قطار بني ملال: الثورة اللوجستية المرتقبة التي ستعيد رسم الخارطة الاقتصادية لجهة بني ملال-خنيفرة




بني ملال – القسم الاقتصادي

لم يعد مشروع ربط مدينة بني ملال بالسكة الحديدية مجرد وسيلة لتسهيل حركة المسافرين، بل بات يُنظر إليه كـ"شريان حياة" استراتيجي ومحرك أساسي للإقلاع الاقتصادي المنتظر. ومع إعلان وزارة النقل واللوجستيك عن حصر نهاية سنة 2026 كأجل أقصى لإنهاء الدراسات التقنية، يتطلع الفاعلون الاقتصاديون في الجهة إلى تحول جذري يعيد تمطين جهة بني ملال-خنيفرة في قلب الدينامية الاستثمارية للمملكة.
كسر العزلة اللوجستية: من الهامش إلى قلب المحور الاقتصادي
ظلت جهة بني ملال تاريخياً تعاني من "عزلة لوجستية" نسيبة مقارنة بالهوامش الساحلية للمملكة، مما أثر على جاذبيتها الاستثمارية رغم مؤهلاتها الضخمة.
الربط المباشر بمراكش وفاس سيعمل على:
  • خلق مثلث اقتصادي جديد: يربط وسط المملكة بشمالها وجنوبها عبر خط حديدي سريع وآمن.
  • خفض كلفة الإنتاج: النقل السككي يقلص تكاليف الشحن بنسب تتراوح بين 20% و30% مقارنة بالطرق البرية.
  • تسريع وتيرة التصدير: ربط المنطقة مباشرة بالموانئ الكبرى عبر الشبكة الوطنية.
الهندسة الاستراتيجية: ثلاث محطات لثلاث وظائف
حسب خطة التهيئة العمرانية لبني ملال الكبرى، لن يقتصر المشروع على نقل المسافرين التقليدي، بل سيعتمد على رؤية مندمجة تتوزع عبر ثلاث محطات رئيسية:
  1. محطة المدينة (بجانب الطريق المداري): لضمان تدفق سلس للمسافرين وتسهيل النقل الحضري والجهوي.
  1. محطة المطار: لربط مطار بني ملال بالشبكة الحديدية، مما سيعزز حركة الملاحة الجوية ويدعم القطاع السياحي.
  1. محطة "أكروبول" للسلع: محطة لوجستية مخصصة للشحن، تهدف إلى خفض تكاليف نقل المنتجات الفلاحية والصناعية التي تزخر بها المنطقة.
محطة "أكروبول": الدفعة القوية للقطب الفلاحي والصناعي
تعتبر محطة السلع المبرمجة في منطقة "أكروبول" حجر الزاوية الاقتصادي للمشروع. فجهة بني ملال خنيفرة تعد خزانًا فلاحيًا رئيسيًا للمغرب (إنتاج الحمضيات، الزيتون، الشمندر السكري، واللحوم الحليبية).
وجود محطة شحن متطورة سيمكن من:
  • تثمين المنتجات المحلية: تسهيل نقل المواد الأولية نحو مصانع التحويل الغذائي.
  • تطوير الصناعات الغذائية (Agro-industrie): جلب استثمارات وطنية ودولية لإنشاء وحدات إنتاجية كبرى بجوار محطة الشحن.
  • تقليل الهدر الفلاحي: سرعة نقل السلع الحيوية تضمن وصولها للأسواق الوطنية والدولية بجودة عالية.
تجارب وطنية ملهمة: نموذج القنيطرة والناظور يرسم ملامح مستقبل بني ملال
لا ينطلق الطموح التنموي لربط بني ملال من فراغ، بل يستند إلى نماذج وطنية ناجحة أثبتت فيها السكك الحديدية أنها المحرك الأول لتغيير الجاذبية الاستثمارية للمدن. ويتجلى ذلك بوضوح في تجربة مدينة القنيطرة، التي تحولت بفضل ربطها بـقطار البراق فائق السرعة إلى قطب صناعي دولي وقبلة لشركات السيارات العالمية، مستفيدة من سلاسة تنقل الكفاءات والربط اللوجستي السريع.
وفي ذروة الأشغال الحالية لمد خط القطار فائق السرعة القنيطرة-مراكش، تتأكد الرؤية الملكية في جعل السكك الحديدية رافعة أساسية للتنمية المجالية [1.2.2، 1.2.3].
وعلى مستوى نقل البضائع، يبرز نموذج إقليم الناظور؛ حيث شكل خط (تاوريرت - الناظور) منذ إطلاقه منعطفاً حاسماً لتنشيط الجهة الشرقية وتثمين منتجاتها المنجمية والفلاحية. ومع تقدم أشغال الربط السككي الجديد لميناء الناظور غرب المتوسط باستثمار يبلغ 4.3 مليارات درهم، يتضح كيف تساهم البنية السككية في تحويل أقاليم بأكملها إلى منصات تصديرية كبرى.
هذه القفزات التنموية تؤكد أن مشروع بني ملال سيسير على الخطى ذاتها، محولاً مؤهلات الجهة الفلاحية والسياحية الغنية إلى أرقام نمو ملموسة على أرض الواقع.
محطة المطار والمدينة: إنعاش الذهب الأخضر والسياحة الجبلية
الربط السككي عبر "محطة المطار" و"محطة المدينة" سيحدث ثورة في قطاع السياحة البيئية والداخلية:
  • تسهيل التدفقات السياحية: ربط بني ملال مباشرة بالقطب السياحي الأول "مراكش" سيسمح بتدفق السياح الأجانب نحو المواقع الطبيعية بالجهة (شلالات أوزود، بحيرة بين الويدان، جيوبارك مكون).
  • تنشيط الخدمات المحلية: انتعاش قطاعات الفندقة، دور الضيافة، الصناعة التقليدية، والمرشدين السياحيين بفضل سهولة الوصول وسرعته.
توفير الشغل وتثبيت الساكنة
على المستوى الاجتماعي، سيساهم هذا الرواج الاقتصادي في خلق آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، سواء في مرحلة التشييد أو مرحلة الاستغلال. هذا الاندماج الاقتصادي سيحد من الهجرة القروية وهجرة الكفاءات المحلية نحو المدن الساحلية الكبرى، عبر خلق بيئة عمل جاذبة ومستقرة محلياً.
إن مشروع قطار بني ملال ليس مجرد خط سكة حديد، بل هو بوابة التحول من جهة فلاحية تقليدية إلى قطب لوجستي وصناعي متكامل يساهم بفعالية في الناتج الداخلي الخام للمملكة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق