أطلس 24 | متابعة – الاقتصاد والمال
الرباط – الأربعاء 28 أكتوبر 2026
تواصل المملكة المغربية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ترسيخ موقعها باعتبارها قوة اقتصادية ولوجستيكية صاعدة على المستويين الإقليمي والدولي، من خلال إطلاق وتطوير مشاريع مينائية وصناعية كبرى، لا تقتصر أهدافها على تعزيز المبادلات التجارية واستقطاب الاستثمارات، بل تمتد لتشمل تحقيق التنمية المجالية المتوازنة، وخلق فرص الشغل، وتحسين الظروف المعيشية للساكنة المحلية.
وفي هذا السياق، ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، بالقصر الملكي بالرباط، جلسة عمل خُصصت لتتبع تقدم الأشغال بالمركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط، إلى جانب مشروع توسعة مركب طنجة المتوسط، في خطوة تعكس العناية الملكية المتواصلة بالأوراش الاقتصادية المهيكلة ودورها في دعم التحول التنموي للمملكة.
وشكلت هذه الجلسة مناسبة لتجديد التأكيد على أن القيمة الحقيقية للمشاريع الاستثمارية الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها أو بطاقتها الإنتاجية واللوجستيكية، وإنما كذلك بمدى انعكاس آثارها الاقتصادية والاجتماعية على حياة المواطنين، وقدرتها على خلق دينامية تنموية مستدامة داخل المجالات الترابية المعنية.
وفي هذا الإطار، شدد جلالة الملك على ضرورة استفادة مختلف الأقاليم المعنية من الانعكاسات الإيجابية لهذه المشاريع، بما يضمن استفادة الساكنة المحلية من ثمار الاستثمار، مع الدعوة إلى تسريع تفعيل برامج تكوينية تستجيب لحاجيات الأنشطة الاقتصادية الجديدة، وتفتح أمام الشباب آفاقاً فعلية للإدماج المهني.
وتؤكد هذه التوجيهات الملكية أن الرهان الأساسي لا ينحصر في بناء موانئ ذات تنافسية عالمية، بل يتجاوز ذلك إلى إرساء منظومات اقتصادية متكاملة، تجمع بين البنيات التحتية الحديثة والاستثمار المنتج والتكوين والتشغيل، بما يتيح تحقيق تنمية مندمجة تنعكس على مختلف الفئات الاجتماعية.
وتندرج هذه الدينامية ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تعود أبرز محطاتها إلى 29 غشت 2002، حين ترأس جلالة الملك جلسة عمل خصصت لتنفيذ مشروع ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز المراكز المينائية واللوجستيكية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وتواصل هذا المسار خلال أبريل 2007، مع التوجه نحو تطوير قدرات مينائية إضافية على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، قبل أن يشهد يوليوز 2009 محطة مفصلية بإعطاء التوجيهات الملكية لإنجاز المركب المينائي والصناعي المندمج الناظور غرب المتوسط، باعتباره مشروعاً استراتيجياً يجمع بين الوظائف المينائية والصناعية والطاقية والتجارية.
ويشكل مشروع الناظور غرب المتوسط اليوم أحد أبرز تجليات هذا الطموح الاقتصادي، بعدما بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة المعبأة لإنجازه نحو 54 مليار درهم، في أفق تحويل جهة الشرق إلى قطب اقتصادي وصناعي ولوجستيكي جديد، قادر على استقطاب الاستثمارات وإحداث فرص مهمة للتشغيل.
ووفق المعطيات المقدمة بمناسبة جلسة العمل الملكية، يرتقب أن تصل الطاقة الاستيعابية للرصيف الأول للحاويات، عند استكمال الأشغال، إلى 3.5 ملايين حاوية، فيما يُنتظر دخول رصيف ثان بطاقة استيعابية تبلغ 1.8 مليون حاوية حيز الخدمة بحلول أبريل 2027.
ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على قدراته المينائية، بل تشمل كذلك آثاره المرتقبة على سوق الشغل، حيث يُتوقع أن يساهم، على المدى القصير، في إحداث نحو 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر، فضلاً عن الفرص الاقتصادية التي ستوفرها مشاريع الربط الطرقي والسككي، وفي مقدمتها الخط السككي سلوان–الناظور غرب المتوسط والطريق السيار جرسيف–الناظور غرب المتوسط.
وبموازاة ذلك، يمثل الإعلان عن انطلاق أشغال مشروع «طنجة المتوسط 3» مرحلة جديدة في تطوير المنظومة المينائية الوطنية، باستثمار يناهز 8 مليارات درهم، وطاقة استيعابية إضافية تصل إلى 4.5 ملايين حاوية سنوياً.
ومن شأن هذا التوسع أن يرفع الطاقة الإجمالية لمركب طنجة المتوسط إلى نحو 20 مليون حاوية، بما يعزز طموح المغرب للارتقاء بموقعه ضمن أكبر عشرة موانئ عالمياً، وترسيخ مكانته في سلاسل التجارة الدولية.
غير أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المشاريع تتجاوز المؤشرات المرتبطة بحركة الحاويات والتدفقات التجارية، لتطرح تحدياً تنموياً أساسياً يتمثل في ضمان استفادة المقاولات المحلية، وخاصة الصغرى والمتوسطة، من الفرص الاستثمارية والخدماتية التي ستنشأ حول هذه الأقطاب الاقتصادية الجديدة.
كما تضع التوجيهات الملكية منظومة التكوين المهني أمام مسؤولية مواكبة التحولات الاقتصادية المرتقبة، من خلال إعداد كفاءات وطنية مؤهلة في مجالات اللوجستيك والصناعة والطاقة والتكنولوجيات المرتبطة بالأنشطة المينائية، بما يضمن ملاءمة التكوين مع الحاجيات الفعلية لسوق الشغل.
وعلى المستوى المجالي، تبرز هذه المشاريع أهمية الربط بين الأقطاب المينائية الكبرى ومختلف جهات المملكة، عبر شبكات النقل واللوجستيك والمناطق الصناعية، بما يتيح توسيع دائرة الاستفادة الاقتصادية خارج المجالات الساحلية المحتضنة للموانئ.
وفي هذا الإطار، تبرز بالنسبة لجهة بني ملال–خنيفرة فرص تستحق الدراسة والتخطيط، بالنظر إلى مؤهلاتها الفلاحية والصناعية والمعدنية، وإمكانات تطوير بنياتها اللوجستيكية وربط مناطق إنتاجها بمسالك التصدير والأسواق الدولية.
فالمشاريع المرتبطة بتطوير المنصات اللوجستيكية، وتحسين الربط السككي والطرقي، وتأهيل المناطق الصناعية بالجهة، يمكن أن تشكل، في حال استكمالها وربطها بشبكات النقل الوطنية، مدخلاً لتعزيز استفادة المقاولات الجهوية من الدينامية الاقتصادية التي تقودها الموانئ الكبرى.
كما أن توسيع فرص التكوين في مهن النقل واللوجستيك والصناعات التحويلية من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة أمام شباب الجهة، ويساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي بين المجالات الداخلية والأقطاب المينائية الوطنية.
وتؤكد هذه الرؤية أن نجاح المشاريع المهيكلة يظل مرتبطاً بقدرتها على تجاوز حدود مواقعها الجغرافية المباشرة، والتحول إلى محركات للتنمية الاقتصادية والاجتماعية على نطاق أوسع، في انسجام مع التوجهات الملكية الرامية إلى تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق الترابية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها التجارة العالمية وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج والتوريد، يواصل المغرب تعزيز اختياراته الاستراتيجية القائمة على الاستثمار في البنيات التحتية الكبرى، وتحسين التنافسية الاقتصادية، وتنويع مصادر النمو.
وبين طموح الارتقاء إلى مصاف القوى المينائية العالمية وضرورة تحقيق أثر اجتماعي ملموس، تبرز التوجيهات الملكية باعتبارها تأكيداً على أن التنمية الحقيقية لا تتوقف عند إنجاز المشاريع الضخمة، وإنما تتحقق عندما تتحول هذه الاستثمارات إلى فرص عمل وثروة وتحسن فعلي في ظروف عيش المواطنين.
وهكذا، فإن الرهان المطروح اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل ميناء الناظور غرب المتوسط أو توسعة طنجة المتوسط، بل بمستقبل نموذج تنموي وطني يجعل من البنيات التحتية الاستراتيجية رافعة للتكامل بين الجهات، ومن الاستثمار والتكوين والتشغيل ركائز أساسية لبناء اقتصاد مغربي أكثر تنافسية وإنصافاً واستدامة.
المصدر: وكالة المغرب العربي للأنباء، 28 أكتوبر 2026. صياغة وتحرير: أطلس 24، مع إضافة قراءة جهوية لآفاق استفادة بني ملال–خنيفرة.
ATLAS24.MA

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق