حفل تأبين العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال


 

حفل تأبين العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال
الأستاذ والدكتور سيدي محمد العاملي رحمه الله

بمناسبة تنظيم شعبة التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال حفلا تأبينيا، يوم السبت 10 يناير 2026، تخليدا لذكرى الأستاذ الدكتور والعميد الفقيد سيدي محمد العاملي، رحمه الله رحمة واسعة، التأم ثلة من جهابذة الأساتذة والباحثين والطلبة لاستحضار مسار علمي وإنساني استثنائي، وللوقوف وقفة وفاء أمام رجل أعطى للكلية من روحه، وللعلم من عمره، وللإنسان من خلقه.

وقد شكلت الكلمات والشهادات التي أُلقيت خلال هذا اللقاء التأبيني لحظة إنسانية عالية، امتزج فيها الأسى بالاعتراف، والحزن بالامتنان، والدمع الصامت بصدق الذاكرة. كلمات لم تكن مجرد تأبين عابر، بل كانت فعلا شهادة تاريخية في حق قامة علمية وازنة، وضمير أكاديمي نادر، تميز بالصرامة العلمية، وسعة المعرفة، ونبل السلوك، والتواضع الجم، وحسن المعاشرة، والحنان والرفق...

لقد أجمع المتدخلون على أن الراحل لم يكن أستاذا عاديا فحسب، بل كان مدرسة في الأخلاق قبل أن يكون مدرسة في التاريخ والتراث، ومرجعا علميا وإنسانيا ترك بصمته في أجيال من الطلبة والباحثين، ممن تتلمذوا على يديه، ونهلوا من علمه، وتشربوا من قيمه. فكان حضوره في المدرج أو القاعة 13 حضورا مهيبا ومفزعا وصارما، وفي العلاقات الإنسانية حضورا دافئا حنونا، يؤنس ولا يثقل، ويرشد ويوجه دون استعلاء.

ومن بين الشهادات التي وثقت في هذا العمل التأبيني، تبرز شهادة مؤثرة أدلى بها أحد زملائه وأصدقائه المقربين، ممن جمعته بالفقيد سنوات من العمل المشترك، والتتلمذ العلمي، والوفاء الإنساني. شهادة جاءت محملة بعمق التجربة وصدق الشعور، لا تنعى الغياب بقدر ما تخلد الأثر، ولا تقف عند حدود الفقد، بل تفتح أفق الذاكرة على ما تركه الراحل من إرث علمي وقيمي سيظل حاضرا في الوجدان الجامعي، وبين شعاب وسفوح الأطلس الكبير المركزي التي وثقت لجولاته المتكررة هناك.

وتدرج هذه الشهادة، كما غيرها من الشهادات، في هذا العمل التأبيني بوصفها وثيقة وفاء، واعترافا جماعيا بفضل رجل من رجالات الجامعة المغربية، آمن بأن العلم رسالة، وبأن الأستاذية أخلاق قبل أن تكون منصبا، وبأن الأثر الصالح هو الباقي بعد انقضاء العمر.

. والكلمة جاءت على الشكل التالي:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بيده وحده مفاتيح الحياة والموت، الذي لا ينزل قضاء إلا لحكمة، ولا يقبض روحا إلا ليضمها إلى رحمته الواسعة، والصلاة والسلام على من علمنا أن الصبر مقام، وأن الفقد امتحان، وأن الرجوع إلى الله حق لا مفر منه.

أيها الحضور الكريم،

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،

يشرفني… ويعتصر قلبي وجعا لا أملك له دفعا، أن أقف بينكم اليوم في هذا المقام الثقيل، مقام الوداع، في هذا الحفل التأبيني الذي لا تقال فيه الكلمات، بل تنتزع من القلب انتزاعا. أقف وفاء لروح قامة علمية وإنسانية نادرة، لرجل لم يكن عابرا في حياتنا ولا في تاريخ هذه الكلية، للأستاذ الدكتور والعميد الفقيد سيدي محمد العاملي، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنانه.

إن فراق الأستاذ محمد العاملي ليس فراق شخص فحسب، بل هو فراق قيم كانت تمشي بيننا، فراق معنى، فراق صوت كان إذا حضر اطمأن المكان. رحل الجسد، نعم، لكن الحضور ما زال قائما… في القاعات والمدرجات، في الذاكرة، في الممرات، في الكلمات التي لا تزال عالقة فينا، وفي ذلك الفراغ الثقيل الذي لا يملؤه شيء.

أقف أمامكم اليوم والقلب مثقل، مثقل حد الانكسار، والصوت يخونه الكلام، والعين تكتم دمعة لو خرجت لأغرقت الحروف. لحظة يصعب فيها أن نصدق أن الأستاذ محمد العاملي لم يعد بيننا. لقد رحل… لكنه لم يغادر قلوبنا. ترك فراغا موجعا: فراغ الأستاذ، وفراغ الإنسان الحنون، وفراغ الأب الروحي لكثير منا.

رحل بهدوء الكبار، ومضى كما عاش: دون ضجيج، دون ادعاء وبدون وداع. سافر إلى مسقط رأسه بالرباط لا ليوارى الثرى هناك، بل ليستنشق هواء سواحله ورماله الذهبية قبل العودة إلى الأسرة الصغيرة والزملاء من الأساتذة والطلبة، لكنه وري الثرى بمقبرة الشهداء بالرباط، وهناك، في لحظة الوداع الأخيرة، تجلى أثره الإنساني والعلمي في أبهى صوره. تجمهر أصدقاؤه وزملاؤه وطلبته، جاءوا من جهة بني ملال خنيفرة ومن غيرها، قطعوا المسافات، تحدوا التعب، ليودعوا أستاذا ليس كباقي الأساتذة، أستاذا لم يكن قريبا بالمكان فقط، بل قريبا بالقلب، وبالقيمة، وبالأثر الذي لا يقاس. ترك وراءه وجعا صامتا… وجعا لا يحتاج إلى صراخ ليفهم.

عرفت الفقيد بالقاعة 13، أستاذا لي في مساري الجامعي، في الماستر ثم في الدكتوراه، وتشرفت بالتتلمذ على يديه، وكنت أعد ذلك نعمة خالصة من نعم الله. كان له علي فضل كبير؛ علمني الكثير، لا في البحث والمنهج فقط، بل في الصبر، والتواضع، وحب المعرفة، والحنان واحترام الإنسان، أيا كان موقعه أو منصبه.

وكان احترام الإنسان عند الأستاذ محمد العاملي مبدأً لا يتغير بتغير المواقع. علّمنا، قبل أن يعلمنا الدرس، أن القيمة ليست في اللقب، بل في العمل، وأن الهيبة لا تفرض، بل تكتسب. داخل القاعة 13، كان حازما صارما ومربيا في آنٍ واحد. وكان يبتسم ابتسامته المعهودة ويقول: من أراد الألقاب فليبحث عنها خارج القاعة 13، أمّا هنا فالعمل وحده هو الذي يتكلّم. بتلك الكلمات البسيطة، كان يزرع فينا معنى المساواة، ويغرس فينا كرامة العلم.

كان أستاذي… وكان أكثر من ذلك. كان صديقا وسندا وأخا وأبا روحيا. كان، رحمه الله، يسأل عن أسرتي كما لو كانت أسرته، عن ابنتي وابني بصدق الأب لا مجاملة المسؤول. ولا أنسى، ولن أنسى، ذلك الموقف الذي يوجع القلب كلما تذكرته: حين سافر إلى كندا، ورغم عناء السفر وكثرة الانشغال، عاد وفي يده هدية لابنتي… معطف شتاء. تفاصيل صغيرة؟ نعم. لكنها عنده كانت مبدأ حياة.

وكانت إنسانيته تتجلى في أبسط التفاصيل: في كل ملتقى أو ندوة، كان يفكر في الذين يعملون في صمت، في الموظفين والحراس والأعوان، ويسأل بإلحاح: احتفظ لسي بهاوي بوجبته؟ وكان يصر على إشراك الطلبة في حفلات الشاي واللقاءات العلمية، مؤمنا بأن الجامعة بيت للجميع، وأن الكرامة لا تتجزأ.

كان كثيرون يرونه صارما، لكن من اقترب منه حقا عرف رقته وحنانه، عرف قلبه الكبير الذي كان يختبئ خلف وقار المسؤول(وهي الشهادة التي جاءت على لسان كل الذين أدلوا بشهاداتهم من الأساتذة والطلبة). كان شديد الحساسية، سريع التأثر، تسبقه دمعته أحيانا إلى كلماته. صارما في الحق، نعم… لكنه لم يكن قاسيا يوما.

ولم يكن عطاؤه، رحمه الله، محصورا داخل أسوار الجامعة ولا مقيدا بجدران القاعات والمدرجات، بل كان قلبه ممتدا في الأرض كما تمتد الجذور في العمق. كان عاشقا لتراث جهة بني ملال خنيفرة عشق العارفين، لا عشق الجامعين، يرى فيه روح المكان وسر الذاكرة، ويصغي إليه كما يصغي السالك لنداء خفي يأتي من بعيد. لم يكن التراث عنده موضوعا للعرض أو الزينة، بل أمانة تحمل، ونفسا حيا يجب ألا ينقطع.

آمن بأن التراث حياة تمشي بين الناس، وأن التاريخ ذاكرة يقِظة لا تختزل في نصوص جامدة ولا تترك للنسيان. كان يرى في القصبة حكاية صبر، وفي المخزن الجماعي حكمة التشارك، وفي العادة المتوارثة ذكرى أجداد ما زالت تنبض في تفاصيل العيش اليومي. ولذلك لم يتعامل مع التراث بوصفه ماضيا يستحضر، بل حاضرا يفهم، ومستقبلا يصان.

وبفضل هذا الإيمان العميق، تحول التراث الجهوي على يديه من هامش منسي إلى مسار علمي مؤطر، ومن روايات شفوية مهددة بالضياع إلى موضوعات بحث جادة، تناقش كرسائل الماستر وأطاريح الدكتوراه. جعله مجالا للتفكير العلمي الرصين، وهوية تحفظ ولا تستنزف، وتصان ولا تستعمل. كان، رحمه الله، يرى في خدمة التراث ضربا من العبادة الصامتة، وسلوكا معرفيا يقيم فيه الباحث مقام الشاهد لا المالك، والحارس لا المستهلك.

هكذا عاش مع التراث، وهكذا رحل عنه، تاركا فيه أثر العارف الذي مر خفيفا، فأحيا ولم يفسد، ونبه دون أن يعلو، وفتح للذاكرة طريق البقاء.

واليوم… ونحن نودعه، لا نبكيه فقط، بل نفخر به. نفخر لأن الأثر الذي تركه حي، ولأن التراث الذي أحياه يشهد له، ولأن اسمه صار جزءا من ذاكرة هذه الجهة.

وإلى جانبه، كانت دائما زوجته الفاضلة الأستاذة سعاد بلحسين، رفيقة دربه في العلم والحياة، وإليها وإلى ابنه البار سي أنوار، نرفع دعاء منكسرا:

اللهم اربط على قلوبهم، واجعل هذا الفقد قربا لا انكسارا، ونورا لا ظلمة، ورضا يخفف ثقل الغياب.

رحمك الله يا أستاذي…

رحمك الله يا من علمتنا أن العلم موقف، وأن الإنسانية أعلى درجات المعرفة.

سنفتقدك كثيرا… وسنذكرك أكثر.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

عبد الكريم جلال


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق