بني ملال — 20 ماي 2026
في إطار الانفتاح على محيطها الأكاديمي، وبناءً على البيانات الرسمية الحديثة للإحصاء العام للسكان والسكنى، شكلت رحاب كلية الاقتصاد والتدبير التابعة لجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، منصة لنقاش علمي رصين؛ حيث نظمت المديرية الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط، بشراكة مع الكلية، ندوة علمية وازنة تحت عنوان: "السياسات العمومية في ظل التحولات الديمغرافية والسوسيواقتصادية بجهة بني ملال خنيفرة".
وقد جاءت هذه الندوة، التي تزامنت مع إصدار التقرير الجهوي المعنون بـ "الدينامية الديمغرافية والسوسيواقتصادية بالجهة"، لتنقل التخطيط الترابي من بعده التقني الضيق إلى أفق استراتيجي يربط الأرقام الإحصائية بإنتاج العدالة الاجتماعية والترابية.
📊 التحول الديمغرافي: أرقام غير مسبوقة تفرض واقعاً جديداً
أبانت المداخلات العلمية المستندة إلى معطيات الإحصاء عن دخول جهة بني ملال خنيفرة مرحلة ديمغرافية انتقالية غير مسبوقة تتسم ببطء واضح في النمو السكاني، حيث لم يتجاوز معدل النمو السنوي نسبة ضئيلة جداً بلغت 0.02% خلال الفترة الممتدة بين 2014 و2024. هذا التباطؤ الديمغرافي رافقه انخفاض في متوسط حجم الأسرة ليتراجع إلى 4.1 أفراد، مدفوعاً بتغير الأنماط الزواجية وتراجع معدلات الخصوبة.
في المقابل، دق التقرير ناقوس الخطر حول "زحف الشيخوخة الديمغرافية" بالجهة؛ إذ قفزت نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق من 10% إلى 15.2%، وهو مؤشر سوسيو-اقتصادي ثقيل يضع السياسات العمومية المستقبلية، خاصة الرعاية الصحية والاجتماعية، أمام تحدٍّ حقيقي وملحّ.
⚖️ مفارقات التنمية: مكتسبات ملموسة وتفاوتات صارخة بين الحاضرة والقرية
رغم المكتسبات التنموية المحققة على مستويات عدة، إلا أن الأرقام كشفت عن فجوات عميقة بين الحواضر والأرياف تسائل نجاعة الاستهداف الترابي:
التعليم والأمية: سجلت الجهة تراجعاً إيجابياً في معدل الأمية العام ليبلغ 32% مقارنة بـ 39.1% في 2014، مع تسجيل نسبة تمدرس واعدة للأطفال بين 6 و11 سنة وصلت إلى 96.2%. غير أن هذا التحسن يصطدم بـ"مقاومة شرسة" للأمية في صفوف النساء جهوياً بنسبة تصل إلى 40.9%، وتصل إلى ذروتها بنسبة 56.6% لدى أرباب الأسر في العالم القروي.
سوق الشغل ونشاط النساء: كشفت المعطيات عن تراجع مقلق في معدل النشاط الاقتصادي من 43.7% إلى 37.3%، في ظل استمرار ضعف إدماج النساء في سوق الشغل بنسبة نشاط جهوية لا تتعدى 11.2%، مع تسجيل انهيار أكبر لدى المرأة القروية التي تراجع معدل نشاطها من 10.4% إلى 6.1% فقط خلال العقد الأخير، مما يعكس هيمنة العمل الهش وصعوبة ولوج الشباب لسوق العمل.
البنيات الأساسية وظروف العيش: حققت الجهة قفزة نوعية في الربط بالكهرباء بنسبة 95.8%، وتحسناً في التزود بالماء الصالح للشرب بنسبة 82.6%، وشبكات التطهير بنسبة 54%. لكن التفاوت يظل حاداً وصادماً؛ حيث تبلغ نسبة الولوج للماء الصالح للشرب 96.6% بالوسط الحضري مقابل 65.5% فقط بالوسط القروي، فيما تصل نسبة الربط بشبكات الصرف الصحي إلى 92.1% بالحواضر مقابل عجز شبه تام في القرى لا تتعدى فيه النسبة 7.6%.
الفقر متعدد الأبعاد: سجلت الجهة مؤشراً إيجابياً بانخفاض نسبة الفقر متعدد الأبعاد بـ 7.5 نقاط مئوية، خاصة في العالم القروي بفضل سياسات الاستهداف، غير أن التفاوتات الإقليمية المستمرة تثبت أن الفقر بالجهة ما زال "ظاهرة قروية بامتياز".
📑 تشريح علمي: السياسات العمومية في ميزان الأكاديميين
توزعت أشغال الندوة على جلستين علميتين شهدتا قراءات نقدية وموضوعية قدمها ثلة من الأساتذة والمسؤولين والمهندسين:
الجلسة الأولى (الاستهداف الترابي والرهانات الجيوسياسية): سيرها الأستاذ جواد الغلفقي، واستهلت بمداخلة المهندسة سلمى مجيب حول ملامح التحول الديمغرافي وتراجع الخصوبة. من جانبها، ركّزت الأستاذة عائشة العلوي على الاختلالات البنيوية الناتجة عن "التعاكس الديموغرافي" بين المدن والقرى، معتبرة إياه دليلاً على محدودية السياسات الاقتصادية السابقة في تحقيق التوازن المجالي وإدماج النساء قروياً. وفي سياق متصل، دعا الأستاذ محسن إدالي إلى صياغة سياسات عمومية أكثر مرونة وواقعية، قادرة على سد الفجوة بين النصوص القانونية وواقع التنزيل في ظل الأزمات الدولية (الطاقة والغذاء). فيما قدم المسؤول ابن سعيد بختاوي قراءة تحليلية في خريطة الفقر والهشاشة بالجهة.
الجلسة الثانية (السكن والعدالة التعليمية): ترأسها الإطار عبد الكريم أعرام، وافتتحتها المهندسة أمال الحرفي بتحليل تحولات بنية الأسر وظروف السكن وعصرنته ورصد الفوارق بين المدينة والقرية. وتلاها عرض المدير الجهوي للسكنى وسياسة المدينة، السيد عبد الرحيم لغماري، الذي استعرض أثر البرامج السكنية في محاربة السكن غير اللائق والصفيحي وتأهيل البنيات التحتية دعمًا للجهوية المتقدمة. واختتمت الجلسة بمداخلة الأستاذ صلاح الدين صالحي، الذي اعتمد على "نموذج لوجيستي" علمي لتحليل تحديات "العدالة التعليمية" لدى الشباب بين 15 و29 سنة، مبرزاً كيف تتحكم العوامل السوسيو-اقتصادية ومستوى تعليم رب الأسرة في استمرارية الهدر المدرسي.
🎯 بوصلة المستقبل: نحو نموذج تنموي جهوي مستدام
خلاصة القول: لم تكن هذه الندوة مجرد سرد جاف للأرقام والمؤشرات، بل شكلت محطة أكاديمية ومؤسساتية بامتياز لتقوية النقاش العمومي. إن معطيات إحصاء 2024 تضع الفاعل الترابي والسياسي بجهة بني ملال خنيفرة أمام حتمية تاريخية لإعادة التفكير في هندسة السياسات العمومية؛ عبر الانتقال من منطق تدبير "المجال التقني" إلى منطق "العدالة المجالية"، وصياغة جيل جديد من المشاريع التنموية القادرة على استيعاب التحولات الديمغرافية، ودمج مقاربة النوع، وتقليص الفوارق الحادة لضمان عيش كريم ومستدام لساكنة الجهة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق