بني ملال-خنيفرة: ثنائية الوالي والرئيس.. حين يُنهي التوافق زمن «شدّ الحبل» الترابي

 بني ملال-خنيفرة: ثنائية الوالي والرئيس.. حين يُنهي التوافق زمن «شدّ الحبل» الترابي




بقلم : محمد المخطاري

​في مغرب الجهوية المتقدمة، طالما كان التماسّ بين سلطة «المعيّن» ومشروعية «المنتخب» بؤرة للتوتر ومسرحاً لتجاذب الصلاحيات. غير أن جهة بني ملال-خنيفرة تعيش اليوم تفصيلاً مغايراً؛ هدوء لافت، تنسيق بلا استعراض، وتناغم يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل دخلت الجهة عهد النضج المؤسساتي بفضل «كيمياء» القيادة، أم أن جسامة التحديات التنموية فرضت هدنة إجبارية؟


​تقاطع البروفايلات: هدوء السياسي وحنكة الإداري

​منذ تنصيب السيد الوالي محمد بنريباك على رأس ولاية جهة بني ملال-خنيفرة، توارت إلى الخلف ملامح الصدام التي كانت تطفو تاريخياً بين الإدارة الترابية والمجالس المتعاقبة في جهات عدة. هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تلاقٍ دقيق بين شخصيتين فرض أسلوبهما واقعاً جديداً.

​على جهة التمثيل السياسي، يقدّم السيد عادل بركات، رئيس مجلس الجهة، نموذجاً للفاعل الحزبي غير المندفع؛ رصانة في التناول، ابتعاد واضح عن المزايدات الإعلامية، ونهج براغماتي يُفضّل استكمال المشاريع بهدوء على خوض المعارك الهامشية. وفي المقابل، لا يحتاج السيد الوالي إلى وقت لاكتشاف جغرافية الجهة أو تعقيداتها الاجتماعية، إذ يستند إلى رصيد إداري وميداني راكمه داخل دواليب وزارة الداخلية، ومعرفة متجذرة بخصائص المنطقة وتوازناتها القبلية والمجالية. هذا التقاطع الإنساني والمهني أذاب الجليد سريعاً، وحوّل العلاقة من مجرد «رقابة إدارية» إلى «مواكبة تشاركية».

​ملفات حارقة لا تحتمل رفاهية الصراع

​ليست الكيمياء الشخصية وحدها من يصنع هذا الاستقرار؛ فواقع الجهة الجغرافي والاقتصادي يفرض التنسيق كخيار وجودي:

​شبح العطش وإكراهات المناخ: تواجه الجهة ضغطاً حاداً على الموارد المائية يهدد حوض أم الربيع والمدارات السقوية في تادلة، وهو ملف يتطلب قرارات حاسمة تجمع بين تمويلات المجلس وتحركات سلطات الوصاية الاستعجالية.

​الجبل وفجوة الفوارق المجالية: يشكل أقاليم مثل أزيلال وخنيفرة اختباراً حقيقياً لمفهوم العدالة الترابية؛ فك العزلة، تأهيل المسالك القروية، وتوفير الخدمات الأساسية مهام تتطلب سرعة في التأشير وصرامة في الإنجاز.

​إنعاش الاستثمار والتشغيل: تحويل المؤهلات الفلاحية والسياحية (مثل جيوبارك مكون وشلالات أوزود) إلى فرص شغل فعلية يستدعي تكاملاً بين المخطط التنموي للمجلس والآليات التنفيذية للمصالح اللاممركزة التابعة للولاية.

​إعادة صياغة العلاقة: من الشكليات إلى الفاعلية

​تاريخياً، ارتبطت علاقة الولاة برؤساء الجهات بنزعة الحفاظ على النفوذ؛ كان الوالي يرى في نفسه حامي هيبة الدولة وصاحب القرار الفعلي، بينما ينظر المنتخب إلى الوالي كعائق بيروقراطي يحدّ من طموحه الشعبي. في المشهد الملالي الراهن، يبدو أن هناك قراءة أكثر نضجاً لروح الدستور والقانون التنظيمي للجهات:

​المجلس يخطط ويبادر، والولاية تنسّق وتُيسّر.

​هذا التوزيع العملي للأدوار أفرز انسيابية ملحوظة؛ فالدورات العادية والاستثنائية للمجلس باتت تمر في أجواء من التوافق، ومشاريع «برنامج التنمية الجهوية» لم تعد تصطدم بالفيتو الإداري، لأن المشاورات المسبقة أصبحت قاعدة العمل قبل الخروج إلى العلن.

​ما وراء الانسجام.. امتحان الاستدامة

​يبقى الرهان الحقيقي أمام هذا النموذج ليس فقط في الحفاظ على برودة الأعصاب داخل المكاتب المكيفة، بل في تحويل هذا التناغم إلى مشاريع ملموسة يشعر بها المواطن في أعالي قمم أزيلال وهوامش الفقيه بن صالح وسهول خريبكة وبني ملال وخنيفرة.

​لقد أثبتت التجربة أن انسجام «المعيّن» و«المنتخب» ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل هو الشرط الأول لأي إقلاع اقتصادي جهوي، وربما تكون تجربة بني ملال-خنيفرة اليوم درساً عملياً مفاده: حين تتوارى الذاتيات السياسية وتغيب النزعة البيروقراطية، تصبح التنمية الترابية أمراً قابلاً للتحقق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق