بقلم : محمد المخطاري
تطرح الديناميكيات الاجتماعية في منطقة تادلة، وتحديداً بمركز "الفقيه بن صالح"، تساؤلات جوهرية حول ماهية الروابط التي تجمع المكونات البشرية لهذا الإقليم. ولعلّ الجدل الدائر حول مفهوم "الخاوة" بين قبائل بني عمير، بني موسى، وبني شكدال، يعكس صراعاً خفياً بين موروث تاريخي ثابت وبين تحالفات براغماتية تفرضها سياقات العصر الحديث.
الروابط التاريخية: وحدة الأصل في مواجهة الزمن
يرى باحثون ومتابعون للشأن المحلي أن "الخاوة الحقيقية" التي تصمد أمام الفحص التاريخي والسوسيولوجي هي تلك التي تجمع بين بني عمير وبني شكدال. هذا الترابط ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لتحالفات تقليدية موثقة في الذاكرة الشعبية، تعززها تقاربات في العادات والأصول السلالية التي شكلت العمود الفقري للمنطقة لقرون. في هذا السياق، يُنظر إلى هذه العلاقة بوصفها "ثابتاً" لا يتأثر بتقلبات السياسة أو التقسيمات الإدارية.
"الخاوة" المستحدثة: هل هي تحالف للمصلحة؟
في المقابل، يبرز تكتل "الخاوة العميرية الموساوية"، خاصة في أوساط الجالية المقيمة بالخارج (كما يظهر في ملصق "يوم دراسي تواصلي" المنظم مستقبلا بالمركب الثقافي بالفقيه بن صالح). وهنا يطرح التساؤل: هل هي "خاوة" أصل أم "خاوة" جغرافيا؟
من وجهة نظر محايدة، يبدو أن انضواء هاتين القبيلتين تحت لواء جمعوي موحد هو استجابة لواقع إداري وجغرافي يجمعهما داخل إقليم واحد. فالمصالح التنموية المشتركة، والرغبة في تعزيز "التنمية الترابية"، تتطلب نوعاً من "الخاوة الوظيفية" التي تتجاوز البحث في الأصول السلالية لتصل إلى تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية راهنة.
في نفس يعقوب: قراءة في الدوافع
إن وصف البعض لهذه التحالفات بأنها "مستحدثة لشيء في نفس يعقوب" يفتح الباب أمام تأويلات متعددة. فمن الممكن أن تكون هذه "الخاوة" الجديدة أداة لصناعة نفوذ محلي أقوى، أو وسيلة لتدبير ملفات حساسة مثل "الهجرة وإدماج المهاجر" بكتلة بشرية وازنة. ففي عالم اليوم، غالباً ما تتراجع "الروابط الدموية" أمام "الروابط المصلحية" التي تخدم التموقع في المشهد السياسي والجمعوي.
يبقى التمييز بين الخاوة التاريخية (عمير وشكدال) والخاوة الإدارية/التنموية (عمير وموسى) ضرورة لفهم التحولات التي يشهدها إقليم الفقيه بن صالح. فبينما يظل التاريخ شاهداً على الأصول، تظل الجغرافيا والمصلحة المشتركة المحرك الأساسي للفعل الجمعوي المعاصر، وهو ما يجعل من "الخاوة" مصطلحاً مطاطاً يتشكل حسب حاجة اللحظة الراهنة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق