من بنكيران إلى المنصوري.. تفويض إدارة الدفاع الوطني ليس سابقة في المغرب ووثائق الجريدة الرسمية تكشف الحقيقة





أطلس 24 – متابعة وتحليل

أعاد تفويض الاختصاصات المتعلقة بتسيير إدارة الدفاع الوطني إلى رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري النقاش حول طبيعة هذا الإجراء وأبعاده الدستورية والقانونية، خصوصاً بعدما جرى تقديمه في بعض القراءات باعتباره سابقة في تاريخ الحكومات المغربية.

غير أن العودة إلى أرشيف الجريدة الرسمية تكشف أن تفويض هذه الاختصاصات إلى رئيس الحكومة ليس إجراءً جديداً، بل ممارسة مؤسساتية سبق اعتمادها خلال ولايات حكومية متعاقبة، منذ حكومة عبد الإله ابن كيران، مروراً بحكومتي سعد الدين العثماني وعزيز أخنوش، وصولاً إلى الحكومة الحالية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.

 وثيقة رسمية من سنة 2012 تحسم الجدل

تؤكد وثيقة منشورة بالجريدة الرسمية، عدد 6022 بتاريخ 16 فبراير 2012، أن الملك محمد السادس أصدر الظهير الشريف رقم 1.12.04 بتاريخ 7 فبراير 2012، بشأن تفويض السلطة فيما يتعلق بإدارة الدفاع الوطني.

ونصت المادة الأولى من هذا الظهير على تفويض عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة آنذاك، ابتداءً من 26 يناير 2012، لممارسة الاختصاصات المتعلقة بتسيير إدارة الدفاع الوطني، تحت سلطة الملك بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، وطبقاً للنصوص الجاري بها العمل.

كما نصت المادة الثانية على إمكانية تفويض رئيس الحكومة إلى الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني سلطة التوقيع أو التأشير على بعض المقررات والقرارات الداخلة في نطاق التفويض، باستثناء المراسيم والقرارات التنظيمية، ووفق الشروط القانونية المحددة.

وتشكل هذه الوثيقة دليلاً قانونياً واضحاً على أن تفويض تدبير إدارة الدفاع الوطني إلى رئيس الحكومة كان معمولاً به منذ السنوات الأولى لتطبيق دستور 2011.

 استمرارية مؤسساتية عبر أربع حكومات

لم يتوقف العمل بهذه الآلية عند حكومة ابن كيران، بل استمر خلال الولايات الحكومية اللاحقة، مع سعد الدين العثماني ثم عزيز أخنوش، قبل أن يشمل فاطمة الزهراء المنصوري.

ويعكس هذا التسلسل استمرار اعتماد التفويض لتنظيم ممارسة بعض الاختصاصات الإدارية المرتبطة بالدفاع الوطني، بصرف النظر عن التغييرات التي تطرأ على رئاسة الحكومة أو تركيبتها السياسية.

ومن ثم، فإن المقارنة بين الظهائر الصادرة خلال هذه الفترات تتيح التمييز بين استمرارية الآلية القانونية من جهة، والتغييرات المرتبطة بالأشخاص المكلفين بممارسة الاختصاصات المفوضة من جهة ثانية.

 ماذا يقول الدستور المغربي؟

يكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة بالنظر إلى الطبيعة الدستورية للمؤسسة العسكرية في المغرب.

فالفصل 53 من دستور المملكة ينص على أن الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، وله حق التعيين في الوظائف العسكرية، كما يمكنه أن يفوض لغيره ممارسة هذا الحق.

وبالتالي، فإن تفويض بعض الاختصاصات المتعلقة بتسيير إدارة الدفاع الوطني لا ينبغي الخلط بينه وبين نقل القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية أو تغيير موقع المؤسسة الملكية في المنظومة الدستورية.

فالظهير الصادر سنة 2012 يحدد صراحة أن رئيس الحكومة يمارس الاختصاصات المفوضة تحت سلطة الملك، وهو تمييز جوهري لفهم الطبيعة القانونية لهذا الإجراء.

كما أن الاختصاصات الإدارية المتعلقة بتسيير إدارة الدفاع الوطني تختلف عن الصلاحيات المرتبطة بالقيادة العسكرية العليا والقرارات الاستراتيجية التي تخضع لأحكام دستورية وقانونية خاصة.

 ما الجديد في حالة فاطمة الزهراء المنصوري؟

يكمن العنصر الجديد في الحالة الراهنة في تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة وممارستها الاختصاصات المفوضة بهذه الصفة، وليس في استحداث مبدأ تفويض تدبير إدارة الدفاع الوطني.

ومن الناحية القانونية، لا يكفي تغير الشخص الذي يتلقى التفويض للحديث عن تحول في توزيع الاختصاصات الدستورية، ما لم يتضمن النص الجديد تعديلات جوهرية في طبيعة الصلاحيات أو نطاقها أو شروط ممارستها.

ولهذا، فإن تحديد ما إذا كان الظهير الأخير قد أدخل مستجدات موضوعية يستوجب مقارنة دقيقة بين مقتضياته ومقتضيات الظهائر السابقة، بدلاً من الاكتفاء بعناوين توحي بحدوث تغيير دستوري غير مسبوق.

 بين الإثارة الإعلامية والدقة القانونية

تكشف هذه القضية أهمية الرجوع إلى الوثائق الرسمية عند تناول الملفات المرتبطة بالمؤسسات الدستورية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقطاع حساس مثل الدفاع الوطني.

فالمعطيات التاريخية والقانونية تؤكد أن تفويض تسيير إدارة الدفاع الوطني إلى رئيس الحكومة لم يبدأ مع فاطمة الزهراء المنصوري، وإنما سبق اعتماده خلال حكومات سابقة.

كما أن استعمال عبارة «تفويض إدارة الدفاع الوطني» دون توضيح حدودها القانونية قد يؤدي إلى خلط بين الإدارة المدنية والمالية والتنظيمية للقطاع، وبين القيادة العسكرية العليا التي يحدد الدستور موقعها واختصاصاتها.

وهو ما يفرض على وسائل الإعلام التمييز بين الوقائع المثبتة بالوثائق الرسمية والتفسيرات السياسية التي قد تصاحبها.

 خلاصة: الجديد في الشخص وليس في أصل التفويض

إن العودة إلى الجريدة الرسمية، وخاصة الظهير الشريف رقم 1.12.04 لسنة 2012، تضع النقاش في سياقه القانوني والتاريخي الصحيح.

فتفويض الاختصاصات المتعلقة بتسيير إدارة الدفاع الوطني إلى رئيس الحكومة ممارسة سابقة على تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، وقد عرفتها حكومات عبد الإله ابن كيران وسعد الدين العثماني وعزيز أخنوش.

وعليه، فإن الحديث عن سابقة مطلقة في تفويض هذه الاختصاصات لا يستقيم أمام الوثائق الرسمية، بينما يمكن الحديث عن مستجد مرتبط بشخص رئيسة الحكومة الحالية.

وبين استمرارية المؤسسات وتغير المسؤولين، تبقى الجريدة الرسمية المرجع الأساسي للفصل بين الوقائع القانونية والتأويلات السياسية، بما يضمن نقاشاً عمومياً قائماً على الدقة والموضوعية.

**أطلس 24 | ATLAS24.MA**

*الوثيقة المرجعية: الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، عدد 6022، بتاريخ 16 فبراير 2012، الصفحة 682، الظهير الشريف رقم 1.12.04 المتعلق بتفويض السلطة فيما يتعلق بإدارة الدفاع الوطني.*


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق