سفر علمي متميز: قراءة في نبض أطاريح القانون الخاص بمراكش

 



🖋 بقلم: محمد المخطاري

(تفاعلاً مع ما نشره الدكتور سعيد عبد الرحمان بلخضرة - الملالي الأصل والنشأة)
تظل الجامعة المغربية، وبشكل خاص كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش (جامعة القاضي عياض)، مشتلاً خصباً لإنتاج المعرفة القانونية الحية التي لا تنفصل عن واقعها المجتمعي والكوني. وتفاعلاً مع الطرح العلمي الراقي والراصد الذي دبّجه زميلنا وصديقنا الدكتور سعيد عبد الرحمان بلخضرة على جدار صفحته، يأتي هذا المقال التوثيقي كقراءة تزامنية في هذا "السفر العلمي المتميز".
إننا أمام ثلة من الأطاريح الوازنة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص؛ وهي مصنفات لم تقف عند حدود السرد النظري، بل غاصت في إشكالات مستعرضة تلامس التطور التكنولوجي، السيادة القضائية، الحماية الاجتماعية، والممارسة المسطرية، والتي نلخص أبعادها المعرفية والقضائية وفق المحاور التالية:
1. التحدي الرقمي: المسؤولية القانونية لأنظمة الذكاء الاصطناعي 
لم يعد الذكاء الاصطناعي ($AI$) مجرد رفاهية تكنولوجية، بل أصبح واقعاً يتدخل في الطب، والنقل، والقرارات الإدارية، والمالية. تكمن القيمة العلمية لهذه الأطروحة في بحثها عن "الذاتية القانونية" لهذه الأنظمة.
الإشكال المركزي: هل يمكن إسقاط القواعد التقليدية للمسؤولية التقصيرية أو العقدية على آلة تتخذ قراراتها بناءً على خوارزميات التعلم الذاتي؟
الأهمية: يسعى هذا البحث إلى سد الفراغ التشريعي وتحديد من يتحمل عبء التعويض أو العقاب عند حدوث الخطأ: أهو المبرمج، أم المستخدم، أم الشركة المصنعة، أم أننا بحاجة إلى مفهوم جديد لـ "الشخصية الإلكترونية"؟
2. أزمة السيادة والمرونة: قضاء التحقيق بين الانحصار الوطني والامتداد الدولي 
تتحرك الجريمة اليوم بسرعة فائقة وتخترق الحدود عبر الفضاءات السيبرانية وشبكات التهريب المنظم، بينما تظل القوانين محكومة بحدودها الإقليمية.
الإشكال المركزي: كيف يمكن لمؤسسة قضاء التحقيق المحكومة بمبدأ "السيادة الوطنية" الصارم أن تواجه جرائم عابرة للقارات؟
الأهمية: تبحث الأطروحة في الجدلية المعقدة بين حماية الضمانات الحقوقية للمتهم محلياً، وبين تفعيل آليات التعاون القضائي الدولي (كالإنابات القضائية الدولية، وتسليم المجرمين، وفرق التحقيق المشتركة) دون المساس بالسيادة الوطنية.
3. الأمن المجتمعي: جريمة التحرش الجنسي في القانون الجنائي المغربي 
يعكس هذا الموضوع تفاعل المشرع الجنائي مع التحولات السوسيولوجية وحرصه على حماية الحريات الفردية وكرامة العنصر البشري، خاصة بعد مستجدات القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء.
الإشكال المركزي: ما مدى نجاعة المقاربة الزجرية في الحد من ظاهرة التحرش الجنسي؟ وما هي الحدود الفاصلة بين الفعل الجرمي والممارسات العادية في غياب وسائل إثبات مادية قطعية؟
الأهمية: يقدم البحث دراسة نقدية للنصوص القانونية، مبرزاً التحديات الإجرائية والواقعية التي تواجه القضاء والأجهزة الأمنية في إثبات هذه الجريمة، وموازنة ذلك مع ضمانات المحاكمة العادلة.
4. الفلسفة الجنائية: السلوك الإجرامي؟ 
إن وضع علامة الاستفهام من طرف الدكتور سعيد لم يكن عبثاً، بل هو مدخل إبستمولوجي (معرفي) يسائل كنه الظاهرة الإجرامية في العصر الحديث، وهو ما استوقفني كثيراً في تدوينته.
الإشكال المركزي: ما هو "السلوك الإجرامي" اليوم؟ هل ما زال محصوراً في المظهر المادي الخارجي (الركن المادي الكلاسيكي)، أم أنه تحور واتخذ أشكالاً هلامية وافتراضية؟
الأهمية: تعيد هذه الأطروحة صياغة مفاهيم علم الإجرام والسياسة الجنائية، وتبحث في الدوافع النفسية والاجتماعية والتقنية التي تنتج مجرماً حديثاً (كقرصان المعلومات أو المحرض الرقمي)، مما يتطلب أدوات وقائية وعلاجية مختلفة تماماً عن المقاربات التقليدية.
5. استقرار العدالة: تفسير وتصحيح الأخطاء في المقررات القضائية الجنائية 
إذا كان الحكم القضائي هو عنوان الحقيقة، فإن القضاة بشر يخطئون، وقد تشوب أحكامهم أخطاء مادية أو غموض يتطلب التوضيح.
الإشكال المركزي: كيف يمكن التوفيق بين مبدأ "حجية الشيء المقضي به" واستقرار الأحكام، وبين ضرورة تصحيح الأخطاء المادية أو تفسير الغموض صوناً للعدالة؟
الأهمية: يلامس هذا البحث الممارسة القضائية اليومية في المادة الجنائية، ويسلط الضوء على المساطر القانونية المتاحة (مثل دعوى التفسير أو تصحيح الخطأ المادي)، مبرزاً كيف يساهم محيط المحكمة في صيانة الأمن القضائي وحفظ حقوق المتقاضين من الهدر جراء هفوات شكلية.
إن هذا السفر العلمي الذي أتاح لنا الدكتور سعيد عبد الرحمان بلخضرة فرصة التأمل في محطاته، يثبت أن البحث الأكاديمي في القانون الخاص بكلية الحقوق بمراكش يسير في خط تصاعدي يرفض الجمود. إنها توليفة موضوعية رائعة؛ بدأت بمساءلة "آلات المستقبل" (الذكاء الاصطناعي)، وانتقلت إلى "آليات العدالة" (قضاء التحقيق والمقررات القضائية)، لتغوص في "عمق الإنسان" وسلوكه (التحرش الجنسي والسلوك الإجرامي). هي باختصار، خارطة طريق تشريعية وقضائية تفاعلنا معها بكثير من الفخر والاعتزاز، متمنين للباحثين ولأستاذنا الفاضل دوام العطاء العلمي والتألق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق