الحوار الاجتماعي 2026: تكريس للدولة الاجتماعية ومواجهة لتحديات القدرة الشرائية
الرباط – 17 أبريل 2026
في محطة مفصلية تعكس التزام السلطة التنفيذية والشركاء الاجتماعيين بمسار "الدولة الاجتماعية"، احتضنت العاصمة الرباط، اليوم الجمعة، جولة أبريل من الحوار الاجتماعي برئاسة السيد عزيز أخنوش، رئيس الحكومة. وشكلت هذه الجولة مناسبة لاستعراض حصيلة المنجزات الحكومية غير المسبوقة، في مقابل رفع المركزيات النقابية لسقف مطالبها الرامية لحماية القدرة الشرائية للشغيلة المغربية في ظل سياق اقتصادي متقلب.
الحكومة: الحوار الاجتماعي خيار استراتيجي لا ظرفي
في كلمته الافتتاحية، شدد السيد أخنوش على أن الحوار الاجتماعي بالنسبة لحكومته يتجاوز منطق "تدبير الأزمات" ليصبح خياراً سياسياً مؤسساتياً. وأكد السيد رئيس الحكومة أن تحسين دخل المواطن ليس ملفاً ثانوياً، بل هو في صلب بناء الدولة الاجتماعية، مشيراً إلى أن الإجراءات المتخذة منذ اتفاق 30 أبريل 2022، وصولاً إلى اتفاق 29 أبريل 2024، قد بدأت تؤتي ثمارها بشكل ملموس.
واستعرض السيد أخنوش بالأرقام حجم التعبئة المالية التي رصدتها الدولة، مؤكداً أن الحكومة عبأت موارد ضخمة ستصل إلى 46 مليار درهم في أفق سنة 2026، مما مكن من تحسين دخل حوالي 4.25 مليون مواطن، من بينهم مليون و250 ألف موظف في القطاع العام و3 ملايين أجير في القطاع الخاص.
أبرز المنجزات الحكومية المعلنة:
تحسين الأجور: رفع الحد الأدنى للأجر (SMIG) بنسبة 20% في القطاع الصناعي والتجاري، و25% في القطاع الفلاحي (SMAG)، مع إقرار زيادة عامة صافية قدرها 1000 درهم للموظفين.
الإصلاح الضريبي: مراجعة الضريبة على الدخل برسم قانون مالية 2025، برفع الشريحة المعفاة إلى 40 ألف درهم سنوياً، ما جعل الأجور التي تقل عن 6000 درهم معفاة تماماً.
ملف المتقاعدين: خفض عتبة الاستفادة من المعاش من 3240 يوماً إلى 1320 يوماً، والرفع من المعاشات بنسبة 5% بأثر رجعي.
الحماية الاجتماعية: وصول مجموع الإعانات المصروفة ضمن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر إلى 52 مليار درهم، لفائدة 3.9 مليون أسرة.
النقابات: مطالب "عادلة" لمواجهة غلاء المعيشة
في المقابل، ورغم إشادتها بانتظام جولات الحوار، اعتبرت المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية (الاتحاد المغربي للشغل، الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل) أن الظرفية الحالية تتسم بصعوبة بالغة تتطلب "نفساً جديداً" في الإجراءات الاجتماعية.
وتركزت مطالب النقابات على:
الزيادة العامة في الأجور: لمواجهة الارتفاع المتواصل في الأسعار.
تخفيض الضغط الضريبي: عبر مراجعة الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الاستهلاك للحد من غلاء المعيشة.
إصلاح أنظمة التقاعد: الرفع من المعاشات لتلائم الوضع المعيشي الحالي، مع ضمان حد أدنى للمعاش يوازي الحد الأدنى للأجور.
تجويد القوانين: مراجعة مدونة الشغل والأنظمة الأساسية لبعض القطاعات التي تعاني من "جمود" في الحوار القطاعي.
المشغلون: نحو مرونة تشريعية وقانون للإضراب
من جانبهم، ركز ممثلو الاتحاد العام لمقاولات المغرب والكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية على الجانب التشريعي والإنتاجي. حيث دعا السيد شكيب لعلج إلى ضرورة إخراج القانون التنظيمي للإضراب ومراجعة مدونة الشغل لتواكب تطورات سوق الشغل الحديثة. بينما نبه السيد رشيد بنعلي إلى معاناة القطاع الفلاحي من إشكاليات "الوسطاء" وغلاء المدخلات الفلاحية التي تنعكس مباشرة على أثمنة المواد الاستهلاكية كالفواكه واللحوم الحمراء.
آفاق مستقبلية: مراجعة المادة 197
وفي سياق متصل، كشف وزير الإدماج الاقتصادي، السيد يونس السكوري، عن قرار تشاركي هام يهم فئة "حراس الأمن الخاص"، حيث سيتم مراجعة المادة 197 من مدونة الشغل لإنصاف هذه الفئة التي تشتغل لساعات طوية بأجور لا تعكس مجهودها، مؤكداً أن الحكومة تعمل بجدية لتنفيذ مخرجات اتفاق 2024 رغم الظروف الموضوعية الصعبة.
تخلص جولة أبريل 2026 إلى أن الحوار الاجتماعي بالمغرب قد انتقل فعلياً إلى مرحلة "النضج المؤسساتي"، حيث بات الصراع يتمركز حول "كيفية تقاسم كلفة التنمية وحماية القدرة الشرائية"، في ظل توازن دقيق يسعى المغرب للحفاظ عليه بين الاستقرار الماكرو-اقتصادي والعدالة الاجتماعية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق