غلاء الخضر والفواكه ليس قدراً: الشركات الجهوية كمدخل لاستعادة الدولة لوظائف السوق




بقلم : كمال العشابي 

​في المغرب، لم يعد ممكناً حصر ارتفاع أسعار الخضر والفواكه في عوامل المناخ أو كلفة الإنتاج وحدها؛ إذ تؤكد معطيات المؤسسات الرسمية أن جوهر المشكلة يكمن في "مرحلة ما بعد الإنتاج"، أي في مسالك التجميع، التخزين، والتوزيع. ويشخص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هذه الوضعية باختلالات تنظيمية ووظيفية عميقة، أبرزها ضعف قدرة صغار الفلاحين على التنظيم، وبطء التحول الرقمي، وضياع كميات هائلة من المنتجات عبر قنوات التسويق. أمام هذا الوضع، لم يعد السؤال الجوهري هو: كم ننتج؟ بل الأهم: كيف نسوّق ونوزع؟ ومن يربح في المسافة الفاصلة بين الحقل وقفة المستهلك؟

​وتتضاعف وجاهة هذا التساؤل حين تظهر المؤشرات الرسمية أن المغرب يحقق وفرة إنتاجية تغطي الاحتياجات الوطنية، ومع ذلك تظل الأسعار متقلبة ومنفصلة عن منطق العرض المتاح. وتكشف نشرات وزارة الفلاحة وجود فجوة حادة بين أسعار الجملة وأسعار البيع النهائي، مما يثبت أن كلفة التداول ليست هامشاً ثانوياً، بل محرك أساسي للثمن. لذا، فإن الأزمة في عمقها هي أزمة "تنظيم سوق" و"فعالية لوجستية" وليست مجرد أزمة ندرة.

​كما تشير الوثائق الرسمية إلى أن جزءاً معتبراً من المبادلات يتم خارج القنوات المنظمة والشفافة، مما يعيق تتبع الأسعار وهوامش الربح. وفي هذا السياق، يبرز تقرير مجلس المنافسة الدور المحوري للوسطاء، الذين يكتسبون نفوذاً سعرياً يفوق دور المنتجين أنفسهم، مستغلين غياب الشفافية المعلوماتية، وضعف البنية التحتية للتخزين، وتشتت حلقات التجميع.

​من هنا، تبرز ضرورة التفكير في إحداث شركات جهوية عمومية أو شبه عمومية تضطلع بمهام التجميع، الفرز، التخزين، وربط العرض بالطلب ترابياً. لا يهدف هذا المقترح إلى تأميم القطاع، بل إلى استرجاع الدولة والجهات لدورها "الناظم" للسوق. وإذا كانت المؤسسات الرسمية تنادي بتقوية التنسيق الترابي وتطوير القنوات القصيرة، فإن الشركة الجهوية تمثل الأداة التنفيذية لدمج هذه الوظائف ضمن بنية واحدة خاضعة للمحاسبة على النتائج.

​تكمن القيمة المضافة لهذه الشركات في تقليص "الكلفة غير المنتجة"؛ وهي التكاليف التي ترفع السعر دون تحسين الجودة، نتيجة التلف وتعدد الوسطاء. فبينما تنخفض خسائر المنتجات الموجهة للتصدير بفضل التبريد والتثمين، تصل خسائر ما بعد الجني في السوق المحلية إلى ما بين 20 و40%. لذا، فإن الاستثمار في اللوجستيك الجهوي هو سياسة اقتصادية مباشرة لخفض الأسعار عبر تقليص الهدر وزيادة العرض الفعلي.

​إن المقاربة الجهوية تمنح مرونة عالية في التعامل مع سلع سريعة التلف تتأثر بالمسافة والموسمية. فوجود شركة جهوية تدير مخازن التبريد وتنشر بيانات الأسعار اليومية، من شأنه ردم الفجوة بين مناطق الوفرة ومناطق الطلب، والحد من "الندرة المفتعلة". كما يوفر هذا النموذج مظلة حماية لصغار المنتجين الذين يفتقرون للقدرة التفاوضية والوسائل اللوجستية للوصول المباشر إلى الأسواق المنظمة.

​هذا التصور يتقاطع مع التوجهات الاستراتيجية للدولة، حيث تضمنت استراتيجية "الجيل الأخضر 2020-2030" مشاريع لعصرنة أسواق الجملة، مثل مشروع الجديدة المبتكر. وهي خطوات تؤكد القناعة الرسمية بأن ضبط الأسعار يمر حتماً عبر إصلاح "البنيات الوسيطة" وليس فقط عبر المراقبة الزجرية للأثمان النهائية.

​ومع ذلك، يظل نجاح هذه الشركات رهيناً بنموذج حكامتها. فالمطلوب ليس خلق "وسيط بيروقراطي" جديد يثقل كاهل السلسلة، بل بناء مؤسسة تشاركية (تضم الجهة، الجماعات، الدولة، والمهنيين) يُربط تمويلها بمؤشرات أداء دقيقة: تقليص الهدر، رقمنة المعاملات، وضمان عدالة التوزيع.

​في الختام، يمثل إحداث الشركات الجهوية مشروعاً يعيد تعريف دور السلطة العمومية كفاعل "منظم" للبنية التحتية والمعلوماتية، لا مجرد مراقب متأخر. إن اختصار الطريق بين الحقل والمائدة هو السبيل الوحيد لإعادة الشفافية والكفاءة للسوق المغربية، وحماية القدرة الشرائية من تضخم لا تبرره تكاليف الإنتاج بقدر ما يغذيه سوء التنظيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق