شغب الرباط ورهان السيادة الرياضية في أفق مونديال 2030




ايوب هناد

لم تكن ليلة الثلاثين من أبريل 2026 مجرد ذكرى عابرة في سجلات البطولة الاحترافية، بل كانت لحظة كاشفة وضعت الطموح المونديالي للمملكة أمام مرآة الحقيقة. فبينما كانت الأنظار تتجه صوب ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط لمتابعة كلاسيكو الجيش الملكي والرجاء الرياضي، تحول الفضاء الذي أعيد بناؤه ليحتضن 70 ألف متفرج إلى ساحة لصدام لم يوقفه سوى تدخل العناصر الأمنية. إن المشاهد التي تناقلتها العدسات لم تكن تعكس خسارة رياضية فحسب، بل كانت تعبيرا عن جرح سوسيولوجي غائر امتد ليفجر حالة من الفوضى في حي الفتح المجاور، مخلفا وراءه تخريبا طال ممتلكات المواطنين ورشقا مكثفا بالحجارة طال عناصر الأمن.

أمام هذا الانفلات، جاء رد العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية سريعا ومحملا بدلالات سياسية أعمق من مجرد عقوبات رياضية؛ إذ تقرر حرمان فريق الجيش الملكي من جماهيره لـ 5 مباريات، والرجاء لـ 3 مباريات، مع فرض حظر تنقل شامل لمشجعيهما حتى نهاية الموسم. هذه القرارات، التي شملت غرامات مالية بقيمة 400 ألف درهم وإلزامية إصلاح الأضرار، لم تكن تستهدف الأندية في ذاتها، بل كانت محاولة لترميم السمعة الدولية للمغرب في وقت تشتد فيه المنافسة مع إسبانيا على انتزاع شرف استضافة المباراة النهائية لمونديال 2030. إن الرسالة المغربية للفيفا واضحة لا تسامح مع أي سلوك يخدش بريق الملف المشترك، حتى لو تطلب الأمر شل الحركة الجماهيرية لأكبر فصيلين في البلاد.

 إن تحليل الصورة الدولية يضعنا أمام مقارنة حتمية مع الجار الإسباني؛ فإذا كان الإعلام في مدريد يحاول توظيف أي انفلات أمني مغربي لتعزيز حظوظ ملعب "سانتياغو بيرنابيو"، فإن الواقع في إسبانيا ليس ورديا هو الآخر. ففي فبراير 2026، شهد ملعب "إل سادار" ببامبلونا أعمال شغب عنيفة وتدخلا شرطيا خشنا أعاد للذاكرة صور الهوليغانز القديمة. يضاف إلى ذلك القنبلة الموقوتة المتمثلة في العنصرية الممنهجة التي تلاحق الملاعب الإسبانية، والتي وصلت إلى حد إصدار الفيفا لتحذيرات رسمية لمدريد، مما يجعل الكفتين متساويتين في حجم التحديات الأخلاقية والأمنية.

يرى خبراء السوسيولوجيا، وعلى رأسهم عبد الرحيم بورقية، أن الشغب في المغرب هو صرخة لفئات تعاني من التهميش، حيث تتحول المدرجات إلى فضاء لتصريف الإحباطات الاجتماعية. غير أن هذا التفسير لا يعفي الأندية وفصائل الإلتراس من مسؤوليتها التاريخية في التأطير، فالدولة التي تستثمر 50 مليار درهم لتطوير البنية التحتية الرياضية، لا يمكنها أن تظل رهينة لسلوكيات طائشة تهدد الأمن القومي الرياضي. لذا، فإن التوجه الحالي نحو الانضمام لاتفاقية "سانت دوني" واعتماد قانون إطار جديد للفعاليات الرياضية يمثل خطوة استراتيجية نحو مأسسة الأمن الرياضي للمملكة.

إن أحداث شغب الرباط ، رغم ما خلفته من ألم وصور مشوهة، يجب أن تكون اللقاح الذي يقوي مناعة الملف المغربي لمونديال 2030. فالدرس المستفاد هو أن الحجر وحده لا يبني مجدا رياضيا، بل إن رقي البشر هو الذي يمنح الملاعب روحها وقيمتها. الدولة اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى، بتفعيل مقاربة شمولية تتجاوز الزجر الأمني لتشمل الإصلاح التربوي، والتمكين الرقمي، والحوار الصريح مع الجماهير. إن ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، بسعته الخرافية، ينتظر جماهير تليق بعظمته.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق