أحمد بيضي/ أطلس 24
في مبادرتين ترافعيتين متزامنتين ومستقلتين، أعلنت "المنظمة المغربية لحقوق الإنسان" و"مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية" عن تقديم مذكرتين بشأن تعزيز حضور حقوق الإنسان في البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، الموجه إلى رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، بهدف جعل الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والمجالية مرتكزات أساسية في الاختيارات العمومية، وربط الالتزامات الحكومية بنتائج ملموسة وقابلة للقياس والتقييم، تنعكس على حياة المواطنات والمواطنين.
وتأتي هذه المبادرتان في سياق النقاش حول أولويات المرحلة الحكومية المقبلة، انطلاقا من قناعة الهيئتين بأن نجاح السياسات العمومية لا ينبغي أن يقاس فقط بمعدلات النمو الاقتصادي أو بحجم المشاريع المنجزة، وإنما أيضا بمدى ضمان التمتع الفعلي بالحقوق، وتحسين شروط العيش، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص والثقة في المؤسسات.
وتؤكد المذكرتان ضرورة الانتقال من التركيز على النصوص والالتزامات والبرامج المعلنة إلى تقييم نتائج السياسات العمومية وأثرها على الحياة اليومية، من خلال تعهدات حكومية واضحة ومحددة زمنيا، مدعومة بمؤشرات قابلة للقياس، ومنسجمة مع دستور 2011 والالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان.
حقوق الإنسان في صلب الاختيارات العمومية
تقترح "المنظمة المغربية لحقوق الإنسان" تأطير البرنامج الحكومي بمبادئ تشمل مركزية حقوق الإنسان في السياسات العمومية، وكونية الحقوق وعدم قابليتها للتجزئة، والمساواة وعدم التمييز، وصون الكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية والمجالية والمناخية، والديمقراطية التشاركية، والشفافية والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب التدبير المرتكز على الفعلية وقياس الأثر، ومبدأ عدم ترك أحد خلف الركب.
وفي الاتجاه نفسه، يدعو "مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية" إلى اعتماد مقاربة عرضانية تجعل حقوق الإنسان حاضرة في مختلف السياسات والقطاعات، بدل التعامل معها باعتبارها محورا قطاعيا مستقلا، مع تجاوز المقاربات المنفصلة نحو رؤية متكاملة تربط بين إعمال الحقوق وتعزيز المسار الديمقراطي وتطوير الحكامة وتحسين أداء المؤسسات.
ويستند المركز، في مقترحاته، إلى تجربة تمتد لأزيد من عشرين سنة في مجالات حقوق الإنسان والديمقراطية والحكامة والعدالة الانتقالية والحكامة الأمنية والهجرة وقضايا الشباب والحركات الاجتماعية والعلاقة بين المقاولة وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، كما يؤكد أهمية تحليل التحولات المجتمعية وتشجيع الحوار بين المؤسسات والفاعلين المدنيين والباحثين، وصياغة مقترحات عملية تسهم في تطوير السياسات العمومية.
وتستحضر مذكرة المركز المكتسبات التي راكمها المغرب خلال العقود الماضية على المستويات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية، وما شهدته هذه المرحلة من إصلاحات ومبادرات في مجالات الحماية الاجتماعية وحقوق النساء ومشاركة الشباب، فضلا عن تعزيز التعاون مع المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وفي المقابل، تسجل استمرار تحديات مرتبطة بالفوارق الاجتماعية والمجالية، وصعوبات الولوج إلى التعليم والصحة والشغل والسكن والخدمات الأساسية، إلى جانب قضايا المساواة الفعلية وحماية الحريات وتعزيز مشاركة الشباب وتوطيد الثقة في المؤسسات.
أولويات اجتماعية وحقوقية متعددة
تتوزع المقترحات الواردة في المذكرتين على عدد من المجالات الأساسية، في مقدمتها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، من خلال تحسين الولوج المنصف والجيد إلى التعليم والتكوين والبحث العلمي والصحة والسكن والشغل والحماية الاجتماعية، وتعزيز العمل اللائق والإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، إلى جانب حماية الموارد الطبيعية والاستجابة لتحديات ندرة المياه والتغيرات المناخية.
وتشدد الهيئتان على ضرورة تعزيز المساواة الفعلية بين النساء والرجال، ومناهضة التمييز والعنف، وتوسيع المشاركة الاقتصادية والسياسية للنساء، وضمان الحماية والإنصاف والولوج إلى العدالة بالنسبة للضحايا، وفي هذا السياق، يقترح "مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية" مواصلة مراجعة مدونة الأسرة في اتجاه تعزيز المساواة وحماية الحقوق، وتطوير الميزانية المستجيبة للنوع الاجتماعي، وتحسين المعطيات الضرورية لتقييم أثر السياسات العمومية على المساواة بين الجنسين.
وفي ما يتعلق بالشباب، تدعو المذكرة إلى جعلهم فاعلا أساسيا في التحول الديمقراطي والاجتماعي، من خلال إرساء قنوات منتظمة للحوار معهم، وإشراكهم في إعداد السياسات والبرامج التي تعنيهم وتقييمها، ودعم مبادراتهم الجمعوية والثقافية والرياضية، وتعزيز التربية على حقوق الإنسان والمواطنة والمشاركة الديمقراطية، مع مراعاة تنوع أوضاعهم واختلاف احتياجاتهم والفوارق الاجتماعية والمجالية التي تؤثر في فرصهم.
كما تشمل الأولويات المقترحة من طرف الهيئتين ضمان حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، والمهاجرين واللاجئين، وصون التنوع اللغوي والثقافي ومواصلة إعمال الطابع الرسمي للأمازيغية، إلى جانب تعزيز الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وحماية حرية التعبير والتجمع وتأسيس الجمعيات، وصون الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية في السياق الرقمي.
وتولي المقترحات بالتالي أهمية خاصة لتعزيز الحقوق البيئية والعدالة المناخية، من خلال حماية الموارد الطبيعية، ومواجهة التحديات المرتبطة بالماء والتغيرات المناخية، وإدماج البعد البيئي في السياسات التنموية، بما يضمن استدامة الموارد والإنصاف في الاستفادة منها.
وفي المجال الاقتصادي، يدعو المركز إلى تشجيع الممارسات الاقتصادية المسؤولة، وتعزيز احترام المقاولات لحقوق الإنسان، وربط التنمية الاقتصادية بمبادئ العمل اللائق والإدماج الاجتماعي واحترام الحقوق الأساسية، بما يجعل الفاعلين الاقتصاديين جزء من الجهود الرامية إلى تحقيق تنمية مستدامة ومنصفة.
دولة القانون وإصلاح العدالة وتعزيز الحريات
على مستوى الحقوق والحريات، تدعو المذكرتان إلى مواصلة الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية وتعزيز دولة القانون وضمانات الحقوق الأساسية، مع تقوية حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، ومواصلة إصلاح منظومة العدالة الجنائية، وتحسين ظروف الاحتجاز، وتعزيز الوقاية من التعذيب، وترسيخ احترام حقوق الإنسان في الممارسات الأمنية.
كما تشدد المقترحات على ضرورة تعزيز ضمانات حرية التعبير والتجمع وتأسيس الجمعيات، وحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية، ومواصلة إصلاح المؤسسات والآليات المرتبطة بحماية الحقوق والحريات.
وتؤكد "المنظمة المغربية لحقوق الإنسان" أهمية استكمال البناء الدستوري وتفعيل مؤسسات وهيئات الحكامة، بما يعزز دورها في حماية الحقوق والنهوض بها، فيما يدعو "مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية" إلى تعزيز أدوار الوساطة المؤسساتية والمجتمعية، وتطوير آليات الحوار بين المؤسسات والمجتمع المدني، بما يسهم في معالجة التوترات الاجتماعية وتقوية الثقة في المؤسسات.
وفي مجال الهجرة، يدعو المركز إلى اعتماد مقاربة متكاملة تراعي متطلبات الأمن وتدبير الحدود، دون إغفال حماية حقوق المهاجرين واللاجئين وصون كرامتهم الإنسانية، بما يضمن التوفيق بين متطلبات التدبير واحترام الالتزامات الحقوقية.
ملاءمة التشريعات والوفاء بالالتزامات الدولية
على المستوى التشريعي والمؤسساتي، تدعو "المنظمة المغربية لحقوق الإنسان" إلى مواصلة ملاءمة التشريعات الوطنية مع الدستور والاتفاقيات الدولية، واعتماد تقييم الأثر الحقوقي لمشاريع القوانين، وإدماج مقاربة حقوق الإنسان في الميزانية العمومية، إلى جانب إعداد خطة وطنية لتنفيذ التوصيات الصادرة عن الآليات الأممية المعنية بحقوق الإنسان، مع إشراك المؤسسات الدستورية والمجتمع المدني في التتبع والتقييم.
وفي السياق ذاته، تطالب المنظمة بالمصادقة على عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية، من بينها البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والبروتوكول الاختياري الثالث لاتفاقية حقوق الطفل المتعلق بإجراء تقديم البلاغات، والبروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام، فضلا عن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 189 ورقم 190.
وتندرج هذه المطالب ضمن دعوة أوسع إلى تعزيز الانسجام بين المنظومة التشريعية الوطنية والالتزامات الدولية للمغرب، وترجمة التعهدات الحقوقية إلى سياسات وإجراءات عملية، بما يضمن تجاوز الفجوة بين الاعتراف القانوني بالحقوق وشروط ممارستها الفعلية.
الحكامة والشفافية والتقييم والمساءلة
تتقاطع مقترحات الهيئتين حول ضرورة تعزيز الحكامة الديمقراطية ومحاربة الفساد، وتكريس الشفافية والحق في الحصول على المعلومات، وتوسيع المشاركة المواطنة وإشراك المجتمع المدني في إعداد السياسات العمومية وتتبعها وتقييمها، مع تطوير آليات التنسيق بين القطاعات والمؤسسات المعنية.
وتدعو "المنظمة المغربية لحقوق الإنسان" إلى نشر تقارير دورية بشأن تنفيذ البرنامج الحكومي، وإشراك الفاعلين المدنيين في تقييم نتائجه، فيما يشدد المركز على إرساء آليات منتظمة للتتبع والتقييم والتصحيح، واعتماد مؤشرات واضحة لقياس مدى تحقق الأهداف والانعكاسات الفعلية للتدابير الحكومية على التمتع بالحقوق والحريات.
كما تبرز المذكرتان أهمية اعتماد معطيات دقيقة تسمح بتقييم أثر السياسات العمومية، ولا سيما في مجالات المساواة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية والولوج إلى الخدمات الأساسية، مع تعزيز المساءلة عن النتائج المحققة، وليس الاكتفاء بالإعلان عن البرامج والتدابير المقررة.
وتؤكد الهيئتان، في المحصلة، أن تعزيز مكانة حقوق الإنسان في البرنامج الحكومي 2026-2031 لا يتعلق بإضافة محور قطاعي جديد، بل باعتماد مقاربة متكاملة تجعل احترام الحقوق والنهوض بها معيارا موجها لتصميم السياسات العمومية وتنفيذها وتقييمها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق