بقلم محمد مبروك
قبل أن تصل الطرق المعبدة إلى معظم القرى، وقبل انتشار المحلات التجارية ووسائل النقل الحديثة، كان العطار المتجول واحداً من أبرز الشخصيات في العالم القروي والبوادي المغربية. كان حضوره حدثاً ينتظره الجميع، لأنه لم يكن مجرد بائع للسلع، بل كان جزءاً من الحياة اليومية للناس ووسيلة لربط القرى المعزولة بمحيطها.
ومن منا لا يتذكر، في دواوير وضواحي بني ملال، بأوربيع وآيت تيسليت وآيت سعيد وإيشو، ذلك العطار المشهور الذي عرفه الجميع باسم المرحوم المهدي؟ كان واحداً من أولئك الرجال الذين صنعوا لأنفسهم مكانة خاصة في قلوب الناس. كان حضوره مألوفاً ومحبوباً، ينتظره السكان كما ينتظرون ضيفاً عزيزاً، لما يحمله من حاجيات وأخبار وكلمات طيبة تنشر البهجة في أرجاء الدوار.
كان العطار يشد الرحال منذ الساعات الأولى من الصباح، محملاً على ظهر دابته مختلف الحاجيات الأساسية التي تحتاجها الأسر القروية؛ من السكر والشاي والتوابل والصابون والأعشاب الطبية إلى الحلوى والأقمشة وبعض الأدوات البسيطة. ويقطع مسافات طويلة عبر المسالك الوعرة والجبال والسهول ليصل إلى دواوير قد لا تصلها أي وسيلة أخرى.
ومن الذكريات الجميلة التي لا تزال عالقة في أذهان الكثيرين تلك الرائحة المميزة التي كانت تسبقه أينما حل وارتحل. فقد كانت دابته وأكياسه وملابسه تفوح بمزيج من روائح التوابل والعطور والأعشاب وماء الورد والعنبر، حتى إن بعض السكان كانوا يعرفون بقرب وصوله قبل أن يظهر للعيان. كانت رائحة تحمل معها بشائر الحركة والتجديد في حياة الدوار الهادئة.
وبمجرد وصوله، ينتشر الخبر بسرعة بين السكان. يخرج الأطفال لاستقباله طمعاً في قطعة حلوى أو لعبة بسيطة، بينما يقصده الرجال للاستفسار عن أحوال الأسواق وأخبار المناطق التي زارها. أما النساء فكن الأكثر التفافاً حول بضاعته، يبحثن عن الحناء والكحل والعطور التقليدية وماء الزهر والصابون البلدي وبعض وسائل الزينة البسيطة التي كانت تشكل آنذاك نافذتهن على عالم الجمال والأناقة.
وفي تلك اللحظات كان المكان يتحول إلى فضاء اجتماعي حقيقي. تتبادل النساء الأخبار والحكايات، ويتعرف الجميع على ما يحمله العطار من مستجدات وقصص من القرى والأسواق البعيدة. لذلك لم يكن حضوره مجرد مناسبة للتبضع، بل كان حدثاً اجتماعياً يكسر رتابة الحياة اليومية ويمنح الدوار حيوية استثنائية.
ولم تقتصر أهمية العطار على التجارة فقط، بل كان أيضاً ناقلاً للأخبار والرسائل بين القرى، ومصدراً للمعلومات في زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال الحديثة متاحة. كما عُرف بعلاقاته الإنسانية القوية مع السكان، إذ كثيراً ما كان يمنح الأسر ما تحتاجه من سلع بالدين، منتظراً موسم الحصاد أو بيع الماشية لاسترجاع مستحقاته. وكانت كلمته موثوقة وثقة الناس فيه كبيرة، في زمن كان فيه الوعد بمثابة عقد لا يحتاج إلى توقيع.
ومع تطور البنية التحتية وانتشار وسائل النقل والمتاجر الحديثة، بدأ دور العطار المتجول يتراجع تدريجياً إلى أن اختفى في العديد من المناطق. غير أن ذكراه ما تزال حية في وجدان أجيال كاملة عاشت تلك المرحلة، وتعتبره رمزاً للكفاح والأمانة وخدمة الناس.
ولعل المرحوم المهدي وأمثاله من العطارين المتجولين يجسدون خير تجسيد هذه المرحلة الجميلة من تاريخ البادية المغربية. فقد رحل الرجال وبقيت سيرتهم الطيبة، وبقيت قصصهم تتناقلها الأجيال كلما استحضرت زمن البساطة والتضامن والصدق في المعاملة.
إن الحديث عن العطار المتجول ليس مجرد استحضار لمهنة من الماضي، بل هو استرجاع لجزء من الذاكرة الجماعية للبوادي المغربية، حيث كان رجال بسطاء يؤدون أدواراً اقتصادية واجتماعية وإنسانية كبيرة بإمكانات محدودة. لقد كانوا جسراً بين العزلة والانفتاح، وبين الحاجة وتلبيتها، وحملوا على ظهور دوابهم ليس فقط السلع والبضائع، بل أيضاً الفرح والأخبار وروائح الزمن الجميل.
رحم الله أولئك الرجال الذين جابوا القرى والدواوير والمسالك الوعرة، وتركوا وراءهم ذكريات عطرة ما زالت تفوح في ذاكرة المغاربة كما كانت تفوح من حقائبهم ودوابهم ذات يوم، ورحم الله المرحوم المهدي الذي ظل اسمه محفوراً في ذاكرة أبناء أوربيع وآيت تيسليت وآيت سعيد وإيشو وكل من عرفه أو تعامل معه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق