بعد سقوط المشروعين الأمريكي والروسي بمجلس الأمن.. هل يفتح عدم تمديد «المينورسو» الباب أمام تغيير وضع المنطقة العازلة بالصحراء المغربية؟
أطلس 24 – تحليل سياسي وقانوني
شهد ملف الصحراء المغربية، يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، تطوراً دبلوماسياً لافتاً داخل مجلس الأمن الدولي، بعدما حال استخدام روسيا حق النقض «الفيتو» دون اعتماد مشروع القرار الأمريكي، قبل أن تفشل محاولة روسية مضادة لتمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة «المينورسو» لسنة إضافية، في مشهد يعكس عمق التباينات بين القوى الدولية بشأن مستقبل تدبير هذا الملف.
ولم يكن هذا التطور مجرد خلاف تقني حول تجديد ولاية بعثة أممية، بل كشف عن اختلاف جوهري بشأن طبيعة الحل السياسي المرتقب، ومستقبل الوجود الأممي في المنطقة، وحدود الدور الذي يمكن أن يضطلع به مجلس الأمن خلال المرحلة المقبلة.
فالمشروع الأمريكي كان يتجه نحو تعزيز موقع مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره أساساً للتسوية السياسية، مع إدخال تعديلات على تسمية البعثة ومهامها، بينما تمسكت روسيا بتمديد ولايتها في صيغتها القائمة، مع الإبقاء على مرجعيات التسوية التي تدافع عنها موسكو.
وقد حصل المشروع الروسي على ثلاثة أصوات مؤيدة فقط، مقابل معارضة الولايات المتحدة وامتناع 11 عضواً، وهو ما حال دون اعتماده، سواء بسبب عدم بلوغه الأصوات التسعة المطلوبة أو استخدام واشنطن حق النقض.
البلاغ الملكي.. إعلان انتقال إلى مرحلة جديدة
مباشرة عقب انتهاء جلسة مجلس الأمن دون اعتماد أي من المشروعين، أصدر الديوان الملكي بلاغاً بتاريخ 30 أكتوبر 2026، اعتبر فيه عدم تمديد مهمة «المينورسو» تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.
وأكد البلاغ أن هذا المستجد يتزامن مع تخليد عيد الوحدة، الذي أقره صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بما يجسد الانتقال من منطق تدبير الملف إلى مقاربة تقوم على إحداث تحول عميق في محدداته السياسية والدبلوماسية.
وذهب البلاغ إلى اعتبار أن عدم تجديد ولاية البعثة ينبغي أن يفضي إلى إنهاء وجود طواقمها وتجهيزاتها بالأقاليم الجنوبية للمملكة خلال الأيام المقبلة، وإلى وضع حد للاجتماعات الدورية لمجلس الأمن والتقارير والإحاطات المرتبطة بالملف.
وفي المقابل، أكد المغرب تمسكه بوقف إطلاق النار، مع الاحترام الصارم لوحدته الترابية وأمنه الوطني وسلامة مواطنيه.
وتبرز هنا نقطة أساسية: فالبلاغ الملكي يحدد الموقف الرسمي المغربي من التطور الجديد، بينما يبقى إنهاء نظر مجلس الأمن في الملف أو سحبه من جدول أعماله مسألة مؤسساتية لا تتحقق تلقائياً بمجرد عدم تجديد ولاية البعثة.
المنطقة العازلة.. من مراقبة وقف إطلاق النار إلى سؤال السيادة والتدبير الميداني
يطرح عدم تمديد مهمة «المينورسو» إشكالية بالغة الأهمية تتعلق بمستقبل المنطقة الواقعة شرق الجدار الأمني، والتي ارتبط تنظيم الأنشطة العسكرية فيها بالترتيبات الأممية لمراقبة وقف إطلاق النار.
وتعود جذور هذه الترتيبات إلى سنة 1991، عندما أنشأ مجلس الأمن البعثة الأممية بموجب القرار رقم 690، في سياق التسوية التي رعتها الأمم المتحدة، وما رافقها من آليات لمراقبة وقف إطلاق النار.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن المجال الواقع شرق الجدار الأمني يمتد على مساحة تقارب 53 ألف كيلومتر مربع، أي نحو خمس مساحة الصحراء المغربية، غير أن من الضروري التمييز بين كامل هذا المجال وبين الشريط العازل المحدد في الترتيبات العسكرية الأممية، إذ لا يخضعان بالضرورة للأحكام العملياتية نفسها.
وقد شكلت هذه المنطقة، طيلة عقود، إحدى أكثر النقاط حساسية في الملف، بالنظر إلى ارتباطها بحركة القوات العسكرية، ومراقبة وقف إطلاق النار، والخلافات المتعلقة بتفسير الاتفاقات العسكرية.
ومع احتمال انتهاء الوجود العملياتي للبعثة الأممية، يبرز سؤال جديد: من سيتولى مراقبة الالتزامات العسكرية، وكيف ستتم معالجة الوضع الميداني في غياب الآلية الأممية التي كانت مكلفة بهذه المهمة؟
هل يؤدي انسحاب «المينورسو» إلى إنهاء الوضع الخاص للمنطقة العازلة؟
من الناحية القانونية، ينبغي الفصل بين ثلاثة عناصر مختلفة: ولاية بعثة الأمم المتحدة، واتفاق وقف إطلاق النار، والترتيبات العسكرية التي تنظم الحركة والانتشار في محيط الجدار الأمني.
فانتهاء ولاية البعثة لا يؤدي، بحد ذاته، إلى إلغاء جميع الالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار، كما لا يشكل ترخيصاً تلقائياً لأي طرف بإجراء تغييرات عسكرية أحادية في المنطقة.
غير أن غياب آلية المراقبة الأممية قد يفتح نقاشاً جديداً حول مدى قابلية استمرار بعض الترتيبات العسكرية بصيغتها السابقة، والجهة التي ستتولى مراقبة احترامها.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن «تحييد المنطقة العازلة» يظل سيناريو سياسياً وأمنياً يحتاج إلى قرارات واضحة وترتيبات قانونية وميدانية، ولا يمكن اعتباره نتيجة محسومة للتصويت الذي شهده مجلس الأمن.
كما أن أي تغيير في الوضع الميداني سيظل مرتبطاً بالتزامات وقف إطلاق النار، والتوازنات الإقليمية، ومواقف الأطراف المعنية، واحتمالات التصعيد.
الفيتو الروسي.. عرقلة للمشروع الأمريكي أم بداية تحول في قواعد الملف؟
يكشف استخدام روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي عن استمرار الخلاف بين القوى الكبرى حول المرجعية السياسية والقانونية للتسوية.
فموسكو بررت موقفها برفض اعتماد صيغة ترى أنها تستبق نتائج المفاوضات وتحسم مسألة السيادة دون توافق الأطراف، مؤكدة تمسكها بمبدأ تقرير المصير وباستمرار دور الأمم المتحدة.
أما واشنطن، فقد سعت من خلال مشروعها إلى جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محوراً أساسياً للعملية السياسية المقبلة، مع إعادة النظر في طبيعة البعثة الأممية.
ويعني ذلك أن الخلاف لم يكن متعلقاً فقط بمدة تمديد «المينورسو»، وإنما أيضاً بمستقبل الإطار السياسي الذي ستجري داخله المفاوضات.
ورغم عدم اعتماد المشروع الأمريكي، فإن ذلك لا يلغي تلقائياً القرارات السابقة لمجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2797 الصادر سنة 2025، كما أن سقوط المشروع الروسي لا يعني في المقابل اعتماد التصور الأمريكي بصفة قانونية.
وهنا تتجلى مفارقة الوضع الجديد: فمجلس الأمن لم يعتمد قراراً جديداً، لكن عدم الاتفاق على تمديد ولاية البعثة يضع مستقبل حضورها أمام مرحلة من عدم اليقين.
المغرب أمام مرحلة جديدة من التدبير الدبلوماسي والميداني
من خلال مضامين البلاغ الملكي، يتضح أن الرباط تتعامل مع مستجد 30 أكتوبر باعتباره فرصة لإعادة تحديد طبيعة التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية.
فالموقف المغربي لم يعد يركز فقط على تجديد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وإنما يتجه أيضاً إلى مساءلة جدوى استمرار الآليات الأممية التي تأسست في سياق سياسي يعود إلى بداية التسعينيات.
وقد يفتح هذا التوجه المجال أمام تعزيز العمل الدبلوماسي الثنائي والإقليمي، ومواصلة توسيع التأييد الدولي لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
أما على المستوى الميداني، فإن التطورات الجديدة تثير أسئلة مرتبطة بمستقبل مراقبة وقف إطلاق النار، وتدبير الحدود، وتأمين المجال الترابي، والانعكاسات المحتملة لأي إعادة ترتيب للوضع القائم.
غير أن الانتقال من الموقف السياسي إلى الإجراءات العملية يظل رهيناً بطبيعة القرارات التي ستتخذها المؤسسات المعنية، وبمدى استمرار التفاهمات الأمنية والعسكرية القائمة.
هل يخرج ملف الصحراء المغربية نهائياً من مجلس الأمن؟
يشكل هذا السؤال أحد أبرز التحديات القانونية والسياسية التي تطرحها المرحلة الجديدة.
فالبلاغ الملكي اعتبر أن عدم تمديد مهمة «المينورسو» ينبغي أن يضع حداً لإحالة الملف على مجلس الأمن، غير أن الاختصاصات المقررة للمجلس بموجب ميثاق الأمم المتحدة لا تنتهي بصورة آلية مع انتهاء ولاية بعثة لحفظ السلام.
كما أن مجلس الأمن يحتفظ بإمكانية العودة إلى مناقشة أي وضع يرى أنه يرتبط بحفظ السلم والأمن الدوليين، وفقاً للقواعد المنظمة لعمله.
ومن ثم، فإن انتهاء ولاية «المينورسو»، إذا لم يصدر قرار جديد بتمديدها، يمثل تحولاً مؤسساتياً مهماً، لكنه لا يساوي بالضرورة الإغلاق القانوني النهائي للملف داخل منظومة الأمم المتحدة.
مرحلة ما بعد «المينورسو».. أسئلة مفتوحة
تضع تطورات 30 أكتوبر 2026 قضية الصحراء المغربية أمام مرحلة تختلف عن العقود السابقة، سواء من حيث طبيعة الحضور الأممي أو من حيث توازنات المواقف داخل مجلس الأمن.
وبينما تعتبر الرباط عدم تمديد مهمة البعثة خطوة نحو الطي النهائي للملف، تتمسك أطراف أخرى باستمرار المسار الأممي ومرجعياته، وهو ما يعكس استمرار التباين بشأن مستقبل التسوية.
وتبقى المنطقة العازلة إحدى أبرز القضايا التي ستستدعي متابعة دقيقة خلال المرحلة المقبلة، بالنظر إلى حساسيتها العسكرية والقانونية، وارتباطها المباشر باستقرار المنطقة.
والخلاصة أن سقوط المشروعين الأمريكي والروسي لم ينتج قراراً أممياً جديداً يحسم النزاع، لكنه أوجد وضعاً غير مسبوق في تاريخ البعثة منذ تأسيسها سنة 1991.
أما الرهان الأساسي بالنسبة إلى المغرب، كما يعكسه البلاغ الملكي، فيتمثل في الانتقال من مرحلة تدبير الملف داخل الآليات الأممية التقليدية إلى مرحلة جديدة تعزز السيادة الوطنية وتدعم المسار الدبلوماسي القائم على مبادرة الحكم الذاتي، مع المحافظة على الالتزامات الأمنية وتجنب أي تطورات قد تهدد الاستقرار الإقليمي.
وسيكون مستقبل المنطقة العازلة، إلى جانب مصير الترتيبات العسكرية القائمة، من أبرز الاختبارات العملية لهذا التحول.
أطلس 24 | القسم السياسي – 31 أكتوبر 2026
استند هذا التحليل إلى بلاغ الديوان الملكي بتاريخ 30 أكتوبر 2026، ومعطيات التصويت بمجلس الأمن، ومواقف الأطراف المعلنة، مع التمييز بين الوقائع المؤكدة والاحتمالات القانونية والسياسية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق