زلزال 23 شتنبر ببني ملال: هكذا سقطت قلاع "البام" و"الأحرار" و"الحركة" أمام صدمة القرب لـ"البيجيدي"، وترجيحات لتحالف ثلاثي مرتقب

 زلزال 23 شتنبر ببني ملال: 

هكذا سقطت قلاع "البام" و"الأحرار" و"الحركة" أمام صدمة القرب لـ"البيجيدي"، وترجيحات لتحالف ثلاثي مرتقب


محمد المخطاري/ أطلس 24 

بني ملال — لم تكن ليلة 23 شتنبر 2026 مجرد محطة انتخابية عابرة في الأجندة السياسية للمدينة، بل مثلت "زلزالاً" هادئاً أعاد رسم الخريطة الحزبية للمجلس الجماعي على غير هدى من التوقعات التقليدية. فقد أفرزت صناديق الاقتراع مشهداً دراماتيكياً تصدره حزب العدالة والتنمية، متوجاً مساراً من الصعود على أنقاض تراجع مدوٍ لأحزاب وازنة طالما بسطت سيطرتها المطلقة على عاصمة التادلة، وفي مقدمتها حزب الأصالة والمعاصرة الذي كان يقود الأغلبية المسيرة للمجلس، إلى جانب حليفي الأمس واليوم؛ التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية.
​وفي المقابل، لم يقتصر المشهد الجديد على صدارة "البيجيدي" وحدها، بل تميز بصمود لافت لليسار؛ إذ حافظ تحالف فيدرالية اليسار على حضوره، مع بروز وظهور أكبر ومفاجئ لحزب التقدم والاشتراكية الذي حصل على 1166 صوتاً، ما يعكس تغيراً تدريجياً في خريطة التأييد السياسي داخل المدينة. وعلى وقع هذه الخريطة المتشظية، تتجه الأنظار بحذر نحو سيناريوهات تدبير الشأن المحلي، حيث تؤكد الكواليس السياسية أن التحالف المقبل قد لا يخرج عن صيغة ثلاثية تجمع بين حزب العدالة والتنمية، وتحالف فيدرالية اليسار، وحزب التقدم والاشتراكية، وهو ائتلاف محتمل إن كتب له النجاح، فسيفرز أغلبية مريحة ذات نفس يساري وإصلاحي لتدبير المرحلة المقبلة على أنقاض تدبير الأغلبية السابقة.
​فكيف سقطت قلاع هذه الأحزاب الكبرى؟ وكيف استطاع "البيجيدي" قلب الطاولة ليتحول من خانة المعارضة إلى صدارة المشهد المحلي؟
​البام: فاتورة "البرج العاجي" وعجز التدبير المؤسساتي
​لم يكن أحد ليصوّر، قبل إعلان النتائج، أن حزب الأصالة والمعاصرة (البام) ستتجرع مرارة التراجع، سيما وأنه كان يمسك بزمام رئاسة المجلس الجماعي. غير أن المفارقة الصارخة تكمن في كون "موقع القوة" انقلب إلى "نقطة ضعف قاتلة".
​فالرئاسة وحدها لا تصنع الشعبية متى انقطعت حبال الوصل بين مؤسسة المنتخب وهموم المواطن اليومية. لقد اكتفى الحزب بالاطمئنان لهياكله التنظيمية العتيدة ونفوذه المؤسساتي، متجاهلاً أن الناخب الملالي اليوم قد تجاوز منطق "الانتماء الحزبي الجاهز". وبحسب قراءات تحليلية للتحولات الانتخابية بالمدينة، فإن جزءاً كبيراً من الساكنة لم يلمس انعكاساً ملموساً ومباشراً لثمارات التدبير الجماعي على واقعه اليومي، مما خلق فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي للتدبير والواقع المعيش، ليدفع البام ثمن "الاطمئنان للموقع" غالياً في صندوق الاقتراع.
​الحركة والأحرار: نهاية صلاحية "الزعامات التقليدية"
​أما على مقربة من انهيار حصون البام، فقد تلقت قوى تقليدية أخرى عريقة في إقليم بني ملال، ممثلة في الحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار، ضربات موجعة أسفرت عن تراجع لافت في تمثيلياتها وحضورها.
​لطالما اعتمدت هذه الأحزاب على شبكات الولاء التقليدية والأعيان والامتدادات القبلية والمجالية. لكن انتخابات شتنبر 2026 جاءت لتؤشر على بلوغ هذا النموذج الانتخابي لخط النهاية. فقد عوقبت هذه التشكيلات السياسية على خلفية "جمود الحصيلة" وضعف قدرتها على تقديم أجوبة آنية ومبتكرة لانتظارات شباب وساكنة المدينة، لاسيما في ظل احتدام الأزمات الاجتماعية والاقتصادية اليومية. لقد أثبتت صناديق الاقتراع أن الإرث الانتخابي وحده لا يشفع لأصحابه إذا غابت الملاءمة مع متطلبات اللحظة السياسية.
​سر تفوق "البيجيدي": ثقافة الميدان وفلسفة القرب
​في الضفة المقابلة، لم يكن صعود حزب العدالة والتنمية وليد صدفة عابرة، بل ثمرة استثمار ذكي لمسار طويل من التواجد الميداني. فقد نجح الحزب في استثمار موقعه داخل بعض مفاصل التدبير أو من خلال منتسبيه (كقطاع البيئة والنظافة وجودة الخدمات)، في بناء جسور ثقة صلبة ومباشرة مع المواطن الملالي.
​لقد فهم "البيجيدي" جيداً أن معادلة الانتخابات الجماعية تحسمها "تفاصيل الشارع" وليس الشعارات الكبرى؛ فمن خلال التركيز على الملفات اليومية المؤثرة في حياة الساكنة والظهور كفاعل دائم الإنصات، استطاع الحزب أن يعيد تقديم نفسه كبديل سياسي قادر على الإنجاز، مستفيداً في الآن ذاته من توظيف أخطاء وهفوات الأغلبية المنتهية ولايتها.
​نحو مشهد سياسي بلا "أقطاب أبدية"
​إن قراءة متأنية لمخرجات استحقاقات 23 شتنبر 2026 ببني ملال تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن "المزاج الانتخابي" المحلي قد دخل مرحلة النضج والتقييم المستمر. فلم تعد الكتل الناخبة رهينة للولاءات العمياء أو الوعود الموسمية، بل غدا الأداء الفردي للمنتخب، والقرب الميداني، والقدرة على الإنصات الحقيقي، هي العملة الصعبة في سوق السياسة المحلية.
​الرسالة السياسية الأبرز التي أفرزتها هذه المحطة واضحة جلية: لا توجد كراسي أبدية، ولا قلاع سياسية غير قابلة للسقوط. وأي حزب يطمح لقيادة المرحلة المقبلة في بني ملال بات مطالباً اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالنزول من برجه العاجي، وإدراك أن شرعية التسيير لا تمنحها المقاعد وحدها، بل تفتكّها بثقة المواطن الملموسة في ميدان الواقع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق