بقلم: محمد المخطاري
تعيش المملكة المغربية على إيقاع حركية استثنائية تتداخل فيها التحديات السياسية بالرهانات التنموية والدبلوماسية، ولعل أدق ما يمكن وصف هذه المرحلة به هو أنها مرحلة "المكاشفة والمسؤولية". فبينما تحصد الدبلوماسية الرسمية، تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، انتصارات غير مسبوقة في ملف وحدتنا الترابية نالت اعتراف كبريات العواصم الدولية، يبرز سؤال جوهري في الصالونات السياسية وفي عمق الشارع المغربي على حد سواء: كيف نحصّن هذه المكتسبات الخارجة؟ والإجابة ببساطة: عبر تطهير وتحصين الجبهة الداخلية.
إن المتابع لدفتر الشأن العام الوطني لا يمكنه أن يغفل حالة "الترقب المقلق" التي تسود الشارع مع اقتراب المحطات الانتخابية التشريعية. هذا القلق ليس نابعاً من غياب الوعي السياسي لدى المواطن المغربي، بل على العكس تماماً، هو نتاج وعي حاد بات يرفض الوعود الحبرية ويقيس كفاءة الأحزاب بمدى نزاهة منتخبيها ونظافة يدهم. لقد أظهرت ملفات الفساد المالي والإداري التي طفت على السطح مؤخراً، أن "سرطان" اقتصاد الريع وتجاوز القانون من طرف بعض النخب الانتهازية لا يهدد فقط السلم الاجتماعي، بل يمثل عرقلة حقيقية للمشروع التنموي الجديد.
من هنا، يكتسي الحزم المؤسساتي الأخير دلالة بالغة الأهمية. إن التنسيق المشترك والبروتوكولات الموقعة بين الأجهزة الرقابية العليا والقوى الأمنية لحماية المال العام، تمثل خطوة جبارة في الاتجاه الصحيح. هذه الشراكة المؤسساتية تبعث برسالة واضحة لا لبس فيها لكل عازم على الترشح أو تحمل المسؤولية: "السياسة تكليف لخدمة الصالح العام، وليست مطية للاغتناء غير المشروع أو نيل الحظوة". إن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة دون استثناء أو حصانة، من الوزير إلى عون السلطة، هو الترياق الوحيد الكفيل بإعادة منسوب الثقة إلى صناديق الاقتراع وتبديد مشاعر اليأس والعزوف.
وفي مقابل هذا الحزم الصارم ضد الفساد، تبرز على السطح جبهة أخرى لا تقل خطورة؛ وهي جبهة "صناعة الإحباط". ففي مناخ الحريات العامة المتقدم الذي ينعم به المغرب، تناسلت خطابات راديكالية ومنابر رقمية تبحث عن الإثارة وتعمّد التهويل، جاعلة من الفساد قاعدة لا استثناءً، ومشككة في نزاهة المؤسسات وحتى الأحكام القضائية. هذا الأسلوب الهدام لا يقدم نقداً بناءً ولا يطرح حلولاً، بل يسعى لتهيئة بيئة حاضنة للفتنة والقنوط. وهنا تقع على عاتق الإدارة والحكومة مسؤولية سد الثغرات عبر ترسيخ الثقافة القانونية والرد المقنع والمؤسساتي على شكايات المواطنين، لقطع الطريق أمام هؤلاء المتربصين باستقرار الوطن.
إن القوة الحقيقية للمملكة المغربية، في غياب الموارد النفطية، كانت وستظل في عمقها الحضاري، وتماسك مؤسساتها، وإرادتها السياسية الصلبة في الإصلاح والتحديث الديمقراطي وحقوق الإنسان. ولتأكيد هذه المكانة كدولة رائدة قارياً وإقليمياً، أصبح من الملحّ الإسراع بإخراج الترسانة القانونية المجرمة للإثراء غير المشروع (قانون "من أين لك هذا؟")، وتطهير الحقلين الجمعوي والإعلامي من الانتهازية، لفتح المجال أمام النخب الحية والكفاءات الوطنية الحقيقية لتصدر المشهد.
إننا أمام ثورة جديدة ومستمرة، يقودها ملك حداثي ديمقراطي ويلتف حولها شعب غيور وأجهزة وطنية مخلصة. معركة محاربة الفساد والاستبداد ليست ترفاً فكرياً أو شعاراً موسمياً، بل هي وجودية؛ فبقدر ما ننجح في تنقية إداراتنا ومجالسنا المنتخبة من "الجراثيم الدنيئة" التي تقتات على المال العام، بقدر ما سنبني مغرباً قوياً، مهاب الجانب، قادراً على فرض كلمته في المحافل الدولية وإقناع العالم، أكثر فأكثر، بعدالة قضاياه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق