شهدت العاصمة الرباط، يوم الثلاثاء 19 ماي 2026، محطة بارزة في مسار تجويد السياسات العمومية المرتبطة بملف الهجرة، حيث احتضن فندق "The View" بحي الرياض أشغال الندوة الوطنية المخصصة لتقديم نتائج الدراسة التحليلية والمقارنة حول "ترسيخ وتفعيل البعد الترابي للاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء (SNIA)" في أربع جهات رائدة بالمملكة المغربية وهي: الشرق، سوس-ماسة، طنجة-تطوان-الحسيمة، وبني ملال-خنيفرة. وقد تميز هذا اللقاء الرفيع، الذي نظمته المنظمة الدولية للهجرة (IOM) بالمغرب، بحضور وازن ومسؤول لعدد من الشخصيات الحكومية والدبلوماسية والجمعوية، من بينهم السيد يونس سكوري وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، والسيدة غيثة مزور وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، والسيد عبد الكريم مزيان بلفقية الكاتب العام لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، إلى جانب ممثل عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، والسيد إنريكي أوخيدا فيلا سفير إسبانيا بالمغرب، وممثلي الاتحاد الأوروبي وعدد من السفارات المعتمدة، فضلاً عن أطر المنظمة الدولية للهجرة تتقدمهم رئيسة البعثة بالمغرب السيدة لورا بالاتيني.
وقد شكلت هذه الندوة فرصة جوهرية لإبراز المكانة الاستراتيجية لجهة بني ملال خنيفرة في هندسة السياسات الهجرية المحلية، حيث تجسد ذلك من خلال المشاركة الوازنة لوفد عام يمثل هذه الجهة بروافدها المؤسساتية والترابية، وهي مشاركة تحمل دلالات قوية تعكس الانخراط الفعلي للجهة باعتبارها إحدى المناطق الأربع النموذجية المستهدفة بالدراسة، ومحوراً رئيسياً تتقاطع فيه ديناميات الهجرة المتنوعة من هجرة وافدة وعودة وتنقل داخلي، مما جعل حضور وفدها يغني النقاش حول كيفية ملائمة الاستراتيجيات الوطنية مع الخصوصيات السوسيو-اقتصادية للمجال المحلي. وفي سياق متصل، برزت الأهمية البالغة لمشاركة الفاعلين المحليين من خلال الحضور النوعي لجمعية ملتقى التنمية والهجرة "CARDEV-MIG"، وهو ما يكرس الدور المحوري لجمعيات المجتمع المدني كحلقة وصل أساسية وقوة اقتراحية قادرة على تحويل التوجهات النظرية إلى مبادرات ميدانية ملموسة، تساهم في تيسير ولوج المهاجرين للخدمات والارتقاء بالحكامة الترابية.
وفي هذا الصدد، أكدت السيدة لورا بالاتيني، رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة بالمغرب، أن الهجرة تُعاش قبل كل شيء داخل المجالات الترابية وبالقرب من الواقع الإنساني والاحتياجات اليومية للأفراد، مشيرة إلى أن العمل المشترك بين الفاعلين المحليين يتيح بناء استجابات أكثر شمولاً واستدامة تلبي تطلعات المهاجرين والمجتمعات المستضيفة على حد سواء، ومؤكدة على التزام المنظمة بمواكبة هذا التفكير ودعم التنسيق لتطوير سياسات عمومية منسجمة وفعالة. كما تقاطعت هذه الرؤية مع شهادات ممثلي المصالح اللاممركزة الذين شددوا على أن أنسنة السياسات والتركيز على البعد البشري يظلان أساس تفعيل البعد الترابي للهجرة لتقريب الخدمات من الفئات المعنية.
وقد أبرزت الدراسة المعروضة الممارسات الفضلى التي تم تطويرها في الجهات الأربع، حيث تميزت جهة الشرق بتسهيل الولوج إلى الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة، وتألقت جهة طنجة-تطوان-الحسيمة بمبادرات الحوار الثقافي والتكوين المهني، في حين شكلت جهتا سوس-ماسة وبني ملال-خنيفرة نموذجاً متقدماً في تعبئة الفاعلين الترابيين وتطوير المشاريع الهيكلية.
كما عكس إشراك المهاجرين في الدراسة تقييماً إيجابياً لانفتاح الفضاءات العمومية وجاهزية البنيات التحتية والأنشطة الترفيهية والرياضية التي تساهم في إدماجهم المحلي. ومع ذلك، لم تغفل الدراسة رصد جملة من التحديات المستمرة، وعلى رأسها النقص في الموارد البشرية المتخصصة على المستوى المحلي، والتعبئة غير المتكافئة للموارد المالية والاعتماد المستمر على التمويل الدولي، فضلاً عن غياب اختصاصات صريحة ومحددة في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية بشأن تدبير ملف الهجرة.
جدير بالذكر أن هذا اللقاء الوطني الهام حظي بدعم تقني ومالي من الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي من أجل التنمية (AECID) وبرنامج "التعاون في مجال الهجرة والشراكات من أجل حلول مستدامة" (COMPASS) الممول من طرف وزارة الشؤون الخارجية لمملكة هولندا، وقد خلصت أعماله إلى صياغة توصيات عملية تروم تعزيز الحكامة المحلية وإدماج الهجرة كعنصر بنيوي في مخططات التنمية والتدبير الترابي المستقبلي، بما يضمن استدامة المنجزات التي انطلقت منذ الإصلاحات الكبرى لعام 2013 بموجب التوجيهات الملكية السامية.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق