من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط.. رؤية ملكية ترسخ مكانة المغرب قوة بحرية واقتصادية في حوض المتوسط
استثمارات بمليارات الدراهم، وطاقات مينائية متنامية، وآلاف فرص الشغل.. المغرب يواصل بناء منظومة مينائية استراتيجية تربط الانفتاح الاقتصادي بالتنمية المجالية والسيادة الطاقية.
أطلس 24 | متابعة
يواصل المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تنفيذ استراتيجية مينائية طموحة تمتد لأزيد من عقدين، انطلقت مع المشروع المهيكل «طنجة المتوسط» سنة 2002، وتتعزز اليوم بقرب دخول المركب المينائي والصناعي «الناظور غرب المتوسط» مرحلة الاستغلال، إلى جانب مشروع «طنجة المتوسط 3»، في مسار يعكس توجه المملكة نحو ترسيخ موقعها باعتبارها قطباً بحرياً ولوجستيكياً رئيسياً في حوض البحر الأبيض المتوسط.
ولا تقتصر هذه الدينامية على توسيع القدرات المينائية وتعزيز حركة المبادلات التجارية الدولية، بل تتجاوز ذلك إلى إرساء نموذج تنموي متكامل يجعل من البنيات التحتية الكبرى محركاً للاستثمار والتصنيع والتشغيل، ورافعة لتحقيق التنمية المجالية وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للساكنة.
جلسة عمل ملكية تؤكد البعد التنموي للمشاريع الكبرى
شكلت جلسة العمل التي ترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط، محطة جديدة في مسار تنزيل الاستراتيجية المينائية الوطنية، حيث خُصصت لتتبع تقدم مشروعي «الناظور غرب المتوسط» و«طنجة المتوسط 3»، والوقوف على آفاقهما الاقتصادية والاجتماعية.
وقد أبرزت هذه الجلسة الأهمية الاستراتيجية التي توليها المملكة للمشاريع المينائية الكبرى، ليس فقط باعتبارها بنيات لاستقبال السفن ومعالجة الحاويات، وإنما بوصفها منظومات اقتصادية متكاملة قادرة على استقطاب الاستثمارات الصناعية واللوجستية والطاقية، وإحداث فرص الشغل، وتثمين المؤهلات الاقتصادية للأقاليم المستفيدة.
وفي هذا السياق، شدد جلالة الملك على ضرورة ضمان استفادة المجالات الترابية والساكنة المحلية من الآثار الإيجابية لهذه الاستثمارات، مع تسريع تفعيل برامج تكوينية تستجيب لحاجيات الأنشطة الاقتصادية الجديدة، بما ييسر الإدماج المهني للشباب.
من سنة 2002 إلى اليوم.. مسار استراتيجي متواصل
تعود اللبنات الأولى لهذه الرؤية إلى 29 غشت 2002، عندما ترأس جلالة الملك جلسة عمل خصصت لإطلاق مشروع طنجة المتوسط، الذي شكل منعطفاً في تطوير البنيات التحتية المينائية المغربية وتعزيز اندماج الاقتصاد الوطني في سلاسل التجارة العالمية.
وتواصل هذا المسار خلال جلسة العمل المنعقدة في 26 أبريل 2007، التي مهدت لتطوير قدرات مينائية إضافية على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، قبل أن تمتد الرؤية الملكية نحو جهة الشرق في 2 يوليوز 2009، من خلال إعطاء التعليمات لإنجاز المركب المينائي والصناعي «الناظور غرب المتوسط».
وبعد سنوات من الدراسات والإنجاز والتعبئة الاستثمارية، دخل هذا المشروع مرحلة حاسمة، خاصة عقب جلسة العمل التي ترأسها جلالة الملك بمدينة الدار البيضاء في 28 يناير 2026، والتي خُصصت لتقييم تقدم الأشغال والاستعدادات المرتبطة بدخول المركب حيز الاستغلال.
وهكذا، يتضح أن المشاريع المينائية المغربية ليست أوراشاً معزولة، بل حلقات مترابطة ضمن استراتيجية طويلة الأمد تستهدف تعزيز السيادة الاقتصادية والطاقية، وتنويع الأقطاب الصناعية واللوجستية، وتقوية موقع المملكة في المبادلات الدولية.
الناظور غرب المتوسط.. 54 مليار درهم لتأسيس قطب اقتصادي وطاقي جديد
يمثل المركب المينائي والصناعي «الناظور غرب المتوسط» أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها المملكة لإحداث تحول اقتصادي بجهة الشرق.
وبحسب المعطيات التي أوردتها وكالة المغرب العربي للأنباء، بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة المعبأة لهذا المشروع حوالي 54 مليار درهم، بما يعكس حجمه وأهميته في المنظومة الاقتصادية الوطنية.
ومن المرتقب أن توفر المحطة الأولى للحاويات، التي ينتظر دخولها مرحلة الاستغلال خلال الأيام المقبلة، قدرة استيعابية تصل إلى 3.5 ملايين حاوية، على أن تتعزز هذه الطاقة بدخول محطة ثانية حيز الخدمة في أبريل 2027، بقدرة إضافية تبلغ 1.8 مليون حاوية.
ولا تنحصر أهمية المشروع في نشاطه التجاري واللوجستي، إذ يضم بعداً طاقياً استراتيجياً من خلال منشآت تخزين المحروقات ومشروع محطة للغاز الطبيعي المسال، قد تصل قدرتها على المعالجة إلى خمسة مليارات متر مكعب سنوياً.
ومن شأن هذه المكونات، عند استكمالها وتشغيلها، أن تسهم في تعزيز قدرات المملكة في مجال تخزين الطاقة وتدبير الإمدادات، بما يدعم الأمن الطاقي الوطني ويواكب حاجيات النسيج الاقتصادي والصناعي.
طنجة المتوسط 3.. استثمارات جديدة لتعزيز التنافسية الدولية
بالموازاة مع تقدم مشروع الناظور غرب المتوسط، تستعد المملكة لتعزيز قدرات المركب المينائي طنجة المتوسط من خلال مشروع «طنجة المتوسط 3»، الذي تبلغ كلفته الاستثمارية المرتقبة ثمانية مليارات درهم.
وينتظر أن يضيف المشروع قدرة استيعابية تصل إلى 4.5 ملايين حاوية سنوياً، بما يعزز موقع المركب ضمن الشبكات الدولية للنقل البحري والخدمات اللوجستية.
وعلى المدى البعيد، تستهدف هذه التوسعة رفع الطاقة الاستيعابية الإجمالية لمركب طنجة المتوسط إلى نحو 20 مليون حاوية سنوياً، في إطار الطموح المغربي للانضمام إلى قائمة أكبر عشرة موانئ في العالم.
ويعكس هذا التوجه حرص المملكة على مواكبة التحولات المتسارعة التي تعرفها التجارة البحرية الدولية، وتعزيز جاذبيتها لدى الفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين، خصوصاً في القطاعات الصناعية المرتبطة بالتصدير والخدمات اللوجستية.
34 ألف فرصة شغل مرتقبة.. التنمية المحلية في صلب الرؤية
إلى جانب الأرقام المرتبطة بالاستثمارات والقدرات المينائية، يبرز التشغيل باعتباره أحد أهم الرهانات الاقتصادية والاجتماعية لمشروع الناظور غرب المتوسط.
وفي هذا الإطار، كشف المدير العام لميناء طنجة المتوسط، إدريس أعرابي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط يرتقب أن يساهم في إحداث 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر على المدى القريب.
وتبرز هذه التوقعات الإمكانات التي يمكن أن يتيحها المشروع لفائدة الشباب والمقاولات المحلية، سواء من خلال الأنشطة المينائية والصناعية أو عبر الخدمات الموازية المرتبطة بالنقل والصيانة والتخزين والتوزيع.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطاً بمدى قدرة المنظومة الاقتصادية والتكوينية على توفير الكفاءات المطلوبة، وتأهيل الموارد البشرية المحلية للاستفادة من فرص العمل والاستثمار التي ستواكب دخول المشروع مرحلة الاستغلال.
ومن هنا تبرز أهمية التوجيهات الملكية المتعلقة بتسريع إعداد برامج تكوين مهني ملائمة لحاجيات الأنشطة الناشئة، بما يضمن تحويل الاستثمارات الكبرى إلى فرص اقتصادية واجتماعية ملموسة.
من الموانئ إلى التنمية الترابية.. الرهان يتجاوز البنيات التحتية
تؤكد المشاريع المينائية الجديدة أن الرهان المغربي لم يعد يقتصر على امتلاك موانئ ذات قدرات استيعابية مرتفعة، بل أصبح يشمل بناء منظومات اقتصادية قادرة على إحداث تحولات تنموية في المجالات المحيطة بها.
فالميناء الحديث لم يعد مجرد نقطة لعبور البضائع، وإنما فضاء اقتصادي تتقاطع فيه الصناعات والخدمات اللوجستية والأنشطة الطاقية والتكوين المهني والاستثمار الخاص.
وفي هذا السياق، تكتسي التوجيهات الملكية المتعلقة باستفادة الساكنة المحلية من ثمار هذه المشاريع أهمية خاصة، بالنظر إلى ضرورة تحقيق التوازن بين حجم الاستثمارات المرصودة والنتائج الاقتصادية والاجتماعية المنتظرة.
كما يطرح هذا التوجه تحديات مرتبطة بتطوير البنيات التحتية الطرقية والسككية، وتأهيل المناطق الصناعية، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وضمان اندماجها في سلاسل القيمة المرتبطة بالمشاريع الكبرى.
جهة بني ملال–خنيفرة.. أي موقع ضمن الدينامية اللوجستية الوطنية؟
وبالنظر إلى التحولات التي تشهدها المنظومة المينائية المغربية، تبرز أهمية التفكير في سبل ربط الجهات الداخلية بهذه الدينامية الاقتصادية، وفي مقدمتها جهة بني ملال–خنيفرة، التي تتوفر على مؤهلات فلاحية وصناعية ومنجمية مهمة.
فالاستثمارات المينائية الكبرى يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة أمام المنتجات الفلاحية والصناعات الغذائية لحوض تادلة، والصناعات المرتبطة بالحوض الفوسفاطي لخريبكة، شريطة تطوير شبكات النقل والربط اللوجستي التي تتيح للفاعلين الاقتصاديين بالجهة الولوج إلى الأسواق الوطنية والدولية بتكاليف تنافسية.
وفي هذا الإطار، يكتسي النقاش حول مشاريع الربط السككي، والمنصات اللوجستية، والميناء الجاف، وتأهيل المحاور الطرقية، أهمية متزايدة في تحديد موقع الجهة ضمن سلاسل الإنتاج والتوزيع والتصدير.
وإذا كانت المشاريع المينائية تتركز جغرافياً في المناطق الساحلية، فإن أثرها الاقتصادي يمكن أن يمتد إلى الجهات الداخلية، متى توفرت سياسات متكاملة للربط الترابي وتحفيز الاستثمار وتأهيل الموارد البشرية.
ومن هذا المنطلق، يظل التحدي المطروح أمام الفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين بجهة بني ملال–خنيفرة هو الانتقال من موقع المستفيد غير المباشر من التحولات الوطنية إلى موقع الشريك الفعلي في الدينامية الصناعية واللوجستية التي تشهدها المملكة.
المغرب يعزز طموحه البحري في الفضاء المتوسطي
وفي قراءة للأبعاد الاستراتيجية لهذه المشاريع، أكد المدير العام للناظور غرب المتوسط، محمد جمال بنجلون، أن مشروعي الناظور غرب المتوسط وطنجة المتوسط 3 يندرجان في صلب الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز تموقع المملكة باعتبارها قوة بحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
ويعكس هذا الطموح توجهاً نحو استثمار الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمغرب، عند ملتقى المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وتعزيز قدرته على استقطاب التدفقات التجارية والاستثمارات الصناعية والطاقية.
كما يعزز تنويع الأقطاب المينائية إمكانات المملكة في مواكبة التحولات التي تعرفها سلاسل الإمداد العالمية، وتقوية تنافسية اقتصادها، وترسيخ مكانتها ضمن الشبكات الدولية للتجارة والنقل البحري.
رؤية ممتدة.. والنتائج تقاس بأثرها على المواطن
من طنجة المتوسط سنة 2002، إلى الناظور غرب المتوسط، وصولاً إلى مشروع طنجة المتوسط 3، تتواصل عملية تطوير المنظومة المينائية الوطنية ضمن رؤية ملكية استراتيجية تربط بين الانفتاح على الاقتصاد العالمي وتعزيز السيادة الاقتصادية وتحقيق التنمية المجالية.
وبين الاستثمارات المعبأة والقدرات المينائية المنتظرة وفرص التشغيل المعلنة، تتضح معالم مرحلة جديدة في تطور البنيات التحتية المغربية، عنوانها الانتقال من إنجاز المشاريع الكبرى إلى تعظيم آثارها الاقتصادية والاجتماعية.
ويبقى المعيار الأساسي لنجاح هذه الأوراش، إلى جانب أدائها التجاري واللوجستي، هو قدرتها الفعلية على خلق فرص الشغل المستدامة، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتقليص الفوارق المجالية.
فالموانئ الكبرى لا تقاس فقط بعدد الحاويات التي تعبر أرصفتها، وإنما أيضاً بحجم الفرص التي تفتحها أمام الاقتصاد الوطني، وبمدى انعكاس ثمارها على حياة المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.
---
أطلس 24 | متابعة
المصدر: وكالة المغرب العربي للأنباء (ومع)، 29 أكتوبر 2026، مع إعادة الصياغة والمعالجة التحريرية وإضافة قراءة في الانعكاسات المحتملة على جهة بني ملال–خنيفرة.
ATLAS24.MA

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق