قصبة تادلة... مدينة منكوبة بين امجاد الامس واهمال اليوم.

 



قصبة تادلة... مدينة منكوبة بين امجاد الامس واهمال اليوم.

         على الضفة اليمنى لوادي أم الربيع، حيث تتعانق مياه النهر مع خصوبة سهل تادلة، تقف مدينة قصبة تادلة شاهدة على تاريخ عريق، وشاهدة في الآن نفسه على مفارقة مؤلمة: مدينة تملك كل مقومات النهوض، لكنها ما تزال تراوح مكانها في دائرة الهشاشة والتهميش.

ذاكرة عسكرية وحضارية:

       لم تكن قصبة تادلة مجرد تجمع سكني عابر في خريطة المغرب، بل كانت، منذ تأسيسها على يد السلطان مولاي إسماعيل سنة 1687، مركزا عسكريا وإداريا استراتيجيا، أُريد له أن يراقب الطريق الرابط بين شمال البلاد وجنوبها. وحين وزّع مولاي إسماعيل حكم الأقاليم على أبنائه سنة 1700، ولّى ابنه أحمد الذهبي (العلوي) واليا على جهة تادلا، فوسّع القصبة وشيّد بها معالم اخرى، قبل أن يصبح سلطانا على المغرب بعد وفاة والده سنة 1727. وهكذا تحولت القصبة تدريجيا من ثكنة عسكرية إلى نواة حضرية متكاملة، انضم إليها "كَيش آيت الربع" ليمنحها كثافة سكانية وثقلا بشريا لافتا. ولم يقتصر دور المدينة على الوظيفة العسكرية، بل كانت لها إسهامات بارزة في حركة المقاومة الوطنية إبان الاستعمار، وهو ما يمنحها اليوم مشروعية رمزية تُضاف إلى مشروعيتها التاريخية.

         هذا الإرث المعماري النادر، بهندسته العجيبة وأسواره المرتفعة فوق الصخور، وبمسجديه ومخازنه وممراته السرية، لا يزال إلى اليوم يقاوم الإهمال أكثر مما يُصان. فالقصبة التي كان يُفترض أن تكون قبلة سياحية بامتياز، أسوة بقصبة الأوداية بالرباط أو قصبة شالة، تعاني غياب الكهرباء والماء في بعض أجزائها، وتراكم الأتربة على أزقتها، في مشهد يعكس تناقضا صارخا بين قيمة الموروث وواقع التدبير.

سهل خصب.. وهامش منسي:

           لا تقتصر مفارقة قصبة تادلة على بعدها التاريخي، بل تمتد إلى مواردها الطبيعية والبشرية، فالمدينة تقع في قلب إقليم من أغنى أقاليم المغرب، تمتد مراعيه الخصبة على مساحات شاسعة، واشتهر أهله بتربية الماشية وجودة التربة وكثرة المياه، إنها، بمعنى آخر، خزان فلاحي ومائي حقيقي، يغذي جزءا من الاقتصاد الوطني، لكنه لا يجني من هذا الغنى سوى فتات التنمية.

       فبينما تُصدَّر منتجات السهل إلى أسواق بعيدة، يبقى سكان المدينة يعانون ضعف البنيات التحتية، ومحدودية فرص الشغل، وهجرة الشباب بحثا عن أفق آخر، وهنا يكمن جوهر الإشكال: كيف يمكن لمجال بهذا الثراء الطبيعي والبشري أن يظل حبيس الهشاشة في التعليم والصحة والتشغيل والتجهيزات الأساسية؟ إنه سؤال لا يخص قصبة تادلة وحدها، بل يطرح نفسه على عشرات المدن المغربية الصغرى والمتوسطة التي تحولت، رغم ثرواتها، إلى هوامش منسية في خارطة التنمية الوطنية.

حين تتحول السياسة إلى عائق أمام التنمية:

      غير أن تفسير تهميش قصبة تادلة لا يستقيم من دون التوقف عند بُعد آخر، أقل ظهورا لكنه لا يقل خطورة: الصراعات السياسوية والحسابات الضيقة التي طبعت تدبير الشأن المحلي على مدى عقود، فالمدينة شهدت تعاقب مجالس منتخبة من ألوان حزبية متعددة، حملت كل واحدة منها وعودا انتخابية سخية، دون أن يترجم ذلك التناوب إلى قطيعة حقيقية مع واقع الإهمال، والملاحَظ أن جزءا كبيرا من الطاقة السياسية المحلية يُستنزف في صراعات النفوذ داخل المجالس المنتخبة نفسها، وفي خلافات حول رئاسة اللجان والمواقع التمثيلية، بدل أن يُوجَّه نحو تدبير تشاركي للملفات الكبرى.

       كما لا يمكن إغفال ما تكشفه بين الفينة والأخرى بعض القضايا المرتبطة بحسن التدبير والشفافية في تسيير الشأن المحلي، والتي تغذي لدى الساكنة شعورا متزايدا بالريبة تجاه المنتخبين، وتُضعف الثقة في قدرة المؤسسات المحلية على حمل مشاريع التنمية، وحين تتقدم الحسابات الحزبية الضيقة والتموقعات الشخصية على المصلحة العامة، يتحول المجلس المنتخب من رافعة للتنمية إلى ساحة صراع تستهلك الوقت والموارد وتُعطّل المشاريع، فيدفع سكان المدينة العاديون ثمن هذا التناحر في صورة بنيات تحتية متهالكة وخدمات عمومية غائبة، إن معالجة هذا البعد السياسي لا تقل إلحاحا عن معالجة العجز في التمويل أو البنيات التحتية، ذلك أن أي مشروع تنموي، مهما كان طموحا، سيبقى رهين إرادة سياسية محلية موحدة تتجاوز حسابات الفرد والفصيل إلى أفق المدينة ومستقبل ساكنتها.

من الذاكرة إلى المشروع:

        إن استحضار هذا التاريخ ليس ترفا نوستالجيا، بل هو تذكير بأن المدينة تملك من الرصيد الرمزي والمادي ما يؤهلها لتكون قطبا تنمويا حقيقيا، لا مجرد محطة عبور على الطريق الرابط بين بني ملال والدار البيضاء وبين فاس ومراكش، فترميم القصبة الإسماعيلية وتثمينها كمعلمة تاريخية وسياحية، وتأهيل البنيات التحتية، وخلق فرص استثمارية في المجال الفلاحي والصناعات المرتبطة به، ليست مطالب استثنائية، بل هي أبسط ما يمكن أن تحصل عليه مدينة بهذا الوزن التاريخي والاقتصادي، وتبقى هذه المطالب رهينة أيضا بتجاوز منطق الحسابات السياسية الضيقة نحو تعاقد محلي حقيقي يجمع مختلف الفاعلين حول أولوية واحدة: مصلحة المدينة.

            إن قصبة تادلة، بما تختزنه من ذاكرة وموارد، ليست في حاجة إلى معجزة، بل إلى إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار لهذا المجال، وتترجم غناه الطبيعي والتاريخي إلى تنمية ملموسة تشعر بها ساكنته، فالتاريخ وحده لا يُطعم الجائع ولا يُشغّل العاطل، لكنه يظل، حين يُستثمر بحكمة، رافعة رمزية واقتصادية لا يستهان بها، وتبقى المفارقة الكبرى قائمة: مدينة غنية بتاريخها ومواردها، فقيرة بما تحصل عليه من عناية أبنائها ومن يدبرون شأنها العام.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق