اتفاقية دعم الرياضة ببني ملال بين مشروعية القرار الجماعي وحق الرقابة.. قراءة قانونية في حدود المسؤوليات والاختصاصات




أطلس 24 – بني ملال

أثارت الرسالة المفتوحة التي وجهها مستشاران جماعيان عن الحزب الاشتراكي الموحد بمجلس جماعة بني ملال، بتاريخ 19 أكتوبر 2026، إلى رئيس المجلس الجماعي، بشأن اتفاقية الشراكة المتعلقة بدعم الرياضة المحلية والمبرمة مع شركة «أطلس للتنمية السياحية»، مجموعة من التساؤلات القانونية والإدارية والمالية التي تستدعي قراءة موضوعية ومتأنية، بعيداً عن منطق الاتهامات المسبقة أو الاصطفافات السياسية.

وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنظر إلى تعدد الأطراف المعنية بها، بدءاً من المجلس الجماعي لبني ملال، مروراً بالشركة المتعاقدة، ووصولاً إلى مجلس جهة بني ملال خنيفرة، فضلاً عن المستشارين الجماعيين الذين مارسوا حقهم في إثارة الانتباه إلى ما يعتبرونه نقاطاً تستوجب التوضيح والتحقق.

غير أن المعالجة القانونية السليمة لهذا الملف تقتضي التمييز بين مشروعية اتخاذ القرار، وسلامة المساطر الإدارية والمالية، واحتمال تنازع المصالح، وحدود الرقابة التي تمارسها المؤسسات المختصة.

أولاً: حرية المجلس الجماعي في اتخاذ قراراته ليست موضع تشكيك

يشكل مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية إحدى الركائز الأساسية للتنظيم الترابي المغربي، كما كرسه دستور المملكة، ولا سيما الفصل 136، وفصل القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات مقتضيات ممارسته.

وانطلاقاً من هذا المبدأ، يتمتع المجلس الجماعي لبني ملال بصلاحية التداول واتخاذ المقررات المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، بما في ذلك دعم الأنشطة الرياضية وإبرام اتفاقيات الشراكة، شريطة احترام الاختصاصات القانونية والمساطر الإدارية والمالية الجاري بها العمل.

وعليه، فإن موافقة المجلس على اتفاقية لدعم الرياضة لا تشكل في حد ذاتها مخالفة قانونية، كما أن اختلاف بعض المستشارين مع مضمون الاتفاقية أو طريقة إعدادها لا يعني بالضرورة عدم مشروعيتها.

فالمجلس يظل حراً في اختياراته وقراراته، ما دامت تستند إلى سند قانوني صحيح، وتحترم شروط التداول والتصويت والتأشير عند الاقتضاء، وتراعي قواعد تدبير المال العام.

لكن هذه الحرية لا تعني تحصين المقررات من المراقبة، لأن القرار الجماعي، مهما كانت الأغلبية التي صادقت عليه، يبقى خاضعاً لمبدأ المشروعية.

ثانياً: حق المستشارين في الرقابة والتنبيه إلى الاختلالات المحتملة

في المقابل، فإن المبادرة التي أقدم عليها المستشاران الجماعيان من خلال توجيه رسالة مفتوحة لطلب التوضيحات تندرج، من حيث المبدأ، ضمن ممارسة الدور التمثيلي والرقابي للمنتخبين.

فالقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات يتيح لأعضاء المجلس آليات للمناقشة والمساءلة والحصول على المعلومات وفق الشروط القانونية، بما يمكنهم من تتبع القرارات الجماعية ومراقبة تنفيذها.

وتبرز هنا أهمية الرقابة القبلية التي تسمح بإثارة الملاحظات قبل تنفيذ المقررات، والرقابة البعدية التي تهدف إلى تقييم مدى احترام الالتزامات وتحقيق الأهداف المعلنة.

غير أن ممارسة الرقابة يجب أن تتم في إطار المؤسسات والمساطر القانونية، مع ضرورة التمييز بين إثارة الشبهات وإثبات المخالفات.

فمجرد المطالبة بالكشف عن وثائق اتفاقية أو التساؤل بشأن الجهة المستفيدة منها لا يشكل اتهاماً قانونياً قائماً بذاته، وإنما ممارسة لحق مشروع في طلب التوضيح.

وفي المقابل، فإن هذا الحق لا يمنح المستشارين سلطة منفردة لإلغاء أو توقيف مقرر جماعي مستوفٍ لشروطه القانونية، إذ تظل هذه الصلاحيات خاضعة للجهات والإجراءات المحددة قانوناً.

ثالثاً: اتفاقية 450 ألف درهم بين سلامة المسطرة ووضوح المستفيد

تتحدث الرسالة عن اتفاقية تبلغ قيمتها 450 ألف درهم، أي ما يعادل 45 مليون سنتيم، مع الإشارة إلى اقتطاع بنسبة 5 في المائة، وهو ما يجعل المبلغ الصافي المفترض في حدود 427 ألفاً و500 درهم.

وتثير هذه المعطيات أسئلة قانونية ومحاسبية تستوجب التحقق، خاصة فيما يتعلق بمصدر التمويل وطبيعة الاقتطاع والجهة المستفيدة النهائية.

فإذا كان المبلغ مخصصاً لدعم الرياضة المحلية بصفة عامة، فمن الضروري توضيح ما إذا كانت الاتفاقية تشمل مختلف الأندية والجمعيات الرياضية، أم أنها موجهة إلى نادٍ محدد، وما المعايير التي اعتمدت لتحديد المستفيدين.

كما ينبغي تحديد الأساس القانوني للاقتطاع المشار إليه، وطبيعته المحاسبية، والجهة التي تتولى استخلاصه، وما إذا كان منصوصاً عليه في الاتفاقية أو يستند إلى مقتضيات قانونية مستقلة.

ولا يمكن اعتبار هذا الاقتطاع مشروعاً أو غير مشروع اعتماداً على النسبة وحدها، بل يجب فحص الوثائق التعاقدية والمحاسبية المرتبطة به.

والأمر نفسه ينطبق على المبلغ الإجمالي، إذ ينبغي التمييز بين الاعتماد المقرر، والمبلغ الملتزم به، والمبلغ المؤدى فعلياً، لأن لكل مرحلة آثارها القانونية والمحاسبية.

رابعاً: تنازع المصالح.. بين احتمال قيامه وضرورة إثباته

من أبرز النقاط التي أثارتها الرسالة مسألة تولي النائب الأول لرئيس المجلس الجماعي، بحسب ما ورد فيها، رئاسة نادي رجاء بني ملال، الذي تشير الرسالة إلى احتمال استفادته من الاتفاقية.

وتستدعي هذه المسألة قراءة دقيقة لمقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14، ولا سيما المادة 65 المتعلقة بحالات ربط المصالح الخاصة مع الجماعة والهيئات المرتبطة بها، والمادة 64 المتعلقة بمسطرة التعامل مع بعض الأفعال المخالفة للقوانين والأنظمة.

غير أن الجمع بين مسؤولية انتخابية ومسؤولية داخل جمعية رياضية لا يكفي وحده للجزم بوجود مخالفة قانونية.

فالحسم في هذه المسألة يستوجب تحديد طبيعة العلاقة بين المسؤول الجماعي والنادي، وصفته القانونية داخل الجمعية، ومدى مشاركته في إعداد الاتفاقية أو المداولة بشأنها أو تنفيذها، فضلاً عن التحقق من وجود مصلحة تدخل ضمن حالات المنع المنصوص عليها قانوناً.

ومن ثم، فإن الحديث عن تنازع المصالح يجب أن يبقى في حدود الاحتمال القانوني الذي يستدعي الفحص، دون اعتباره واقعة ثابتة قبل استكمال التحقق.

كما أن إثبات مخالفة محتملة لا يتم بمجرد الاستنتاج السياسي أو الإعلامي، وإنما بالاستناد إلى الوثائق والوقائع والنصوص القانونية الواجبة التطبيق.

خامساً: شركة «أطلس للتنمية السياحية» ومسؤوليتها القانونية

لا يمكن حصر النقاش في المجلس الجماعي وحده، لأن شركة «أطلس للتنمية السياحية»، باعتبارها طرفاً في الاتفاقية، تتحمل بدورها مسؤولية التحقق من سلامة التزاماتها في حدود اختصاصاتها القانونية.

ويقتضي ذلك، بداية، تحديد الشكل القانوني للشركة وطبيعة مهامها والغرض المنصوص عليه في نظامها الأساسي، ومدى ارتباط دعم الأنشطة الرياضية باختصاصاتها وأهدافها.

فإذا كانت الشركة تندرج ضمن شركات التنمية الجهوية، فإن مقتضيات القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، إلى جانب القواعد القانونية المنظمة للشركات ونظامها الأساسي، تشكل إطاراً أساسياً لفحص مشروعية تدخلها.

ومن الضروري، في هذا السياق، التأكد من أن الجهة المختصة داخل الشركة وافقت على الاتفاقية وفق الإجراءات المطلوبة، وأن الالتزام المالي يدخل ضمن صلاحياتها ومواردها وأغراضها القانونية.

فموافقة المجلس الجماعي على اتفاقية لا تعفي الشركة من احترام قواعدها الخاصة، مثلما أن موافقة أجهزة الشركة لا تعفي المجلس الجماعي من احترام المساطر المفروضة عليه.

سادساً: مجلس جهة بني ملال خنيفرة وحدود مسؤوليته

تطرح علاقة شركة «أطلس للتنمية السياحية» بمجلس جهة بني ملال خنيفرة سؤالاً مهماً بشأن حدود المسؤولية المؤسسية والرقابة على القرارات المالية للشركة.

غير أن تحديد هذه المسؤولية يستوجب أولاً معرفة طبيعة مساهمة الجهة في رأسمال الشركة، وتركيبة أجهزتها المسيرة، والصلاحيات المخولة لممثلي الجهة داخلها.

فمجلس الجهة، حتى في حالة مساهمته في الشركة، لا يتحمل بالضرورة مسؤولية مباشرة عن كل قرار تتخذه أجهزتها، ما لم يثبت وجود اختصاص قانوني أو تدخل أو التزام محدد يرتب هذه المسؤولية.

ومع ذلك، فإن من حق المؤسسات المعنية التحقق من مدى انسجام تدخلات الشركة مع أهدافها التنموية، ومدى احترامها لقواعد الحكامة والشفافية والتدبير المالي.

ومن شأن تقديم توضيحات من طرف مجلس الجهة والشركة أن يساعد على تحديد طبيعة العلاقة بين المؤسستين، والجهة التي اتخذت قرار التمويل، والآليات المعتمدة لمراقبة تنفيذه.

سابعاً: دور السلطة الإدارية في مراقبة المشروعية

تكتسي مراقبة المشروعية أهمية خاصة في هذا الملف، بالنظر إلى الاختصاصات التي يخولها القانون التنظيمي رقم 113.14 للسلطة الإدارية المختصة.

وتنص المادة 118 من القانون التنظيمي على خضوع أصناف محددة من مقررات المجالس الجماعية للتأشير، وفق الشروط المنصوص عليها قانوناً.

كما تنظم مقتضيات أخرى مساطر مراقبة قانونية المقررات والأفعال التي قد تشكل خرقاً للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل.

لكن ينبغي التمييز بين مراقبة المشروعية، التي تهدف إلى التأكد من احترام القانون، وبين تقييم الملاءمة السياسية أو التدبيرية للقرار، الذي يدخل في نطاق المسؤولية الانتخابية والمؤسساتية للمجلس.

وعليه، فإن تدخل السلطة الإدارية لا ينبغي أن يفهم باعتباره بديلاً عن حرية المجلس في اتخاذ قراراته، بل باعتباره ضمانة لاحترام الإطار القانوني المنظم لعمل الجماعات الترابية.

ثامناً: الوثائق المطلوبة للحسم في مشروعية الاتفاقية

حتى يكون النقاش قائماً على أسس قانونية سليمة، يصبح من الضروري الاطلاع على النسخة الكاملة للاتفاقية، ومحضر المداولة التي تمت خلالها المصادقة عليها، والوثائق المتعلقة باستكمال إجراءات التأشير والنفاذ عند الاقتضاء.

كما يتعين فحص النظام الأساسي لشركة «أطلس للتنمية السياحية»، وقرارات أجهزتها المختصة المتعلقة بالمساهمة المالية، والوثائق المحاسبية التي تحدد مصدر التمويل وطبيعة الاقتطاع والجهة المستفيدة.

ويستحسن كذلك الاطلاع على الوثائق القانونية للنادي الرياضي المعني، ومحاضر المداولات ذات الصلة، من أجل التحقق من الوضعية القانونية للمسؤولين المعنيين واحتمال قيام حالة تنازع مصالح.

أما في حالة وجود مؤشرات جدية على مخالفة مالية أو إدارية، فيمكن إحالة الوقائع على الجهات المختصة وفق المساطر القانونية، دون استباق نتائج الفحص أو ترتيب مسؤوليات غير ثابتة.

تاسعاً: دعم الرياضة لا يتعارض مع احترام القانون

لا ينبغي أن يتحول النقاش القانوني حول الاتفاقية إلى مواجهة بين المدافعين عن دعم الرياضة والمطالبين بالشفافية.

فدعم نادي رجاء بني ملال وغيره من الأندية والجمعيات الرياضية المحلية يظل هدفاً مشروعاً، بالنظر إلى الأدوار الرياضية والاجتماعية والتربوية التي تضطلع بها هذه المؤسسات.

غير أن مشروعية الهدف لا تغني عن ضرورة احترام الوسائل القانونية المعتمدة لتحقيقه.

كما أن المطالبة بمراقبة المال العام لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتعطيل مشاريع رياضية تستوفي شروطها القانونية.

والتوازن المطلوب يتمثل في ضمان استمرار الدعم المشروع للرياضة، مع إخضاع قرارات التمويل والتنفيذ للمراقبة والشفافية والمحاسبة.

خلاصة: القانون هو الفيصل بين جميع الأطراف

إن القراءة القانونية للرسالة المفتوحة المتعلقة باتفاقية دعم الرياضة بجماعة بني ملال تقود إلى نتيجة أساسية، مفادها أن القضية لا ينبغي اختزالها في مواجهة سياسية بين الأغلبية والمعارضة، وإنما يجب التعامل معها باعتبارها مسألة تتعلق بمشروعية القرار العمومي وحسن تدبير المال العام.

فالمجلس الجماعي يتمتع بحرية اتخاذ قراراته في إطار اختصاصاته، والمستشارون الجماعيون يملكون حق إثارة التساؤلات وممارسة الرقابة بالوسائل القانونية، والشركة المتعاقدة مطالبة باحترام نظامها الأساسي والتزاماتها، فيما يظل مجلس الجهة معنياً بممارسة الصلاحيات التي يخولها له القانون في علاقته بالشركة.

أما السلطة الإدارية والجهات الرقابية المختصة، فتتدخل عند توفر الشروط القانونية لممارسة اختصاصاتها.

ولا يمكن، استناداً إلى الرسالة وحدها، الجزم ببطلان الاتفاقية أو ثبوت تنازع مصالح أو وجود مخالفة مالية، مثلما لا يمكن الجزم بسلامة جميع الإجراءات دون الاطلاع على الوثائق الأصلية.

فالقرار الجماعي المشروع يستمد قوته من احترام القانون، والرقابة المسؤولة تستمد مشروعيتها من احترام المؤسسات والمساطر، والشفافية تظل الضمانة المشتركة لحماية المال العام وتعزيز ثقة المواطنين.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس البحث عن طرف منتصر وآخر مهزوم، وإنما الكشف عن الحقيقة القانونية والإدارية للاتفاقية، وتحديد مسؤوليات جميع المتدخلين على أساس الوثائق والمقتضيات القانونية.

فلا حرية القرار تعني الإفلات من الرقابة، ولا ممارسة الرقابة تعني مصادرة حرية القرار.

وهذا هو التوازن الذي ينبغي أن يحكم تدبير الشأن العام المحلي بمدينة بني ملال.

أطلس 24 – قراءة قانونية تحليلية تستند إلى مضمون الرسالة المفتوحة، ولا تشكل حكماً نهائياً على مشروعية الاتفاقية أو مسؤولية أي من الأطراف المعنية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق