خنيفرة.. حين تتحول الذاكرة الأمازيغية إلى لغة بصرية

 



أطلس 24 |(ومع)

في قلب الأطلس المتوسط، لا تُختزل الذاكرة الأمازيغية في الحكاية الشفوية وحدها، بل تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية: في الأدوات البسيطة، والألوان المتوارثة، واللباس التقليدي، وفي كل ما راكمته الأجيال من أنماط عيش ظلت شاهدة على علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي والثقافي. إنها ذاكرة قد تبدو صامتة أحياناً، لكنها قادرة على استحضار عوالم كاملة من القيم والرموز والدلالات.

ومن هذا المنطلق، شكّل معرض إثنوغرافي احتضنه المركز الثقافي أبو القاسم الزياني بمدينة خنيفرة، نهاية هذا الأسبوع، محطة ثقافية لإعادة قراءة التراث الأمازيغي خارج القالب الاحتفالي العابر، عبر رحلة بصرية تقرّب الزائر من أسلوب عيش ساكنة الأطلس المتوسط، وتبرز عبقرية الصانع التقليدي في تطويع عناصر الطبيعة وتحويلها إلى أدوات تجمع بين الوظيفة والجمال والبعد الرمزي.

وضمّ المعرض قطعاً متنوعة من الألبسة التقليدية والأدوات الإثنوغرافية واللوحات الفنية وحروف تيفيناغ، قُدمت لا باعتبارها تحفاً جامدة، بل بوصفها شواهد حية على نمط حياة متكامل يعكس عمق الارتباط بالهوية والبيئة.

وفي هذا السياق، أوضح أحمد حميد، عضو مؤسسة روح أجذير الأطلس، أن هذا الموعد يندرج ضمن سلسلة من الأنشطة الثقافية الرامية إلى تعريف الزوار والمهتمين بالتنوع الثقافي والتراث الأمازيغي الذي يميز ساكنة الأطلس المتوسط، وتمكينهم من سبر أغواره والوقوف على أسلوب العيش الذي طبع حياة ساكنة إقليم خنيفرة.

وأضاف أن اختيار العرض الإثنوغرافي جاء لإبراز الذاكرة اليومية للمنطقة، باعتبارها فضاءً عرف عبر تاريخه التنوع والتعايش والتمازج الثقافي، مؤكداً أن القطع المعروضة تعكس علاقة متوازنة بين الإنسان وبيئته، قائمة على العمل والصبر والابتكار.

وأتاح المعرض للزوار فرصة الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية كما عاشتها ساكنة المنطقة، من خلال إبراز عناصر ارتبطت بالمجال المنزلي والحرفي والفلاحي، من بينها الزربية الزيانية الشهيرة، ومكونات المطبخ التقليدي، وأدوات الاستعمال اليومي التي كانت تؤطر إيقاع العيش داخل الأسرة والمجتمع.

ويأتي هذا العمل الثقافي في سياق تخليد رأس السنة الأمازيغية 2976، حيث اختار المنظمون أن يكون الاحتفاء مناسبة للتأمل في دلالاتها العميقة، وربط طقوسها بالذاكرة التاريخية والاجتماعية للمنطقة، بدل الاقتصار على مظاهر احتفالية ظرفية. كما شكل حضور الفن التشكيلي بعداً مكملاً لهذا الموعد الثقافي، إذ تفاعلت الألوان والرموز الأمازيغية مع الإبداع المعاصر في حوار فني مفتوح.

وفي هذا الإطار، أكد المحجوب نجماوي، رئيس جمعية لمسات فنية، أن مشاركة الجمعية تروم إبراز اهتمام الفن التشكيلي بالثقافة الأمازيغية باعتبارها موروثاً حضارياً غنياً، يتيح للفنان عوالم متعددة للاشتغال والتعبير.

وأوضح أن حرف تيفيناغ، والزربية، والأزياء الأمازيغية بألوانها الزاهية ورموزها التعبيرية، لا تستقطب فقط عين الفنان، بل تشد أيضاً انتباه المتلقي العادي، لما تحمله من حمولة جمالية ورمزية، معتبراً أن هذا التفاعل يعكس قدرة الثقافة الأمازيغية على التجدد والاستمرار.

ويعكس هذا المعرض، الذي نظمته مؤسسة روح أجذير الأطلس بشراكة مع فاعلين مؤسساتيين ومدنيين، توجهاً متنامياً نحو تثمين التراث الأمازيغي باعتباره رصيداً ثقافياً حياً، وعنصراً أساسياً من عناصر الهوية المغربية، الغنية بتعدد روافدها وتنوع تعبيراتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق