فاطمة الزهراء سلوان /متدربة
على بعد نحو عشرين كيلومتراً من مدينة زاكورة، يواصل دوار تامكروت منذ قرون صون مهارة حرفية متجذرة تحولت إلى إرث ثقافي وطني متميز، يتجسد في صناعة "الفخار الأخضر". وفي هذه البلدة الواحية، تدب الحياة في الطين لتتشكل منه إبداعات فريدة؛ فبين أنامل صناع تقليديين متمرسين، تتحول المادة الطينية إلى تحف فنية تعكس أصالة وخصوصية الهوية الثقافية لواحات الجنوب الشرقي للمملكة، حيث أضحى فخار تامكروت من أبرز رموز الصناعة التقليدية المغربية بفضل ألوانه المتدرجة بين الأخضر الداكن والبني، ومظهره الأصيل ذي الطابع التقليدي الفريد.
وحسب معلمي الفخار بالمنطقة، فإن اللون الأخضر الداكن الشهير الذي يميز هذا المنتج هو نتاج تقنية خاصة في الطلاء الزجاجي تعتمد على مواد طبيعية محلية، لاسيما المنغنيز وأكسيد النحاس والسيليكا ودقيق الشعير. وفي هذا الصدد، أوضح المعلم الصانع عبد الكريم آيت داني، أن عملية التصنيع تبدأ باستخراج الطين من محيط الوادي على عمق قد يصل إلى خمسة أمتار، مشيراً إلى أن هذه المادة الأولية تخضع لثلاث مراحل متتالية من التصفية والمزج بالماء، ثم يتم تشكيلها يدوياً باستعمال الدولاب التقليدي، قبل أن تجفف تحت أشعة الشمس لعدة أيام وتطهى إثر ذلك في أفران طينية، وهي طريقة عريقة تمنح الفخار مظهره الأصيل وقدرته العالية على مقاومة درجات حرارة قد تصل إلى 1000 درجة مئوية.
ولا تقتصر مهارة حرفيي تامكروت على صنع الأواني التقليدية المعتادة من قبيل الطواجن والجرار والصحون والمزهريات، إذ شهد القطاع تطوراً لافتاً بفضل إدخال تقنيات مبتكرة، لاسيما تزيين الفخار بالحناء، بما يضفي بعداً جمالياً جديداً على الإبداعات المحلية. ومن جهته، أبرز الصانع التقليدي سعيد آيت داني أن استعمال الحناء الممزوجة بالشاي والسكر، وأحياناً بالزعفران حسب رغبة الزبناء، وتثبيتها بطبقة من الورنيش، أضحى بصمة حصرية تميز تامكروت؛ حيث تشهد هذه المنتجات المعدة حسب الطلب إقبالاً كبيراً كتحف للزينة وهدايا راقية في المناسبات العائلية وحفلات الزفاف والتظاهرات المختلفة، مؤكداً أن الصناع المحليين يراهنون على الأصالة والجودة في مواجهة منافسة المنتجات الصناعية.
وبفضل هذا المزج المتناغم بين المهارة المتوارثة والابتكار، توفر ورشات تامكروت اليوم أكثر من 180 منتوجاً مختلفاً يشمل المزهريات والقصعات والشمعدانات وأغطية المصابيح وغيرها من قطع الديكور، وهو ما مكّن الفخار المحلي من ترسيخ مكانته وتحويل هذه الورشات إلى وجهة سياحية وثقافية بامتياز يقصدها الزوار المغاربة والأجانب، مما يجعل من الحرفة رافعة اقتصادية حقيقية تساهم في التنمية المستدامة والنهوض بالسياحة بجهة درعة-تافيلالت. وإلى جانب قيمته التنموية، يظل فخار تامكروت عنصراً هوياتياً أساسياً ينهل من التراث المحلي، حيث يواصل حرفيو المنطقة بكل فخر وشغف صون هذا الموروث العريق الذي تتداخل فيه الأرض والنار وبراعة الصانع لتشكيل تاريخ واحة بأكملها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق