​حين يصنع العدم نخبته: كيف نُسلّم رقابنا لخمس سنوات أخرى من الرداءة؟


​حين يصنع العدم نخبته: كيف نُسلّم رقابنا لخمس سنوات أخرى من الرداءة؟




 منصة أطلس 24 | مقال رأي

بقلم: محمد المخطاري


​ليس هناك نعتٌ يُجمّل المشهد، ولا مساحيق قادرة على مواربة الحقيقة المُرّة: نحن نقف مجدداً أمام موسمٍ مُعلنٍ للرداءة، يُطبخ على نار الانتهازية، ونعلم سلفاً مَن سيلتهم الغنيمة ومَن سيدفع الفاتورة من مستقبله وكرامته.

​الحديث اليوم لم يعد ترفاً فكرياً عن برامج حزبية أو مشاريع مجتمعية؛ الحديث الصادم والواجب خوضه بجرأة هو عن "عاهات سياسية" رُمي بها إلى واجهة المشهد، كائنات أفرزها قاع الريع وشبكات المصالح الضيقة، لا تملك من رصيد سوى شيكات مالية مشبوهة، أو ملفات محشوة بالخروقات والشبهات، أو قدرة بئيسة على حشد الولاءات في أسواق النخاسة الانتخابية. كيف لعاقل أن يرتجي تشريعاً ينقذ تعليماً محتضراً أو يصلح منظومة صحية متهالكة من شخص يعجز حتى عن تركيب جملة مفيدة بلغة القانون، أو من كائن يعتبر الحصانة البرلمانية مجرد "مظلة واقية" تحميه من المساءلة وتفتح أمامه أبواب الصفقات؟

​المفارقة ليست في جسارة هؤلاء على الترشح، بل في الوقاحة التي يتحركون بها في الميدان؛ يدركون يقيناً أن كرسي القرار لا يحتاج إلى كفاءة مادام "السوق" مضبوطاً بقواعد العرض والطلب. إنهم يحفظون المعادلة عن ظهر قلب: حين يستقيل الوعي، وتكتفي الفئات الحية والشباب بالتأفف والعدمية خلف الشاشات، تتقلص الكتلة الناخبة الحقيقية، ويصبح الحسم رهين بضع مئات أو آلاف من الأصوات الهشة، تُشترى بوليمة عابرة، أو ورقة نقدية مهينة، أو وعد زائف في أزقة التهميش. هذا الفراغ القاتل هو الأكسجين الذي تتنفسه هذه الكائنات؛ فالمقاطعة السلبية لم تكن يوماً عقاباً للمفسدين، بل كانت دائماً أثمن هدية تُقدّم لهم على طبق من ذهب.

​لكن تشخيص الداء دون وصف الدواء لا يعدو كونه بكاءً على الأطلال؛ فما المخرج من هذا النفق المظلم؟

​إن كسر هذه الحلقة المفرغة يمر حتماً عبر استراتيجية هجومية تفكك منظومة الريع:

​كسر معادلة الأرقام: الحل المباشر لا يكمن في الانسحاب، بل في المشاركة الكثيفة والتصويت العقابي الواعي. حين يتضاعف عدد المصوتين، ترتفع العتبة الانتخابية إلى حدود تعجز معها خزائن "أصحاب الشكائر" عن شراء الحسم، وتنهار حسابات السماسرة أمام طوفان الأصوات الحرة.

​المساءلة الميدانية والسلاح الرقمي: إسقاط الهالة عن هؤلاء المرشحين بمواجهتهم مباشرة بالأسئلة الحارقة حول ذممهم المالية وحصائلهم السابقة، وتوظيف التوثيق الرقمي لفضح محاولات شراء الأصوات وخرق القوانين بالصوت والصورة، وتعرية الوعود الكاذبة أمام الرأي العام.

​النزول إلى الميدان وبناء البديل: السياسة لا تعترف بالفراغ؛ ومادامت النخب المتعلمة والشباب يمارسون "الترف المعرفي" من وراء الشاشات، ستظل الكراسي محتلة. الحل يفرض اقتحام الفضاء العام، والانتظام في أطر مدنية وحزبية، والضغط لفرض وجوه نزيهة وكفاءات تملك مشروعاً حقيقياً.

​ترسيخ الوعي الاقتصادي بالصوت: إدراك المواطن البسيط أن الورقة النقدية أو "الوليمة" الانتخابية ليست سوى ثمن مقبوض مسبقاً لحرمانه من مستشفى لائق، وتعليم جيد لأبنائه، وبنية تحتية كريمة، وكرامة تداس لخمس سنوات قادمة.

​المحاسبة ما بعد الصندوق: معركة التغيير لا تنتهي يوم الاقتراع؛ بل تبدأ برصد التدبير المحلي، وتتبع الصفقات، وتفعيل آليات العرائض والمطالبة بإسقاط كل من تحوم حوله شبهات فساد أو سوء تسيير.

​وغداً، حين تضيق سبل العيش وتنهار الخدمات، لن يكون هناك مجالٌ للتباكي؛ فالمجالس التمثيلية لا تسقط من السماء، بل هي مرآةٌ دقيقة لخياراتنا، وسكوتنا، واستقالتنا الجماعية. وإذا كنا اليوم نرى الهاوية بأعيننا، فإن ردم المستنقع الذي تتغذى عليه الرداءة بملء الفراغ ورفع كلفة الفساد هو السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من مستقبلنا، وإزاحة هذا الكابوس الجاثم على صدورنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق