دينامية الطريق الرابع تدعو الحكومة إلى تعزيز الإنصاف الترابي وملاءمة التشريعات مع الدستور والالتزامات الدولية



أحمد بيضي – أطلس 24

وجهت «دينامية الطريق الرابع» مذكرة ترافعية إلى رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، بشأن البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، دعت من خلالها إلى الانتقال من إعلان النوايا والتوجهات العامة إلى اعتماد سياسات عمومية ملموسة، تقوم على الإنصاف الاجتماعي والمجالي، وتعزيز دولة الحق والقانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن استفادة مختلف جهات المملكة وفئات المجتمع من ثمار التنمية.

وسجلت الدينامية، في مذكرتها، وجود نقاط تقاطع بين عدد من مقترحاتها والتوجهات التي تضمنها البرنامج الحكومي، خصوصاً في مجالات تنويع الاقتصاد، والجهوية المتقدمة، وإصلاح منظومتي التعليم والصحة، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي، فضلاً عن محاربة الفساد والريع.

غير أنها شددت على أن نجاح هذه الأوراش يظل رهيناً بمدى قدرة الحكومة على تحويل التزاماتها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والقياس والتقييم، مع مراعاة التفاوتات الاجتماعية والمجالية التي ما تزال تحد من تكافؤ الفرص بين المواطنين.

واستهلت الدينامية مذكرتها بتهنئة رئيسة الحكومة بمناسبة تعيينها من طرف الملك محمد السادس، معربة عن متمنياتها لها بالتوفيق في مهامها.

وذكّرت بأنها سبق أن وجهت مذكرة ترافعية إلى الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات التشريعية لشهر شتنبر 2026، وعقدت لقاءات مباشرة مع قيادات عدد منها، بهدف إدراج مقترحاتها ضمن البرامج الانتخابية.

واعتبرت أن البرنامج الحكومي، الذي قدم أمام مجلسي البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، تضمن عدداً من التوجهات التي تنسجم مع توصياتها، لكنها أكدت ضرورة إرفاق هذه التوجهات بآليات تنفيذ واضحة ومؤشرات دقيقة لقياس النتائج.

احتل موضوع الجهوية المتقدمة مكانة بارزة ضمن المذكرة، حيث اعتبرت الدينامية أن الرفع من التحويلات المالية المخصصة للجهات، على أهميته، لا يكفي بمفرده لتقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية ترابية متوازنة.

ودعت إلى تسريع نقل الاختصاصات إلى الجهات، وتعزيز استقلاليتها في تحديد أولوياتها التنموية، وتمكينها من الموارد البشرية المؤهلة والوسائل الضرورية لممارسة صلاحياتها، إلى جانب تطوير آليات الحكامة والمساءلة المحلية.

كما طالبت باعتماد مؤشرات كمية ونوعية تسمح بقياس تطور الفوارق بين الجهات، وبين المناطق الحضرية والقروية، بما يتيح تقييم الأثر الحقيقي للاستثمارات والسياسات العمومية على حياة المواطنين.

وتكتسي هذه المطالب أهمية خاصة بالنسبة للجهات التي تعرف تفاوتات تنموية بين مراكزها الحضرية ومجالاتها القروية والجبلية، ومن بينها جهة بني ملال خنيفرة، حيث يظل تعزيز الولوج إلى الخدمات الأساسية، وفك العزلة، وتحسين فرص الاستثمار والتشغيل، من أبرز التحديات المطروحة.

وفي الشق الاقتصادي، شددت الدينامية على ضرورة بناء اقتصاد وطني منتج ومتنوع، قادر على خلق فرص شغل مستدامة وتوزيع القيمة المضافة بصورة أكثر إنصافاً.

ودعت إلى اعتماد مؤشرات واضحة لقياس تطور الصناعات ذات القيمة المضافة، وتعزيز الاستثمار في البحث العلمي والابتكار، وربط السياسات الاقتصادية بحاجيات سوق الشغل ومؤهلات الجهات.

كما أكدت أهمية إعادة الاعتبار للعمل اليدوي والمهن الإنتاجية، وإدماج محاربة اقتصاد الريع ضمن الإصلاحات الاقتصادية، بما يعزز المنافسة العادلة ويفتح المجال أمام المبادرات المقاولاتية والاستثمارات المنتجة.

وفي محور الحقوق والحريات، طالبت «دينامية الطريق الرابع» بملاءمة التشريعات الوطنية مع أحكام الدستور والالتزامات الدولية للمغرب، ومع التوجهات الواردة في خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وشملت مطالبها تحيين الإطار القانوني المنظم للجمعيات، ومراجعة التشريعات المتعلقة بالتجمعات والتظاهر السلمي، ومشروع القانون الجنائي، بما يضمن تعزيز الحريات الأساسية وحماية الحقوق الفردية والجماعية.

كما دعت إلى المصادقة على اتفاقية مجلس أوروبا بشأن الوقاية من العنف ضد النساء والعنف المنزلي ومكافحتهما، المعروفة باتفاقية إسطنبول، وإطلاق برامج تربوية وتحسيسية داخل المؤسسات التعليمية والجامعات ودور الشباب للوقاية من العنف وترسيخ ثقافة المساواة واحترام الحقوق.

وطالبت أيضاً باستكمال تعيين عضوات وأعضاء الجمعية العامة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، بما يعزز أدواره المؤسساتية في حماية الحقوق والنهوض بها.

وفي تقييمها للتوجهات الحكومية المتعلقة بالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، نوهت الدينامية بإدراج أهداف رقمية قابلة للقياس ضمن البرنامج الحكومي، لكنها حذرت من اختزال تقييم السياسات الاجتماعية في المؤشرات الوطنية الإجمالية.

واعتبرت أن ارتفاع عدد المستفيدين أو تحسن بعض المؤشرات العامة لا يعني بالضرورة تقليص الفوارق بين الجهات والفئات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، دعت إلى وضع منظومة تقييم تراعي الفوارق في جودة التعليم والتحصيل الدراسي بين الوسطين القروي والحضري، وبين المناطق الجبلية والواحات وباقي المجالات الترابية.

كما شددت على ضرورة قياس مدى قدرة المواطنين على الحصول على الخدمات الصحية في الوقت المناسب وبجودة مناسبة، بدل الاقتصار على مؤشرات عدد المؤسسات والتجهيزات والموارد البشرية.

وفي ما يتعلق بالشباب، دعت الدينامية إلى اعتماد مقاربة مندمجة تربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، وتوفر شروط الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، مع حماية الحقوق المهنية والاجتماعية.

وتوقفت المذكرة عند برامج الهجرة المهنية والدائرية، ومنها برنامج «WAFIRA II»، معتبرة أن المبادرات القائمة تحتاج إلى التأطير ضمن تصور وطني شامل يربط بين حاجيات سوق العمل المغربية والأوروبية.

كما طالبت بتسريع اعتماد الإطار التشريعي المتعلق باللجوء وشروط منحه، ودخول الأجانب إلى المغرب وإقامتهم به، وإرساء آليات تضمن تكوين العمال المهاجرين وحمايتهم القانونية والاجتماعية، مع توفير شروط عودتهم وإعادة إدماجهم.

وفي المجال السياسي والمؤسساتي، دعت الدينامية إلى إطلاق حوار وطني بشأن نمط الاقتراع وهندسة المؤسسة البرلمانية وتشكيلة الحكومة، بما يساهم في تطوير الممارسة الديمقراطية وتحسين أداء المؤسسات.

كما شددت على ضرورة التفعيل الفعلي للمقتضيات الدستورية المرتبطة بالديمقراطية التشاركية، وتوسيع مشاركة المواطنات والمواطنين في إعداد السياسات العمومية وتتبع تنفيذها وتقييم نتائجها.

واعتبرت أن تقوية الثقة في المؤسسات تستدعي إرساء آليات عملية للإنصات والتشاور والمساءلة، بما يجعل المشاركة المواطنة جزءاً أساسياً من تدبير الشأن العام.

وفي الشق البيئي، أكدت الدينامية أن مواجهة التحديات المناخية والمائية لا ينبغي أن تقتصر على بناء السدود وتحلية مياه البحر ومشاريع نقل المياه، بل تستوجب اعتماد سياسات متكاملة لترشيد الاستهلاك وحماية الموارد الطبيعية.

ودعت إلى تشجيع إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وتطوير ممارسات فلاحية مستدامة، وترشيد استعمال المياه في الأنشطة الاقتصادية، إلى جانب حماية المجالات الغابوية والتنوع البيولوجي.

كما أوصت بتوسيع المساحات الخضراء داخل المدن والقرى، وتطوير النقل العمومي المستدام، وتعزيز التحول نحو المدن الذكية.

وفي محور الثقافة والمجتمع المدني، طالبت الدينامية بتحيين القانون المنظم للجمعيات بما يتلاءم مع الدستور والالتزامات الدولية للمملكة.

واقترحت إحداث صندوق خاص لدعم الجمعيات، استناداً إلى توصية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، بما يمكن النسيج الجمعوي من الاضطلاع بأدواره في التأطير والترافع والمساهمة في التنمية.

كما شددت على ضرورة تعزيز التفعيل العملي للحق في الحصول على المعلومات، وتطوير الثقافة الرقمية النقدية والتربية على المواطنة، باعتبارهما من المداخل الأساسية لترسيخ المشاركة المجتمعية ومواجهة التضليل.

وفي محور تخليق الحياة العامة، ثمنت الدينامية إدراج محاربة الفساد والريع ضمن أولويات البرنامج الحكومي، لكنها دعت إلى تجاوز الالتزامات العامة نحو اعتماد استراتيجية وطنية واضحة لمناهضة الإفلات من العقاب.

وأكدت ضرورة إرساء آليات مستقلة للتنفيذ والتتبع والتقييم، مع اعتماد مؤشرات تسمح بقياس التقدم المحرز في مجالات النزاهة والشفافية والحكامة.

واعتبرت أن نجاح الإصلاحات المؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية يظل مرتبطاً بتعزيز الثقة في المؤسسات، وضمان احترام القانون والمساواة أمامه.

ومن أبرز المقترحات العملية التي حملتها المذكرة دعوة الحكومة إلى إعداد لوحة مؤشرات خلال الأشهر الستة الأولى من ولايتها، تتضمن معايير كمية ونوعية ومجالية لتتبع تنفيذ الالتزامات الحكومية.

كما اقترحت إرساء آلية للحوار الدوري بين الحكومة والفاعلين المدنيين، وإصدار تقرير سنوي يقيم مستوى التقدم المحرز، ويحدد الاختلالات والتحديات التي تستدعي التدخل والتصحيح.

وفي ختام مذكرتها، أكدت «دينامية الطريق الرابع» أن مبادرتها تندرج في إطار المساهمة المدنية في النقاش العمومي والرفع من مردودية العمل الحكومي، بما يعزز فعلية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية والبيئية والتنموية.

وعبرت عن استعدادها لمواصلة الحوار وتقديم مقترحات أكثر تفصيلاً، بهدف دعم سياسات عمومية تستجيب لانتظارات المواطنين وتكرس مبادئ الإنصاف والمساءلة.

وبين تقاطع التوجهات الحكومية مع مطالب المجتمع المدني، تبرز مسألة التنفيذ والتقييم باعتبارها الاختبار الحقيقي لمدى قدرة البرنامج الحكومي 2026-2031 على تحويل التعهدات السياسية إلى نتائج ملموسة، خاصة في المجالات الترابية التي ما تزال تعاني تفاوتات تنموية واجتماعية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق