تعود إلى الواجهة من جديد إشكالية المركز والهامش، لا في توزيع الثروات أو البنيات التحتية هذه المرة، بل في قلب ورش التنظيم الذاتي للمشهد الإعلامي؛ حيث تدق عملية هيكلة المجلس الوطني للصحافة ناقوس الخطر إزاء تكريس واقع إعلامي بـ«سرعتين»: محور مركزي يحتكر القرار والتمثيلية، وجهات بأكملها—من الصحراء إلى الشرق والريف والجنوب العميق—تجد مقاولاتها الصحفية على رصيف الانتظار، وكأن صياغة ميثاق المهنة شأن يخص شارعاً أو جهة معلومة دون سواها.
لقد ظل الرهان الدستوري والسياسي للمغرب منذ سنوات يدور حول «الجهوية المتقدمة» ومحاصرة منطق التمركز الإداري. غير أن الرياح التي تهب اليوم على تدبير انتداب ممثلي الناشرين تعاكس هذا المسار، إذ تصطدم مقاولات إعلام القرب في الأقاليم بمساتر بيروقراطية مشددة، ومحددات زمنية ووثائقية تبدو في ظاهرها مساطر تنظيمية محايدة، لكنها في واقع الأمر شروط تعجيزية صيغت على مقاس مؤسسات كبرى تتخذ من محور الدار البيضاء–الرباط مستقراً لها.
إن اختزال صحافة الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة في مجرد «أرقام» تعجز عن مجاراة دفاتر تحملات المركز، يتجاهل الدور الترافعي والوطني الحاسم الذي تؤديه هذه المنابر. فهذه المقاولات الصغرى والمتوسطة ليست عبئاً على المشهد، بل هي خط الدفاع الأول ضد التضليل، وحائط الصد الميداني للترافع عن القضايا الترابية والوطنية، وصوت المواطن الحقيقي في الهامش الجغرافي. وإن إقصاءها تحت لافتة «الآجال الصارمة» و«المعايير الهيكلية» لا يخدم تجويد المهنة، بل يقود مباشرة إلى ما وصفته أوساط مهنية بـ«مجزرة التعددية».
إن مصداقية أي هيئة للتنظيم الذاتي تستمد قوتها من شمولية التمثيل وعدالة الانتداب. فالمجلس الوطني للصحافة لا يمكن أن يعكس هوية المغرب التعددي إذا كانت بنيته تُبنى بعين واحدة ترى المركز وتغض الطرف عن الجغرافية الوطنية برمتها. إن بناء صحافة قوية وأخلاقية لا يستقيم عبر وأد إعلام القرب، بل عبر احتضانه وتهيئة مسارات عادلة لمشاركته.
لقد حان الوقت للقطع مع عقدة «المحور الأوحد»، وتعديل البوصلة التنظيمية بما يضمن ألا يُحرم ناشرو الجهات والأقاليم الصحراوية من مقاعدهم المستحقة في بيتهم المهني المشترك، تفادياً لتكريس قطيعة رمزية تجعل المهنة تعيش على وقع إعلام «المركز المدلل» وإعلام «الهامش المقصي».

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق