أفق "الخطاب الاحتمالي" في الدرس البلاغي المغربي



فاطمة الزهراء سلوان / متدربة 
عن دار "أفريقيا الشرق"، صدر حديثاً للباحث والأكاديمي المغربي إدريس جبري مؤلف نقدي جديد بعنوان "البلاغة المغربية الجديدة أو البلاغة العامة وتحليل أنواع الخطاب الاحتمالي"، وهو العمل الذي يأتي ليشكل لبنة أساسية في صرح المدرسة المغربية التي تسعى منذ عقود لإعادة الاعتبار للبلاغة كآلية فلسفية وتداولية لفهم تعقيدات الخطاب الإنساني. وفي هذا الكتاب، لا يكتفي جبري باستعراض النظريات التقليدية، بل يطرح مفهوماً مركزياً سماه "تمغربيت" في البلاغة، ويقصد به تلك القدرة الفذة للدرس البلاغي المغربي على التجدد من داخل الإرث الثقافي والحضاري مع الانفتاح الواعي على التفاعلات الكونية، مما يمثل محاولة جادة لفك الارتباط بين البلاغة المدرسية المختزلة وبين البلاغة العامة التي تمد جسورها نحو الكلية والشمولية.

​ويقوم مشروع الكتاب على مرتكزات كبرى تجعله متميزاً في المكتبة العربية المعاصرة، حيث يستند إلى تراكم معرفي بدأ مع نظرية البلاغة العامة عند محمد العمري، متفاعلاً مع اجتهادات "جماعة البلاغة وتحليل الخطاب"، لكنه لا يقف عند حدود التنظير بل يقتحم حقولاً تحليلية بكر؛ فحص من خلالها المؤلف خطابات متنوعة شملت الخطاب التاريخي حول اللغة الأمازيغية، وبلاغة السخرية في السرد، وصولاً إلى تحليل الخطاب السياسي المغربي وتجلياته المأساوية، وما سماه البلاغيون بالأهواء ، كما امتد التحليل ليشمل الخطاب القانوني عبر مرافعات تاريخية، والخطاب الفلسفي عند نيتشه وبيرلمان، باحثاً عن نقاط التقاطع بين التجربة الإنسانية والمنظور البلاغي الجديد.

​إن جوهر ما يطرحه هو تحليل "الخطاب الاحتمالي"، وهو الخطاب الذي يتحرك في منطقة "ما يمكن أن يكون"، حيث لا توجد حقائق مطلقة بل حجج وبراهين ومشاعر، ومن خلال هذا المنظور تصبح البلاغة أداة ديمقراطية بامتياز تفتح باب الحوار والتأويل وتفكك آليات الإقناع في مختلف المحافل. ويعد هذا العمل في مجمله دعوة صريحة لإعادة قراءة الواقع بعيون بلاغية معاصرة، مؤكداً أن المغرب نجح في غرس بذور بلاغية جديدة أثمرت رؤية نقدية قادرة على تحليل أعقد الخطابات الراهنة بكثير من العمق، ليصدق عليه وصف أن البلاغة غُرست في المغرب فأثمرت رطباً جنياً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق