الانتخابات التشريعية بالمغرب.. حين تنتهي معركة الصناديق وتبدأ معركة الكراسي!


  الانتخابات التشريعية بالمغرب.. حين تنتهي معركة الصناديق وتبدأ معركة الكراسي!


افتتاحية سياسية ساخرة 

بقلم : غيث بن الأثير – أطلس 24

من وعود الإصلاح إلى مفاوضات الحقائب الوزارية، ومن التنافس على أصوات المواطنين إلى التوافق على مقاعد الحكومة.. تتغير المواقع والتحالفات، ويبقى السؤال: أين موقع المواطن في كل هذه الحسابات؟

في المغرب، لا تحتاج إلى تقويم لمعرفة اقتراب الانتخابات التشريعية. يكفي أن تلاحظ كيف تتحول الأزقة المنسية فجأة إلى أولويات تنموية، وكيف يصبح المواطن الذي لم يسمع صوت نائبه طوال سنوات ضيف شرف في اللقاءات الحزبية، وكيف تستعيد الوعود القديمة شبابها السياسي، وكأنها وُلدت بالأمس.

إنه موسم استثنائي تصبح فيه البطالة قضية عاجلة، والمستشفيات أولوية قصوى، والمدارس ورشاً وطنياً لا يحتمل التأجيل، والطرق المتآكلة مشاريع تنتظر فقط وصول الحزب المناسب إلى السلطة.

لكن المفارقة تبدأ عندما تنتهي الانتخابات.

فبمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، يبدو أن معركة البرامج قد أدت وظيفتها، وأن الوقت حان لمعركة أخرى أكثر تعقيداً: من يدخل الحكومة؟ ومن يحصل على الوزارة؟ ومن يقبل بحقيبة أقل أهمية؟ ومن سيكتشف فجأة أن خصمه الانتخابي شريك استراتيجي لا غنى عنه؟

وهكذا، يصوّت المواطن على التغيير، ثم يكتشف أن أول تغيير تحقق هو تغيير مواقع الأحزاب حول طاولة المفاوضات.

 من الخصومة الانتخابية إلى المحبة الحكومية

خلال الحملة الانتخابية، تبدو الاختلافات بين الأحزاب عميقة إلى درجة يستحيل معها تخيل جلوسها في حكومة واحدة.

هذا الحزب يتهم منافسه بالفشل، وذاك يعتبر برنامج خصمه خطراً على الاقتصاد، وثالث يقدم نفسه باعتباره البديل الوحيد القادر على إنقاذ البلاد.

لكن بعد إعلان النتائج، تقع المعجزة السياسية.

تختفي العبارات الحادة، وتولد مفردات جديدة من قبيل «التقاطعات البرنامجية» و«التوافقات الوطنية» و«الانسجام الحكومي».

والأغرب أن البرامج التي كانت متناقضة بالأمس تصبح اليوم قابلة للجمع في وثيقة واحدة.

لا عيب في التحالفات السياسية، فهي من طبيعة الديمقراطية البرلمانية. لكن العيب أن تتحول الاختلافات المبدئية إلى مجرد تفاصيل تفاوضية، دون أن يجد الناخب تفسيراً مقنعاً لما جرى.

الكرسي الوزاري.. حين يصبح التوافق أسرع من الإصلاح

قد تحتاج بعض الملفات الاجتماعية إلى سنوات من المشاورات والدراسات واللجان، بينما قد تكفي أيام قليلة لإيجاد توافق حول توزيع المسؤوليات الحكومية.

وهنا يبرز السؤال الساخر: لماذا تبدو السياسة أكثر سرعة عندما يتعلق الأمر بالمناصب، وأقل استعجالاً عندما يتعلق الأمر بانتظارات المواطنين؟

فالمواطن لا يهمه كثيراً أي حزب حصل على وزارة معينة، بقدر ما يهمه ما إذا كان المستشفى سيتوفر على طبيب، والمدرسة على أستاذ، والشاب على فرصة عمل، والفلاح على شروط تحفظ له كرامته واستمراره في الإنتاج.

الوزارة ليست غنيمة انتخابية، والكرسي ليس شهادة نجاح سياسي. النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول المسؤولية إلى إنجاز.

 المواطن.. بطل الحملة الانتخابية والغائب عن مفاوضات ما بعدها

في موسم الانتخابات، يصبح المواطن سيد الموقف.

تُفتح له المقرات، وتُخصص له اللقاءات، وتُصغى إلى مطالبه، وتُلتقط معه الصور.

لكن بعد الانتخابات، تتغير الأولويات، ويتحول النقاش من مشاكل الأحياء والقرى إلى الحسابات البرلمانية وتوازنات الأغلبية.

ولعل المواطن المغربي يستطيع تلخيص هذه المفارقة بجملة بسيطة:

«قبل الانتخابات كيسولوني شنو خاصك، ومن بعد الانتخابات كيسولو بعضياتهم شنو غادي ناخدو!»

إنها سخرية تختزل أزمة أعمق تتعلق باستمرارية العلاقة بين المنتخب والناخب، وضرورة إخضاع الالتزامات السياسية للتقييم والمحاسبة.

 المعارضة والأغلبية.. تتغير المقاعد وتبقى المشاكل

من غرائب الحياة السياسية أن بعض الأحزاب تملك حلولاً جاهزة لكل المشاكل عندما تكون في المعارضة، لكنها تكتشف حجم الإكراهات عندما تصبح مسؤولة عن تدبيرها.

وفي المقابل، قد يصبح الحزب الذي كان يدافع بالأمس عن حصيلته الحكومية أشد المنتقدين للسياسات العمومية بعد انتقاله إلى المعارضة.

ليست المشكلة في تغيير المواقع، وإنما في تغيير الخطاب دون تفسير، وفي مطالبة المواطن بنسيان ما قيل له قبل الانتخابات.

فالديمقراطية لا تعني أن يظل الحزب وفياً لكل شعار انتخابي مهما تغيرت الظروف، لكنها تفرض عليه أن يشرح للناخبين أسباب التنازلات والتحولات التي اختارها.

 من ربح المقاعد.. ومن ربح ثقة المواطن؟

عقب كل استحقاق تشريعي، تتصدر الأرقام المشهد السياسي.

كم مقعداً حصل عليه الحزب؟ وكم وزارة نالها؟ وكم صوتاً يحتاج لتشكيل الأغلبية؟

لكن ثمة أرقاماً أخرى لا تحظى دائماً بالاهتمام نفسه: عدد الشباب الذين وجدوا عملاً، وعدد الأسر التي تحسنت ظروفها، وعدد المناطق التي استفادت من خدمات عمومية فعلية.

فالبرلمان ليس بطولة لتجميع المقاعد، والحكومة ليست معرضاً لتوزيع الحقائب.

إنهما مؤسستان تتحملان مسؤوليات دستورية وسياسية أمام المواطنين.

 انتهت الانتخابات.. فمتى تبدأ المحاسبة؟

مع تشكيل كل حكومة جديدة، تُفتح صفحة جديدة من الوعود والتطلعات.

لكن الاختبار الحقيقي لا يبدأ عند التقاط الصورة الجماعية للوزراء، ولا عند إعلان توزيع الحقائب، وإنما عندما يشرع المواطن في قياس أثر القرارات الحكومية على حياته اليومية.

فمن السهل أن تتفق الأحزاب على تقاسم المسؤوليات، لكن الأصعب أن تتفق على تحمل نتائجها.

ومن السهل الحديث عن التغيير، لكن الأصعب أن يشعر به المواطن في مدرسته ومستشفاه ودخله وفرص أبنائه.

وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في أن الأحزاب تتنافس على الكراسي، بل في أن بعض الكراسي تصبح أهم من البرامج التي أوصلت أصحابها إليها.

ولذلك، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل تجربة حكومية:

هل ننتخب أحزاباً لتغيير واقع المواطنين، أم ننتخب مواطنين لتغيير مواقع الأحزاب؟

ذلك هو السؤال الذي لا تجيب عنه نتائج صناديق الاقتراع وحدها، بل تجيب عنه حصيلة السنوات التي تليها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق