أطلس 24 | متابعة
أكد محمد عبد النباوي، الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن هيئات المحامين تشكل شريكاً أساسياً لا غنى عنه في منظومة العدالة، بالنظر إلى أدوارها المحورية في الدفاع عن الحقوق والحريات، والمساهمة في تكريس سيادة القانون، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية.
وجاء ذلك في كلمة أُلقيت نيابة عنه من طرف حكيم وردي، مدير قطب القضاء الجنائي بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، مساء الأربعاء 28 أكتوبر 2026 بمدينة مراكش، خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر السبعين للاتحاد الدولي للمحامين، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وشدد عبد النباوي على أن المحاماة تتجاوز حدود الممارسة المهنية المرتبطة بالمساطر والإجراءات القانونية، لتضطلع برسالة حقوقية وإنسانية سامية، معتبراً أن «المحاماة ليست مهنة تقنية تتقن المساطر فحسب، بل هي ضمير القانون ولسان الحقوق والحريات».
وتعكس هذه الرؤية، بحسب مضامين الكلمة، المكانة التي تحتلها مهنة المحاماة داخل البناء القضائي، باعتبارها فاعلاً رئيسياً في تحقيق العدالة وضمان حقوق المتقاضين، وشريكاً مؤسساتياً في إنجاح أوراش إصلاح منظومة القضاء وتحديث آليات اشتغالها.
وفي هذا السياق، دعا الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى تعزيز جسور التعاون والتنسيق بين المؤسسات القضائية وهيئات المحامين، من خلال إرساء آليات دائمة للتشاور على المستويين المركزي والجهوي، وتطوير منظومة التبادل الإلكتروني بين المحاكم والمحامين، بما يواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع العدالة.
واعتبر أن الانتقال نحو التقاضي والتبليغ الإلكترونيين يشكل أحد المداخل الأساسية لتحديث الإدارة القضائية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمتقاضين، شريطة أن يتم هذا التحول في إطار يحفظ الحقوق ويضمن احترام الضمانات القانونية المرتبطة بالمحاكمة العادلة.
ولم تقتصر مداخلة عبد النباوي على العلاقة بين القضاء والمحاماة، بل امتدت إلى التحديات الجديدة التي تفرضها التحولات الاقتصادية والرياضية والتكنولوجية، حيث توقف عند أهمية تطوير التخصص القانوني، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالتظاهرات الرياضية الكبرى.
وفي هذا الإطار، أبرز أن اختيار المؤتمر لموضوع الأحداث الرياضية الكبرى وعلاقتها بحقوق الإنسان والاقتصاد والتنمية المستدامة، يضع المحامين المغاربة أمام ضرورة توسيع معارفهم وتعزيز خبراتهم في مجال القانون الرياضي، بما يمكنهم من مواكبة الإشكالات القانونية والتنظيمية التي تطرحها هذه التظاهرات.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة في ظل استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات رياضية دولية كبرى، وما يرتبط بها من تحديات تتعلق بالتعاقدات والاستثمارات والحقوق التجارية والتنظيمية، فضلاً عن حماية الحقوق والحريات وضمان احترام الالتزامات القانونية.
وعلى مستوى التجارة الدولية، استعرض عبد النباوي التحولات التي شهدتها المنظومة القضائية المغربية، مذكراً بإحداث المحاكم التجارية منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، في إطار توجه يروم توفير قضاء متخصص قادر على مواكبة حاجيات المقاولات والمستثمرين والفاعلين الاقتصاديين.
كما أبرز أهمية اعتماد إطار قانوني حديث للتحكيم والوساطة الاتفاقية، باعتبارهما آليتين لتسوية المنازعات وتعزيز الأمن القانوني والقضائي، بما يساهم في دعم جاذبية المغرب للاستثمار وترسيخ موقعه ضمن فضاءات المبادلات الاقتصادية الدولية.
وأشار في السياق ذاته إلى انخراط المملكة في شبكة واسعة من اتفاقيات التبادل الحر، ومشاركتها في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، بما يعزز مكانتها باعتبارها جسراً اقتصادياً وقانونياً يربط إفريقيا بأوروبا وباقي الأسواق العالمية.
وأكد أن القضاء التجاري المتخصص يضطلع بدور محوري في حماية الحقوق وترسيخ الثقة في المعاملات، في تكامل مع الأدوار التي يمارسها المحامي في صياغة العقود وتأمين التصرفات القانونية والدفاع عن مصالح المتقاضين، فضلاً عن مواكبة مساطر التحكيم والوساطة.
وفي ما يتعلق بمستقبل العدالة، وضع عبد النباوي التحول الرقمي في صدارة الرهانات التي يتعين على المنظومة القضائية كسبها، مؤكداً ضرورة توظيف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي باعتبارهما وسيلتين لدعم العمل القضائي وتحسين نجاعته، دون المساس بحماية المعطيات الشخصية أو الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
كما شدد على أن تحديث العدالة لا يمكن اختزاله في رقمنة المساطر والخدمات، بل يتطلب كذلك ترسيخ ثقة المواطن في القضاء، من خلال تعزيز النزاهة والكفاءة والشفافية، وتيسير الولوج إلى العدالة، وتطوير التخصصات القانونية والقضائية.
وتوقف أيضاً عند أهمية نقل الخبرات والمعارف إلى الأجيال الجديدة من القضاة والمحامين، والانفتاح على التجارب الدولية، باعتبار ذلك أحد الشروط الضرورية لبناء منظومة عدالة قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية والاقتصادية والتكنولوجية.
ويشكل المؤتمر السبعون للاتحاد الدولي للمحامين، المنظم بشراكة مع وزارة العدل وجماعة مراكش، فضاءً دولياً لتبادل الخبرات والتجارب القانونية، ومناقشة أبرز المستجدات والتحديات التي تواجه المهن القانونية والقضائية.
وقد انطلقت أشغاله بعقد الجمع العام للاتحاد الدولي للمحامين، إلى جانب منتديات إقليمية جمعت مهنيين من إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، فضلاً عن محامين ناطقين باللغة الإيطالية.
ويتضمن برنامج المؤتمر مناقشة محورين رئيسيين، يتعلق أولهما بالتظاهرات الرياضية الكبرى في علاقتها بحقوق الإنسان والاقتصاد والتنمية المستدامة، فيما يتناول الثاني مكانة القانون في التجارة الدولية، إلى جانب اجتماعات اللجان المتخصصة والمجلس الدولي لهيئات المحامين.
وتبرز تصريحات عبد النباوي، في هذا السياق، أن الرهان المطروح أمام منظومة العدالة المغربية لم يعد مقتصراً على تحديث البنيات والمساطر، وإنما أصبح مرتبطاً ببناء نموذج قضائي أكثر انفتاحاً وفعالية، يقوم على التكامل بين مختلف مكوناته، ويجعل من استقلال القضاء وقوة الدفاع وحماية الحقوق والحريات ركائز أساسية لتحقيق الأمن القضائي وتعزيز دولة القانون.
أطلس 24 – ATLAS24.MA
المصدر: وكالة المغرب العربي للأنباء، 29 أكتوبر 2026، مع إعادة الصياغة والتحرير.
.png)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق