حين تصبح التزكيات "إرثاً عائلياً".. احتكار الشأن العام وموت الحافز الديمقراطي




​تشهد الساحة السياسية مع اقتراب كل استحقاق انتخابي مفارقة بنيوية مقلقة؛ فبدل أن تكون الانتخابات محطة لتجديد النخب وضخ دماء جديدة تعكس نبض المجتمع، تتحول إلى موسم لترسيخ "شخصنة الأحزاب" وتكريس النفوذ الفردي والعائلي. الأخطر في هذا المسار هو مصادرة آليات التمييز الإيجابي—التي شُرعت لإنصاف الكفاءات النسائية والشبابية—وتحويلها إلى مساحات للريع العائلي والترضيات المغلقة، حيث تتصدر القوائم زوجات أو بنات أو أخوات المتنفذين، على حساب المناضلات والكفاءات الميدانية.

​السياسة من نضال عمومي إلى مهنة ومصدر ريع

إن جوهر الأزمة لا يقف عند حدود "المحاباة"، بل يمتد إلى تحول العمل السياسي من التزام وطني وتنافس برامجي إلى مهنة مدرّة للوجاهة والمكاسب المادية. لقد أدى هذا التحول إلى احتكار فئة محدودة من "محترفي الانتخابات" للمشهد الحزبي، وتحييد النخب الفكرية والسياسية الحقيقية. وحين يُصبح الولاء للشخص أو القرابة العائلية هو المعيار الأوحد لنيل التزكية، تفقد المؤسسة الحزبية دورها الدستوري في التأطير والتمثيل، وتتحول إلى مجرد منصات إجرائية لخدمة طموحات فئوية ضيقة.

​اغتيال المنافسة والعزوف الانتخابي الواعي

يترتب على هذا الإغلاق الممنهج أثر مباشر وبالغ الخطورة على ثقة المواطن في العملية الديمقراطية برمتها:

​توقع النتائج مسبقاً: عندما تصبح التزكيات محسومة لشبكات نفوذ متوارثة، يفقد الناخب الشعور بجدوى صوته، إذ يدرك أن قواعد اللعبة كُرّست لإعادة إنتاج نفس الوجوه والولاءات.

​النزيف الحاد في المشاركة: لم يعد تراجع نسب التصويت مجرد لا مبالاة أو عزوف عشوائي، بل صار رسالة احتجاج سياسي واعية على فرض أمر واقع مغلق لا يتيح التغيير الحقيقي.

​خارطة طريق لاستعادة المصداقية الحزبية

إن الخروج من عنق هذه الأزمة وتفادي تفاقم الفجوة بين المجتمع والمؤسسات يتطلب تدابير هيكلية حاسمة تشمل:

​مأسسة التزكيات بقوة القانون: فرض تصويت ديمقراطي شفاف وقواعد تمهيدية داخلية لاختيار المرشحين، ونزع صلاحية الحسم المطلق من أيدي اللجان الفردية أو المكاتب السياسية المغلقة.

​منع تعارض المصالح والمحاباة العائلية: تجريم ترشيح الأقارب من الدرجة الأولى لقيادات الحزب في اللوائح المخصصة للتمييز الإيجابي، وتحديد سقف الاستفادة منها في ولاية واحدة غير قابلة للتجديد.

​الاستحقاق والشفافية: إرساء شبكات تنقيط موضوعية مبنية على الكفاءة، والأقدمية النضالية، والامتداد الشعبي، مع ربط الدعم العمومي المقدم للأحزاب بمدى التزامها بهذه المعايير.

​إن استعادة ثقة المواطنين في صناديق الاقتراع ليست ترفاً تدبيرياً، بل هي مدخل حاسم لتحصين المشهد العام؛ فالأحزاب التي تعجز عن تطبيق الديمقراطية داخل هياكلها لا يمكنها أن تبني تعاقداً ديمقراطياً موثوقاً مع المجتمع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق