في ساعة متأخرة من ليلة الإثنين/الثلاثاء (3 فبراير 2026)، أسدلت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس الستار على فصيل جديد من فصول قضية "التآمر على أمن الدولة 2"، مصدرةً حكماً مشدداً يقضي بسجن زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، لمدة 20 عاماً. هذا الحكم لم يكن مجرد رقم في سجلات القضاء، بل جاء بمثابة رسالة سياسية وقانونية حاسمة في مشهد تونسي يزداد تعقيداً.
بعد أن قضت المحكمة الابتدائية في يوليوز الماضي بسجن الغنوشي 14 عاماً، جاءت محكمة الاستئناف لترفع العقوبة بمقدار 6 سنوات إضافية. واستندت المحكمة في هذا "التشديد" إلى خطورة التهم الموجهة التي شملت:
تكوين وفاق إرهابي: لمحاولة "تبديل هيئة الدولة" وارتكاب جرائم عنف.
التآمر الداخلي: التخطيط لزعزعة الأمن عبر اختراق مؤسسات سيادية.
التدريب والانتداب: استغلال تراب الجمهورية ودول أجنبية لأغراض تنظيمية غير مشروعة.
لم يكن الغنوشي وحده في عين العاصفة، فقد طالت الأحكام قائمة طويلة من الشخصيات المقيمة في الخارج، حيث صدرت أحكام بالسجن لمدة 35 عاماً مع النفاذ العاجل بحق كل من:
نادية عكاشة (مديرة الديوان الرئاسي السابقة).
رفيق عبد السلام (وزير الخارجية الأسبق وصهر الغنوشي).
معاذ الغنوشي (نجل راشد الغنوشي).
كمال القيزاني (رئيس المخابرات السابق).
في المقابل، تم فصل ملف رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد عن هذه الأحكام مؤقتاً، بانتظار مآل الطعن الذي قدمه ضد قرار إحالته.
انقسم الشارع التونسي والأوساط السياسية كالعادة أمام هذا الحكم:
المؤيدون لمسار 25 يوليو: يرون في هذه الأحكام "نهاية لسنوات الإفلات من العقاب" وخطوة ضرورية لتطهير مفاصل الدولة من تنظيمات يتهمونها بالفساد والتآمر.
المعارضة وهيئة الدفاع: تصف الأحكام بأنها "سياسية بامتياز" وتفتقر لضمانات المحاكمة العادلة، معتبرة أن سجن شيخ ثمانيني (84 عاماً) لمدة إجمالية تتجاوز 50 عاماً (في قضايا مختلفة) هو بمثابة "حكم بالإعدام البطيء".
بهذا الحكم، يجد راشد الغنوشي نفسه أمام أفق قانوني مسدود، حيث بات مجموع الأحكام الصادرة ضده يشكل عبئاً ثقيلاً ينهي فعلياً مسيرته السياسية التي بدأت منذ عقود. ومع استمرار السلطة في نهج "المحاسبة القضائية"، تدخل تونس مرحلة جديدة من ترسيخ واقع سياسي لا مكان فيه لرموز "العشرية السابقة".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق