مشروع قانون المالية 2027 يكشف خريطة الاستثمارات بجهة بني ملال خنيفرة.. ملايير للصحة والماء والفلاحة والطرق وسط تحديات التنمية والتفاوتات المجالية

 

مشروع قانون المالية 2027 يكشف خريطة الاستثمارات بجهة بني ملال خنيفرة.. ملايير للصحة والماء والفلاحة والطرق وسط تحديات التنمية والتفاوتات المجالية

من المركز الاستشفائي الجامعي ببني ملال إلى مشاريع السدود والتأهيل القروي بخنيفرة واستثمارات الفوسفاط بخريبكة.. الأرقام الرسمية تضع الجهة أمام اختبار تحويل الاعتمادات المالية إلى مشاريع منجزة وفرص شغل ملموسة.





أطلس 24 – بني ملال

كشفت مذكرة التوزيع الجهوي للاستثمار العمومي، المرفقة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، عن معطيات مالية واقتصادية مهمة تتعلق بجهة بني ملال خنيفرة، ترسم ملامح مجموعة من الأوراش الاستثمارية المهيكلة، تشمل قطاعات الصحة والتعليم والماء والفلاحة والبنيات التحتية والنقل والصناعة، إلى جانب برامج التأهيل الحضري والقروي.

وتبرز الوثيقة الرسمية، الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية، توجهاً نحو مواصلة إنجاز مشاريع كبرى سبق إطلاقها، بالتوازي مع برمجة استثمارات جديدة خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2029، في سياق وطني يرتقب أن يصل فيه حجم الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم خلال السنة المقبلة.

غير أن القراءة المتأنية لهذه المعطيات تطرح سؤالاً جوهرياً يتجاوز أهمية الأرقام المعلنة: إلى أي حد ستنجح هذه الاستثمارات في معالجة الاختلالات التنموية التي تعرفها جهة بني ملال خنيفرة، وتحويل إمكاناتها الفلاحية والمنجمية والسياحية والبشرية إلى ثروة وفرص شغل وتنمية متوازنة بين أقاليمها الخمسة؟

جهة بمؤهلات اقتصادية كبيرة ومؤشرات تنموية دون المتوسط الوطني

تقدم مذكرة التوزيع الجهوي للاستثمار صورة دقيقة عن الوضعية الاقتصادية والديمغرافية لجهة بني ملال خنيفرة، التي تمتد على مساحة 28.374 كيلومتراً مربعاً، بما يمثل نحو 4 في المائة من التراب الوطني.

وبحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بلغ عدد سكان الجهة حوالي 2.525 مليون نسمة، مقابل 2.52 مليون نسمة سنة 2014، بمعدل نمو ديمغرافي سنوي لا يتجاوز 0.02 في المائة، وهو مستوى أقل بكثير من المعدل الوطني البالغ 0.85 في المائة.

اقتصادياً، ساهمت الجهة بمتوسط 5.7 في المائة من الناتج الداخلي الخام الوطني خلال الفترة الممتدة من 2014 إلى 2024، محتلة المرتبة السابعة بين جهات المملكة.

أما نصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام، فقد بلغ 33.725 درهماً سنة 2024، مقابل 43.891 درهماً على المستوى الوطني، ما وضع الجهة في المرتبة التاسعة وطنياً.

ويكشف هذا الفارق، الذي يتجاوز عشرة آلاف درهم للفرد، عن محدودية مستوى الثروة المنتجة للفرد مقارنة بالمتوسط الوطني، رغم توفر الجهة على مؤهلات طبيعية واقتصادية مهمة.

وتستحوذ الخدمات على 50.2 في المائة من القيمة المضافة الجهوية، مقابل 33.8 في المائة للقطاع الثانوي، الذي يستفيد من الأنشطة المنجمية، و16 في المائة للقطاع الأولي، بما يعكس أهمية الفلاحة في البنية الاقتصادية المحلية.

وسجل معدل البطالة، وفق المفهوم الضيق المعتمد في الوثيقة، 7.9 في المائة خلال الربع الثاني من سنة 2026، فيما بلغ معدل المشاركة في القوى العاملة 40.2 في المائة.

وتعكس هذه المؤشرات ضرورة تقييم الاستثمارات ليس فقط من زاوية حجم الأموال المرصودة، وإنما أيضاً من خلال قدرتها على توسيع قاعدة الإنتاج وخلق فرص العمل وتحسين مستوى عيش المواطنين.

القطاع الصحي.. أكثر من أربعة مليارات درهم لمشاريع استشفائية كبرى ببني ملال

يبرز القطاع الصحي ضمن أهم محاور الاستثمار العمومي المبرمج بالجهة، من خلال ثلاثة مشاريع استشفائية تبلغ تكلفتها الإجمالية المعلنة حوالي 4.219 مليارات درهم.

ويأتي في مقدمتها مشروع بناء المركز الاستشفائي الجامعي ببني ملال، الذي تصل تكلفته الإجمالية إلى 2.84 مليار درهم، بطاقة استيعابية تبلغ 520 سريراً.

ووفق المذكرة، بلغت نسبة الإنجاز الميزانياتي التراكمية للمشروع 2 في المائة، فيما كانت أشغال البناء في طور الانطلاق، مع برمجة اعتمادات أداء بقيمة 300 مليون درهم سنة 2027، و1.2 مليار درهم سنة 2028، و256.37 مليون درهم سنة 2029.

ويمثل هذا المشروع رهاناً استراتيجياً بالنسبة للجهة، بالنظر إلى الدور المنتظر منه في تعزيز الخدمات الطبية المتخصصة وتقليص الحاجة إلى التنقل نحو المراكز الاستشفائية الجامعية خارج الجهة.

كما تتضمن الوثيقة مشروع إعادة بناء المركز الاستشفائي الجهوي ببني ملال، بتكلفة إجمالية تبلغ 1.264 مليار درهم، وطاقة استيعابية تصل إلى 450 سريراً.

وتشير المعطيات الرسمية إلى بلوغ نسبة تقدم الأشغال 50 في المائة، مع تخصيص 100.64 مليون درهم من اعتمادات الأداء لسنة 2027.

أما المشروع الثالث فيتعلق ببناء مستشفى للأمراض النفسية ببني ملال، بتكلفة 115 مليون درهم، وبطاقة استيعابية تبلغ 120 سريراً، وهو مشروع كان في مرحلة الدراسات، مع برمجة 20.5 مليون درهم لسنة 2027.

وتطرح هذه المشاريع مجتمعة تحدياً أساسياً يرتبط بضمان التكامل بين البنيات الاستشفائية الجديدة وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات الطبية اللازمة لتشغيلها، حتى لا تتحول الاستثمارات العقارية والتجهيزية إلى مؤسسات تواجه صعوبات في تقديم الخدمات المنتظرة.

الفقيه بن صالح.. مستشفى إقليمي منجز ومشاريع جديدة لتعزيز الخدمات

على مستوى إقليم الفقيه بن صالح، تدرج المذكرة مشروع بناء المركز الاستشفائي الإقليمي ضمن أهم المشاريع المنجزة برسم سنة 2025، بتكلفة إجمالية بلغت 460 مليون درهم، وطاقة استيعابية تصل إلى 250 سريراً.

ويشكل هذا المشروع إضافة مهمة للبنية الصحية بالإقليم، الذي يعرف توسعاً عمرانياً وتحولات ديمغرافية واقتصادية تستدعي تعزيز العرض الصحي وتقريب الخدمات الطبية من المواطنين.

غير أن تقييم الأثر الحقيقي لهذا الاستثمار يقتضي الوقوف على مستوى تشغيل المؤسسة، وتوفرها على الأطر الطبية والتمريضية، وحجم الخدمات التي تقدمها للساكنة، خصوصاً بالمناطق القروية التابعة للإقليم.

كما تبرز الوثيقة مشروع بناء المركب الديني والثقافي بالفقيه بن صالح، بتكلفة إجمالية تبلغ 93.07 مليون درهم، ونسبة تقدم مادي وصلت إلى 34 في المائة وفق المعطيات المعتمدة إلى نهاية يونيو 2026.

وفي قطاع الطرق، تمت برمجة صيانة 12 كيلومتراً من الطريق الوطنية رقم 25 بإقليم الفقيه بن صالح، بكلفة 52 مليون درهم، منها 12.6 مليون درهم كاعتمادات أداء لسنة 2027.

الأمن المائي.. استثمارات بالمليارات لمواجهة الجفاف وحماية النشاط الفلاحي

يحظى قطاع الماء بمكانة بارزة ضمن المشاريع الاستثمارية المهيكلة بجهة بني ملال خنيفرة، في ظل التحديات المرتبطة بتراجع الموارد المائية وتوالي سنوات الجفاف وتأثيراتها على النشاط الفلاحي.

وتكشف الوثيقة عن مشروع بناء سد تاغزيرت، بتكلفة إجمالية تبلغ 1.363 مليار درهم، وسعة تخزينية عادية تصل إلى 85 مليون متر مكعب.

وقد بلغت نسبة الإنجاز المادي التراكمية لهذا المشروع 12 في المائة، مقابل 5.8 في المائة كنسبة إنجاز ميزانياتي، مع برمجة 398.5 مليون درهم من اعتمادات الأداء خلال سنة 2027.

أما المشروع الثاني فيتعلق ببناء سد على واد الأخضر، بتكلفة إجمالية تبلغ 1.462 مليار درهم، وسعة تخزينية عادية تصل إلى 150 مليون متر مكعب.

وتشير المعطيات إلى تقدم الأشغال بنسبة 90 في المائة، مقابل نسبة إنجاز ميزانياتي بلغت 59 في المائة، مع تخصيص 232.6 مليون درهم لسنة 2027.

وبذلك تتجاوز التكلفة الإجمالية للمشروعين 2.82 مليار درهم، وهو استثمار مهم بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه المنشآت المائية في تعبئة الموارد المائية وتحسين قدرة الجهة على مواجهة فترات الجفاف.

غير أن فعالية هذه الاستثمارات تظل مرتبطة أيضاً بتدبير الطلب على الماء، وتحديث شبكات التوزيع والسقي، وتقليص الضياع، وحماية الموارد المائية من الاستنزاف.

خنيفرة.. 904 ملايين درهم للتنمية القروية وتربية الماشية

من أبرز المشاريع الجديدة التي تكشف عنها مذكرة التوزيع الجهوي للاستثمار مشروع التنمية القروية المندمجة لتربية الماشية بإقليم خنيفرة، بتكلفة إجمالية تبلغ 904 ملايين درهم.

وقد تمت برمجة اعتمادات أداء بقيمة 381.99 مليون درهم سنة 2027، و287.84 مليون درهم سنة 2028، و55.31 مليون درهم سنة 2029.

ويهدف المشروع، وفق الوثيقة، إلى اعتماد مناهج إنتاجية أكثر قدرة على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية، وتعزيز التثمين الاقتصادي للمنتجات، وتحسين الولوج إلى الأسواق، وتطوير البنيات التحتية الملائمة.

وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنسبة للمجالات القروية والجبلية بإقليم خنيفرة، حيث تمثل تربية الماشية نشاطاً اقتصادياً أساسياً لفئات واسعة من السكان.

لكن نجاح المشروع يظل رهيناً بمدى وصول الاستثمارات إلى المربين الصغار، وتحسين سلاسل الإنتاج والتسويق، وتوفير شروط الاستدامة الاقتصادية والبيئية.

كما تتضمن المشاريع الجديدة تثنية الطريق الجهوية رقم 710 بين خنيفرة وبجعد، على طول 11 كيلومتراً، بتكلفة إجمالية تبلغ 220 مليون درهم، منها 20 مليون درهم مبرمجة لسنة 2027.

ومن شأن هذا المشروع، عند إنجازه، أن يساهم في تحسين الربط الطرقي وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع بين المجالات الترابية المعنية.

خريبكة.. استثمارات الفوسفاط تطرح سؤال الأثر الاقتصادي المحلي

يحظى القطاع المنجمي بمكانة مركزية في الاقتصاد الجهوي، خصوصاً بإقليم خريبكة، الذي يشكل أحد أبرز المجالات المرتبطة بإنتاج الفوسفاط بالمملكة.

وتكشف مذكرة الاستثمار عن برامج مهمة للمكتب الشريف للفوسفاط، تشمل الرفع من القدرات المنجمية بتكلفة إجمالية تبلغ 9.95 مليارات درهم، مع برمجة اعتمادات أداء بقيمة 1.069 مليار درهم خلال سنة 2027.

كما تشمل برامج الطاقة الكهربائية استثمارات بتكلفة 1.86 مليار درهم، منها 612.6 مليون درهم برسم سنة 2027، إضافة إلى برامج الماء بتكلفة 2.11 مليارات درهم، منها 41.29 مليون درهم خلال السنة نفسها.

وتعكس هذه الأرقام أهمية الاستثمارات الصناعية والمنجمية في البنية الاقتصادية للجهة، لكنها تفتح في المقابل نقاشاً حول نصيب الاقتصاد المحلي من القيمة المضافة التي تنتجها الأنشطة الاستخراجية.

فالمطلوب، من منظور التنمية الترابية، لا يقتصر على توسيع القدرات الإنتاجية، بل يمتد إلى تعزيز فرص التشغيل المحلي، وتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتطوير الخدمات المرتبطة بالصناعة، وتحسين الأثر البيئي والاجتماعي للاستثمارات.

وتبرز هنا ضرورة التمييز بين الاستثمار المنجمي الموجه إلى توسيع الإنتاج وبين الاستثمارات الاجتماعية والترابية التي يستفيد منها السكان بصورة مباشرة.

الماء الصالح للشرب.. مشاريع تستهدف مريرت والفقيه بن صالح وخريبكة

تتضمن استثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية مشاريع مهمة لتأمين التزود بالماء الصالح للشرب.

ففي مريرت والمناطق المجاورة، يبرز مشروع بتكلفة إجمالية تبلغ 165 مليون درهم، منها 46 مليون درهم كاعتمادات أداء لسنة 2027، بهدف تعزيز وتأمين التزويد بالماء وتحسين جودته.

كما تشمل الاستثمارات مشروع توسيع محطة إزالة المعادن بالمغرب الأوسط، بتكلفة 140 مليون درهم، منها 60 مليون درهم مبرمجة لسنة 2027، لفائدة مجالات ترابية تشمل إقليم خريبكة وأجزاء من إقليمي بني ملال وسطات.

أما إقليم الفقيه بن صالح، فيستفيد من مشروع تبلغ تكلفته الإجمالية 605 ملايين درهم، مع برمجة 60 مليون درهم خلال سنة 2027.

ويستهدف هذا المشروع مدينة الفقيه بن صالح ومجموعة من الجماعات والمراكز، من بينها برادية والخلفية وأهل مربع وكريفات وبني شكدال وبني وكيل وأولاد زمام وسيدي عيسى بن علي.

وتبرز أهمية هذه المشاريع في ارتباطها المباشر بحاجيات المواطنين اليومية، خصوصاً في المجالات القروية التي تواجه تحديات مرتبطة باستقرار التزويد بالماء الصالح للشرب.

بني ملال.. سوق للجملة ومنطقة لوجستية لدعم الاقتصاد المحلي

تسجل الوثيقة مشروع سوق الجملة ببني ملال ضمن المشاريع قيد الإنجاز، بتكلفة إجمالية تبلغ 250 مليون درهم.

وتشير المعطيات إلى أن العقار كان قيد الاقتناء، مع برمجة اعتمادات أداء بقيمة 30 مليون درهم سنة 2027، ومبالغ مماثلة خلال سنتي 2028 و2029.

ويهدف المشروع إلى تحسين جودة المنتجات والخدمات المقدمة للمستهلكين، وهو ما يجعله من الأوراش الاقتصادية المرتبطة بتنظيم تسويق المنتجات الفلاحية وتحسين شروط التوزيع.

كما تتضمن الوثيقة مشروع إنجاز وتنمية المنطقة اللوجستية ببني ملال، بتكلفة إجمالية تبلغ 50 مليون درهم، مع برمجة 25 مليون درهم سنة 2027.

ويستهدف المشروع تعزيز القدرات اللوجستية للجهة وتحسين انسيابية تبادل البضائع.

وتبرز أهمية هذين المشروعين في ارتباطهما المباشر بالنشاط الفلاحي والتجاري، غير أن مردوديتهما الاقتصادية ستظل مرتبطة بجودة التدبير، واستقطاب الفاعلين الاقتصاديين، وربط البنيات الجديدة بشبكات النقل والأسواق ومراكز الإنتاج.

التعليم.. مؤسسات جديدة وتأهيل المدارس وتوسيع العرض الجامعي

يحضر قطاع التعليم ضمن المشاريع الاستثمارية المبرمجة بجهة بني ملال خنيفرة، سواء من خلال مواصلة إنجاز مؤسسات تعليمية أو إطلاق برامج جديدة للتأهيل والتوسعة.

وتشير المذكرة إلى مشروع بناء 33 مؤسسة تعليمية، بتكلفة إجمالية تبلغ 312.61 مليون درهم، ضمن المشاريع قيد الإنجاز.

كما تتضمن المشاريع الجديدة برمجة بناء مؤسسات تعليمية بتكلفة 252 مليون درهم، تشمل مدرسة ابتدائية واحدة، وثماني مدارس جماعاتية، وست إعداديات، وست ثانويات تأهيلية، وثلاث داخليات.

وفي مجال التأهيل، رُصدت تكلفة إجمالية تبلغ 241.1 مليون درهم لبرنامج يستهدف، على الخصوص، 176 مدرسة رائدة و77 إعدادية رائدة.

كما تشمل البرمجة توسيع المؤسسات التعليمية وإحداث 232 قاعة دراسية جديدة بتكلفة 58 مليون درهم.

وعلى مستوى التعليم العالي، تبرز كلية الطب والصيدلة ببني ملال، بتكلفة إجمالية تبلغ 449 مليون درهم، وطاقة استيعابية مقدرة بـ4.500 مقعد.

ويمثل هذا المشروع عنصراً أساسياً في بناء منظومة صحية وجامعية متكاملة، خصوصاً في ارتباطه بالمركز الاستشفائي الجامعي الجديد.

لكن الرهان الحقيقي يتمثل في توفير التأطير البيداغوجي والعلمي، وضمان تكامل التكوين الطبي مع الخدمات الاستشفائية، إلى جانب تحسين ظروف التمدرس بالمناطق القروية والجبلية التي تعاني صعوبات الولوج إلى المؤسسات التعليمية.

استثمارات ثقافية وترابية بقيمة 2.7 مليار درهم.. ما طبيعة المشاريع المستهدفة؟

من الأرقام اللافتة في الوثيقة إدراج مشروع تحت مسمى «التهيئة الترابية لجهة بني ملال خنيفرة»، ضمن قطاع الثقافة، بتكلفة إجمالية تبلغ 2.7 مليار درهم.

وتوضح المذكرة أن المشروع يستهدف إعادة تأهيل وتعزيز البنيات التحتية الثقافية والترفيهية بالجهة، مع برمجة 50 مليون درهم سنة 2027، و50 مليون درهم سنة 2028، و100 مليون درهم سنة 2029.

ويثير هذا المشروع اهتماماً خاصاً بالنظر إلى حجم تكلفته الإجمالية، مقارنة بالاعتمادات المبرمجة خلال السنوات الثلاث المذكورة.

غير أن الوثيقة لا تقدم، ضمن هذا الجدول، توزيعاً مفصلاً للمشاريع الثقافية المستهدفة حسب الأقاليم والجماعات، ولا تحدد طبيعة جميع المنشآت التي يشملها الغلاف المالي.

وهو ما يجعل من الضروري توضيح مكونات البرنامج، والجهات المشرفة على تنفيذه، ومصادر تمويله، والجدولة الزمنية المرتبطة به، حتى يتسنى تقييم أثره على البنية الثقافية والترفيهية بالجهة.

كما تتضمن المشاريع الجديدة إحداث منتزه إيكولوجي وترفيهي ببني ملال، بتكلفة إجمالية تبلغ 8 ملايين درهم، إلى جانب بناء مقر المجلس الجهوي للحسابات بتكلفة 139.18 مليون درهم.

أزيلال.. الحاجة إلى قراءة أدق للعدالة المجالية في توزيع الاستثمارات

رغم حضور جهة بني ملال خنيفرة في عدد من البرامج الاستثمارية الكبرى، فإن قراءة توزيع المشاريع المسماة في المذكرة تبرز ضرورة الاهتمام بحصة إقليم أزيلال من الاستثمارات العمومية.

فالإقليم، الذي يتميز باتساع مجاله الجبلي وتعدد جماعاته القروية، يواجه تحديات مرتبطة بفك العزلة وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية وتأمين الماء وتثمين المؤهلات السياحية والفلاحية.

وتشير الوثيقة إلى استفادة أزيلال، إلى جانب بني ملال وخنيفرة وخريبكة، من برنامج تأهيل وترميم خمسة مساجد، بتكلفة إجمالية تبلغ 28.2 مليون درهم.

غير أن المعطيات الواردة في الفصل الجهوي لا تسمح وحدها باستخلاص الحصة الإجمالية الدقيقة المخصصة لإقليم أزيلال من مختلف البرامج القطاعية.

ولا يعني غياب التفصيل الإقليمي في بعض البرامج غياب الاستثمار، لكنه يبرز الحاجة إلى نشر معطيات أكثر دقة حول توزيع الاعتمادات والمشاريع بين الأقاليم الخمسة.

وتزداد أهمية هذا المطلب بالنظر إلى خصوصية المناطق الجبلية، حيث ترتفع تكاليف إنجاز البنيات التحتية وتتطلب الخدمات الأساسية حلولاً ملائمة لطبيعة المجال الترابي.

بين المشاريع المنجزة والمبرمجة.. ضرورة قراءة الأرقام دون تضخيم

تكشف مذكرة التوزيع الجهوي للاستثمار عن أربعة مستويات مختلفة من المعطيات المالية، ينبغي عدم الخلط بينها عند تقييم المجهود الاستثماري العمومي.

فالمشاريع المنجزة برسم سنة 2025 تمثل حصيلة سابقة، بينما تعكس المشاريع قيد الإنجاز أوراشاً انطلقت في فترات متفاوتة وما زالت تحتاج إلى استكمال الأشغال والتمويل.

أما المشاريع الجديدة، فتندرج ضمن البرمجة الميزانياتية للفترة الممتدة من 2027 إلى 2029، في حين تتعلق الفئة الرابعة باستثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية التي تخضع لميزانيات وبرامج خاصة.

كما أن التكلفة الإجمالية للمشروع لا تعادل بالضرورة المبلغ المخصص له خلال سنة 2027، وهو تمييز أساسي لتجنب تضخيم حجم الاستثمارات السنوية.

وتشير المذكرة أيضاً إلى أن نسب الإنجاز المادي والميزانياتي للمشاريع قيد التنفيذ تغطي الفترة الممتدة من انطلاق المشاريع إلى غاية 30 يونيو 2026، وبالتالي فهي لا تمثل بالضرورة وضعية تقدم الأشغال في أكتوبر من السنة نفسها.

ومن جهة أخرى، تشمل بعض المشاريع ذات الطابع الجهوي أو الوطني مجالات ترابية متعددة، ما يستدعي الحذر عند احتسابها ضمن الاستثمارات الحصرية لجهة بني ملال خنيفرة.

قراءة أطلس 24: هل تتحول المليارات إلى تنمية فعلية؟

تؤكد الأرقام الواردة في الوثيقة الرسمية أن جهة بني ملال خنيفرة مقبلة على مرحلة مهمة من الاستثمار العمومي، تتقاطع فيها مشاريع صحية وجامعية ومائية وفلاحية وطرقية وصناعية.

لكن أهمية هذه المشاريع لا ينبغي أن تحجب الإشكالات البنيوية التي تواجه الاقتصاد الجهوي، وفي مقدمتها ضعف نصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام مقارنة بالمتوسط الوطني، ومحدودية تثمين بعض الموارد المحلية، والتفاوت في الولوج إلى الخدمات الأساسية بين المراكز الحضرية والمناطق القروية والجبلية.

فبناء مركز استشفائي جامعي لا يحقق أثره المنتظر دون أطباء وممرضين وتجهيزات وخدمات متخصصة، كما أن تشييد السدود لا يكفي وحده لضمان الأمن المائي دون تدبير عقلاني للموارد وتحديث شبكات السقي.

وبالمثل، فإن توسيع الاستثمار المنجمي لا ينعكس تلقائياً على مستوى التشغيل والتنمية المحلية ما لم تصاحبه سياسات لتطوير النسيج المقاولاتي وخلق القيمة المضافة داخل الجهة.

أما المشاريع الطرقية واللوجستية، فإن مردوديتها تظل مرتبطة بقدرتها على تحسين الربط بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، وتيسير المبادلات التجارية، ورفع جاذبية المجالات الترابية للاستثمار.

وتبرز هنا مسؤولية مختلف المتدخلين، من قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية ومجالس منتخبة وسلطات ترابية، في ضمان التنسيق بين البرامج وتفادي تشتت الاستثمارات وضعف التقائية المشاريع.

كما يظل نشر نسب تقدم الأشغال، والكلفة النهائية للمشاريع، وآجال إنجازها، ومؤشرات أثرها الاقتصادي والاجتماعي، شرطاً أساسياً لتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

الخلاصة.. جهة أمام فرصة تنموية واختبار حقيقي للإنجاز

إن القراءة الاقتصادية والجهوية لمذكرة التوزيع الجهوي للاستثمار العمومي المرفقة بمشروع قانون المالية لسنة 2027 تكشف عن وجود مشاريع مهيكلة قادرة، في حال إنجازها وتشغيلها بكفاءة، على تحسين البنيات التحتية والخدمات الأساسية بجهة بني ملال خنيفرة.

غير أن التحدي الأساسي لا يكمن في الإعلان عن المليارات، بل في تحويل هذه الاعتمادات إلى منشآت منجزة ومرافق فعالة وفرص شغل مستدامة وتحسن ملموس في ظروف عيش المواطنين.

وبين بني ملال وأزيلال وخنيفرة وخريبكة والفقيه بن صالح، تظل العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات، وسرعة الإنجاز، ونجاعة التدبير، ووضوح الأولويات، محددات أساسية للحكم على نجاح السياسة الاستثمارية العمومية.

فهل تنجح مشاريع 2027 في إحداث تحول اقتصادي واجتماعي حقيقي بجهة بني ملال خنيفرة، أم ستظل الفجوة قائمة بين حجم الاستثمارات المعلنة وحصيلة التنمية على أرض الواقع؟

سؤال تضعه «أطلس 24» في صلب متابعتها للملف، انطلاقاً من حق المواطنين في معرفة مصير الاستثمارات العمومية، ومدى انعكاسها على التنمية والعدالة المجالية.

المصدر: وزارة الاقتصاد والمالية، «مذكرة حول التوزيع الجهوي للاستثمار» المرفقة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، الصفحات المرقمة 29 إلى 34، الخاصة بجهة بني ملال خنيفرة. جميع المبالغ المذكورة هي معطيات واردة في الوثيقة، مع التمييز بين التكاليف الإجمالية واعتمادات الأداء السنوية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق