صهوة الأوهام وسقوط الميدان: قراءة تجمعية من الداخل
في حصيلة المنصوري ببني ملال
بقلم: مسؤول محلي بحزب التجمع الوطني للأحرار
حين يتصدر المرء واجهة العمل السياسي، ويتقلد
زمام التنسيق الجهوي لحزب بحجم التجمع الوطني للأحرار في ربوع جهة وازنة كبني ملال
خنيفرة، فإن منطق العقل والمسؤولية يفرض أن تكون الخطوات محسوبة، والوعود مبنية
على قراءة رصينة وموضوعية لنبض الشارع وموازين القوى. لكن ما جرى معنا داخل
التنظيم بفعل تدبير السيد خالد المنصوري يعكس بامتياز تلك الحالة التي يصاب بها
بعض "مسؤولي الصدفة"، ممن يعيشون في أبراج عاجية، منفصلين تماماً عن
واقع الأرض وتضاريسها السياسية المعقدة.
لقد ظل السيد المنسق الجهوي يمني قيادة الحزب
المركزية بوعود واهية، وخطابات حالمة، مسقاة من خياله الواسع، مؤكداً لنا في كل
مناسبة وقبيل الاستحقاقات الانتخابية التشريعية الماضية أنه الكاريزما القادرة على
قلب الطاولة، واختراق الحصون، وتصدر المشهد الانتخابي بإقليم بني ملال وجهته ككل.
استبشرت القيادة ومناضلو القواعد خيراً بتلك التقارير الوردية، متكئة على لغة
أرقام وهمية لا وجود لها إلا في مخيلة من صاغوها.
ولم يكن الفشل وليد مفاجئ لصدفة عابرة، بل كان
نتيجة حتمية لهندسة تنظيمية عمياء؛ إذ أحاط السيد المنصوري نفسه بفريق مقرب يفتقر
أبسط مقومات العمل الحزبي الجاد: فلا هو يمتلك التجربة السياسية التي تخول له
قراءة موازين القوى وفهم نفسية الشارع، ولا يتوفر على الاحترافية الإدارية لتسيير
الشأن الحزبي وتدبير محطاته الكبرى بحكمة، والأدهى من ذلك، أنه يعاني من عقم في
"اللسان النصوح"؛ إذ غابت عن دائرته الضيقة الأصوات الحية الصادقة التي
تنير الطريق وتواجه الأخطاء بشجاعة، لتقتصر الحاشية المحيطة به على أصوات التملق
وبيع الأوهام، وتلك للأسف هي آفة القيادة حين تستبدل الحكماء بأهل الولاء المطلق
والمصالح الضيقة.
لكن، هيهات؛ فصناديق الاقتراع لا ترحم
المتاجرين بالشعارات، والشارع البني ملالي أبى إلا أن يقول كلمته الفاصلة بلسان
الواقع لا الأمنيات. لقد جاءت النتائج صادمة، بل ومزلزلة بالنسبة لنا كأبناء
الحزب؛ إذ لم يقتصر الأمر على مجرد خسارة مدوية للسيد المنصوري، بل تعدته إلى جر
الدوائر الانتخابية المجاورة إلى مستنقع الهزيمة المذلة، مفرطاً في مقاعد كان
الحزب يعول عليها، ومبدداً رصيداً سياسياً بنته قواعدنا النضالية المخلصة على مدى
سنوات طويلة من التعبئة الميدانية الصامتة.
وأمام هول هذه السقطة المدوية، لم يعد مجدياً
بالنسبة لنا كغيورين الاكتفاء بتفسير ما جرى على أنه مجرد تعثر انتخابي عابر، بل
تحولت خيبة الأمل داخل القواعد التجمعية إلى غليان مكتوم واستنكار عارم. وفي
كواليس الحزب، ذهب أحد الغيورين منا إلى حد التعبير بسوداوية بالغة، لكنها واقعية
في نظر كثيرين منا، حين أكد أن "خالد أمام هذه الوضعية كأنه جاء إلى صفوف
الحزب لتدبير هدمه من الداخل بمهارة تقية بارعة"، مستغلاً موقعه التنظيمي
لتنفيذ أجندات أطاحت بكل رهانات الحزب في الإقليم والجهة.
إن ما جرى في بني ملال خنيفرة يجب أن يكون درساً
بليغاً لكل القيادات الحزبية الوطنية، عبر ضرورة القطع مع سياسة النفخ في الشخصيات
الافتراضية، وربط المسؤولية بالمحاسبة الحقيقية لكل من يبيع الوهم للقيادة
المركزية، ويقود القواعد نحو الهاوية نزولاً عند مصالح ذاتية ضيقة. فالحزب الذي
نناضل فيه طموحاً لخدمة الوطن والمواطنين لا يمكنه أن يتقدم للأمام وهو متروك
بأيدي من يتقنون فن الخطابة الفارغة ويهندسون الهزائم على طبق من ذهب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق