع نطاق البحث وتشجيع الضحايا المحتملين على التقدم والتبليغ، وأكد الدرك أنه كان، في كل مكان يستقر فيه للعمل مدرسا خاصا أو معلما أو مرشدا أو متطوعا، يلتقي بالشباب والأطفال، بعدما اشتغل، على سبيل المثال، منشطا رياضيا في أنشطة تسلق الأخاديد واستكشاف الكهوف، وفي مخيمات الشباب، كما عمل مع الأحداث الجانحين في ألمانيا، وتولى العديد من مهام الدروس الخصوصية، وكان مربيا في دار للأطفال بمدينة بوغوتا في كولومبيا.
ومن بين ما حير مدعي الجمهورية في غرونوبل، في حديث له مع إحدى الصحف الفرنسية، كيفية إجراء التحقيقات في المغرب للوصول إلى ضحايا محتملين لجاك لوفوغل، وكان المحققون يأملون في إنهاء التحقيق القضائي خلال سنة 2026، بالنظر إلى التخوف من سقوط بعض الوقائع بالتقادم، فضلا عن تقدم جاك لوفوغل في السن، وأكد مدعي الجمهورية رغبته في تركيز جانب من التحقيقات على المغرب (الأطلس المتوسط)، حيث يحتمل وجود "ضحايا لم تسقط قضاياهم بالتقادم"، مشيرا إلى أن تحديد هوية جميع الضحايا قد يستغرق سنوات أخرى، وهو ما يفرض، بحسب تقديرات المحققين، تسريع وتيرة التحقيقات، مع محاولة تجاوز عائق التقادم والعودة، على الأقل، إلى الوقائع التي تعود إلى سنة 1993 كحد أقصى.
وفي صلة بالملف، فضل المحققون تقديم رؤية عامة للوقائع التي يشتبه في أن المعني بالأمر ارتكبها، مع إعطاء الأولوية للبحث عن الضحايا المرتبطين بالوقائع التي لم يشملها التقادم، ومن بينهم "ضحايا المغرب"، بالنظر إلى أن المعني بالأمر أقام في هذا البلد لنحو عشرين عاما، بشكل رئيسي، ووفق ما أكده مدعي الجمهورية للصحافة الفرنسية، فقد جرى الاتصال بالسلطات القضائية المغربية في إطار لجنة إنابة قضائية دولية، بهدف السماح لمحققين فرنسيين بالمشاركة في عمليات البحث والتحقيق ومساعدة نظرائهم المغاربة في الاستماع إلى ضحايا جرى تحديد بعضهم بأسمائهم الكاملة، فيما لم تعرف هوية آخرين، وفق ما أوردته بعض وسائل الإعلام.
ويرى محللون أن جاك لوفوغل تمكن من البقاء بعيدا عن دائرة الأضواء لأكثر من خمسة عقود، مستفيدا من نمط حياة منعزل وعدم نشاطه على وسائل التواصل الاجتماعي، فضلا عن عدم تنظيمه لقاءات أو حفلات مع آخرين وعدم لجوء أي من ضحاياه إلى التبليغ عنه، إلى أن فوجئت الشرطة الفرنسية بابن شقيقه يسلمها مفتاح الذاكرة الذي كان يحتوي على مذكرات وملفات تخص الرجل، وعلى إثر ذلك، تمكنت الشرطة من توقيفه في فيزيل بإقليم إيزير في فبراير 2024، حيث أقر بصحة ما ورد في مذكراته، ليتم وضعه رهن التحقيق والحبس الاحتياطي، وتنطلق عملية تدقيق واسعة في الملفات والجرائم.
وبحسب المعطيات المتداولة، كان المشتبه فيه يتمتع بقدرة على فرض نوع من السيطرة النفسية على المراهقين في بلدان مختلفة، وكان يظهر في صورة رجل "مثقف وذي شخصية جذابة"، كما كان يتقن اللغة العربية والدارجة المغربية، قبل أن يتعلم الأمازيغية، وكان يطالع الكتب العربية، ومنذ سنوات الألفين، دخل الرجل إلى منطقة الأطلس المتوسط، قبل أن يستقر في أحد الأحياء الهامشية بمدينة خنيفرة، حيث قدم نفسه في صورة شخصية منفتحة على المجتمع المحلي، وأثار في الوقت نفسه الكثير من الجدل، وكان يتقرب من السكان من خلال أنشطة ذات طابع خيري، من بينها تقديم دروس الدعم في اللغة الفرنسية للأطفال.
كما كان يساهم في بعض أعمال النظافة ومبادرات القرب والتخييم والإحسان والقراءة، دون أن يثير ذلك، في حينه، ما يكفي من الانتباه أو الشكوك، غير أن سلوكه لم يخل، بحسب شهادات ومعطيات متداولة محليا، من علامات استفهام، إذ راودت بعض السكان شكوك بشأن ميولاته الجنسية، ثم بشأن خلفياته الدينية وأهدافه الحقيقية، مع تداول حديث عن قيامه بأنشطة ذات طابع تبشيري أو ذي توجهات لا دينية، وإلى حدود الآن، لم تصدر السلطات القضائية الفرنسية، بحسب المعطيات المتاحة، بلاغا رسميا يؤكد وقوع أفعال مرتبطة بهذا الملف على التراب المغربي، غير أن إقامة المشتبه فيه لفترات طويلة بالمغرب تظل معطى يطرح استفهامات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق