يخلد الشعب المغربي، غدا الأحد، الذكرى الثانية والثمانين لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، وهي محطة تاريخية بارزة في مسار الكفاح الوطني من أجل الحرية والسيادة، وأحد أبرز التعبيرات عن التلاحم الوثيق بين العرش والشعب في مواجهة الاستعمار.
وتحل هذه المناسبة الوطنية في أجواء من التعبئة الشاملة واستحضار التضحيات الجسام التي قدمها المغاربة من أجل استرجاع استقلالهم ووحدتهم الترابية، حيث تشكل وثيقة المطالبة بالاستقلال علامة مضيئة في ملحمة النضال الوطني، ودليلا على نضج الوعي السياسي وقوة الإرادة الجماعية في الدفاع عن المقدسات والثوابت.
ويستحضر المغاربة، بهذه المناسبة، الظروف الصعبة التي عاشتها البلاد في ظل نظام الحماية الذي فرضته القوى الاستعمارية، وقسّم التراب الوطني إلى مناطق نفوذ بين الحماية الفرنسية في الوسط، والإسبانية في الشمال والجنوب، إلى جانب النظام الدولي بمدينة طنجة، في محاولة لتفتيت وحدة البلاد وإضعاف مقوماتها السيادية.
وأمام هذا الوضع، خاض الشعب المغربي، بقيادة العرش العلوي المجاهد، نضالا متواصلا ومتعدد الأشكال، شمل الانتفاضات الشعبية والمعارك المسلحة، إضافة إلى العمل السياسي والتنظيمي، من خلال تقديم مطالب الإصلاح سنة 1934 و1936، والتصدي للظهير الاستعماري التمييزي سنة 1930.
وقد اضطلع جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، بدور محوري في توحيد الصف الوطني وإذكاء روح المقاومة، منذ اعتلائه العرش سنة 1927، حيث جسد رمز السيادة الوطنية وقائد معركة التحرير.
وفي سياق هذا الكفاح، استثمر جلالة المغفور له محمد الخامس انعقاد مؤتمر آنفا بالدار البيضاء سنة 1943 لطرح قضية استقلال المغرب على الساحة الدولية، مذكرا بالدعم الذي قدمه المغرب للحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وهو ما لقي تفهما من قبل الرئيس الأمريكي آنذاك فرانكلان روزفلت، الذي اعتبر طموح المغرب في الاستقلال مشروعا.
وجاء تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، الموقعة من طرف 67 من قادة الحركة الوطنية، من بينهم امرأة، ليجسد إرادة صريحة في إنهاء نظام الحماية وإقامة دولة مغربية مستقلة تحت قيادة السلطان الشرعي محمد بن يوسف، مع اعتماد نظام سياسي قائم على الشورى وضمان حقوق مختلف فئات الشعب.
وقد شكل هذا الحدث نقطة تحول في مسار النضال، وتعزز بموقف جلالة المغفور له محمد الخامس خلال زيارته التاريخية لطنجة سنة 1947، حيث جدد مطالب الاستقلال، في تحد واضح للسلطات الاستعمارية، التي أقدمت لاحقا على نفيه، وهو ما أدى إلى تصاعد حركة المقاومة واندلاع ثورة الملك والشعب، وصولا إلى عودة السلطان وإعلان استقلال المغرب سنة 1956.
ويظل إحياء ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال مناسبة وطنية لاستحضار قيم التضحية والوفاء، وتجديد الاعتزاز بالمسار التحرري للمملكة، وترسيخ معاني الوحدة والتلاحم بين العرش والشعب في وجدان الأجيال الصاعدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق