أنهت الانتخابات الجماعية والمهنية الجزئية بجهة بني ملال خنيفرة (اقتراع 5 ماي) فصلاً من التشويق السياسي، معلنةً عن تحول راديكالي في موازين القوى المحلية. وبينما احتفل حزب "الأصالة والمعاصرة" بصدارته الجديدة، بدأت الأسئلة المقلقة تلاحق حزب "التجمع الوطني للأحرار" حول أسباب تراجعه الدراماتيكي في جهة كانت إلى أمد قريب حصنه الحصين.
وفق النتائج المعلنة، بسط حزب الأصالة والمعاصرة سيطرته على المشهد بظفره بـ 18 مقعداً (17 جماعياً ومقعد مهني)، مستفيداً من "خارطة طريق" تنظيمية جديدة. ويرى مراقبون أن "البام" استطاع ملء الفراغ الذي خلفه منافسوه عبر قيادة جهوية وإقليمية جديدة اتسمت بالدينامية والقدرة على إعادة تجميع النخب وتعبئة القواعد، مما أثمر اكتساحاً في أقاليم كالفقيه بن صالح وخريبكة وصموداً قوياً في بني ملال.
في المقابل، شكلت نتائج حزب التجمع الوطني للأحرار (12 مقعداً) صدمة للمتتبعين، خاصة عند مقارنتها باكتساح 2021 (155 عضواً بإقليم بني ملال و853 جهوياً). وتؤكد القراءات الميدانية أن هذا "التدني" هو انعكاس مباشر لتغيير في هرم التنسيق الجهوي والإقليمي، وهو التغيير الذي لم يمر برداً وسلاماً على الحزب.
فبدلاً من ضخ دماء جديدة، أدى التغيير الأخير إلى ما يشبه "فقدان البوصلة" السياسية. ويرى فاعلون محليون أن ضعف التدبير الحزبي في هذه المرحلة أفرز نوعاً من "أزمة الثقة" بين القواعد والقيادة، مما أدى إلى انهيار المجهود التنظيمي التاريخي للحزب بالجهة. هذا الارتباك دفع بالعديد من الكفاءات والأعضاء الوازنين إلى "التواري للخلف" واتخاذ موقف المتفرج، في مؤشر قوي على استعدادات جدية لـ "رحيل جماعي" نحو آفاق سياسية أخرى.
إقليم بني ملال كان الشاهد الأكبر على هذا التحول؛ حيث تفوق حزب الاستقلال بـ 4 مقاعد (رغم كونه الثالث في 2021)، متبوعاً بـ "البام" بـ 3 مقاعد، في حين تراجع "الأحرار" إلى مقعدين فقط. هذه النتائج تعكس بوضوح أن الناخب (والنخب) في بني ملال بدأ يبحث عن بدائل تنظيمية أكثر استقراراً ووضوحاً في الرؤية.
أثبتت جزئيات 5 ماي أن الشعارات السياسية لا تكفي لحسم الصناديق في غياب "ماكينة" حزبية قوية ومتماسكة. فبينما نجح "البام" في استعادة بريقه بفضل هندسة تنظيمية محكمة، يبدو أن "الأحرار" يدفع ضريبة "التصدع الداخلي" وفقدان الجاذبية التنظيمية، مما يضع الحزب أمام تحدي حقيقي لإعادة ترتيب بيته الداخلي قبل فوات الأوان، خاصة مع تزايد مؤشرات هجرة الأطر نحو أحزاب المنافسين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق