في تطور جديد يعيد ملف المجلس الوطني للصحافة إلى الواجهة، باشرت مكونات المعارضة البرلمانية بمجلس النواب مسطرة إحالة مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة على المحكمة الدستورية، في خطوة تصفها مصادر برلمانية بـ"التصعيد القانوني والسياسي" في مواجهة ما تعتبره "تفردا تشريعيا" للحكومة في تدبير هذا الملف الحساس المرتبط بحرية الصحافة واستقلالية التنظيم الذاتي للمهنة.
وتندرج هذه الخطوة في سياق التنسيق القائم بين عدد من الفرق والمجموعات النيابية المعارضة، من ضمنها الفريق الحركي، وفريق التقدم والاشتراكية، والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية، مع إمكانية التحاق الفريق الاشتراكي–المعارضة الاتحادية، من أجل استكمال النصاب القانوني المطلوب لإحالة المشروع على المحكمة الدستورية، والمحدد في ثمانين نائبا برلمانيا على الأقل.
مرتكزات دستورية وقانونية
اعتمدت مكونات المعارضة في طلب الإحالة على مقتضيات الفصل 132 من الدستور، الذي يتيح لفرق المعارضة وأعضاء من مجلسي البرلمان اللجوء إلى المحكمة الدستورية للطعن في دستورية القوانين، وعلى أحكام القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، وكذا مقتضيات النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان ذات الصلة بمسطرة الإحالة والرقابة السابقة على القوانين.
وتعتبر المعارضة أن مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، كما تمت المصادقة عليه في المسار التشريعي، يثير تحفظات جدية من الناحية الدستورية، سواء على مستوى ضمانات استقلالية المجلس، أو من حيث التوازن بين السلط واحترام مبدأ التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة كما كرسته المقتضيات الدستورية ذات الصلة بحرية التعبير وحرية الصحافة.
خلفيات التوتر حول مشروع القانون
ملف إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة رافقته، منذ طرح مشروع القانون، حالة من التوتر السياسي والمهني، تُرجمت في مراحل سابقة بانسحاب فرق المعارضة من بعض الجلسات التشريعية المخصصة للمصادقة على النص، احتجاجا على ما تعتبره "إصرارا حكوميا" على تمرير المشروع دون التجاوب مع التعديلات الجوهرية التي تقدمت بها المعارضة وعدد من الهيئات المهنية.
كما سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن أدلى برأي استشاري حول المشروع، أكد فيه أهمية توسيع النقاش والتشاور مع مختلف المتدخلين، واقترح تعديلات تروم تعزيز مصداقية المجلس الوطني للصحافة وضمان فعاليته في القيام بأدواره في التنظيم الذاتي والوساطة والأخلاقيات، مع التنبيه إلى ضرورة معالجة المنظومة القانونية المؤطرة للصحافة بشكل منسجم ومتزامن.
رهانات استقلالية المجلس وحرية الصحافة
ترى مكونات المعارضة أن جوهر الخلاف مع المقاربة الحكومية لا يقتصر على بعض الصياغات التقنية، بل يتعلق برهانات أعمق مرتبطة بمستقبل التنظيم الذاتي للمهنة، واستقلالية المجلس الوطني للصحافة عن التأثيرات المباشرة للسلطة التنفيذية، بما يضمن تعددية حقيقية داخل هيئاته، وتمثيلية وازنة للمهنيين، وحضورًا متوازنا لمختلف الفاعلين المعنيين بالمجال الإعلامي.
وفي هذا السياق، حذرت أطراف سياسية ومهنية من أن أي تأويل تشريعي يميل نحو "إخضاع" المجلس لمنطق الضبط الإداري بدل منطق التنظيم الذاتي، قد ينعكس سلبا على منسوب الثقة في هذه المؤسسة، وعلى صورة المغرب في ما يتعلق باحترام التزاماته الدستورية والدولية في مجال حماية حرية الصحافة وحقوق الإنسان.
دلالات اللجوء إلى المحكمة الدستورية
اللجوء إلى المحكمة الدستورية في هذا الملف يكرس، بحسب فاعلين برلمانيين، الدور الرقابي للمعارضة، واستثمار الآليات التي يتيحها الدستور لضبط التوازن بين السلط، وضمان مطابقة القوانين للمبادئ الدستورية المؤطرة للعمل الإعلامي، وفي مقدمتها حرية الصحافة، واستقلالية الهيئات المكلفة بضبط القطاع وتنظيمه الذاتي.
ويرى متتبعون أن مآل هذه الإحالة سيشكل اختبارا جديدا لمدى قدرة التجربة الدستورية المغربية على تدبير الخلافات السياسية داخل المؤسسات، عبر الاحتكام إلى القضاء الدستوري كإطار محايد للفصل في مدى احترام النصوص التشريعية للمرجعيات الدستورية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقوانين تمس هيئات مستقلة وتلعب أدوارا محورية في تكريس التعددية الإعلامية والديمقراطية التشاركية.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق