مقاولات جهة بني ملال خنيفرة: صمود في وجه "الإقصاء" وسط ركود المؤسسات التمثيلية
الغرفة الجهوية: بين انتظارية الهياكل ودينامية الميدان
تتقاطع الأرقام الصادمة التي كشفت عنها الدراسة الوطنية "المحرك المعطَّل" مع الواقع المعيش للمقاولات بجهة بني ملال خنيفرة، حيث تواجه المقاولات الصغيرة جداً (TPME) تحديات وجودية تجعل من بلوغ السنة الخامسة من النشاط إنجازاً صعب المنال لـ 70% منها. هذا النزيف المقاولاتي لا يعكس فقط هشاشة بنوية، بل يسلط الضوء على "عطب" في أدوات المواكبة الجهوية، وعلى رأسها الغرفة الجهوية للصناعة والتجارة والخدمات.
رغم الدينامية التي تحاول برامج الدعم الجهوية تسويقها، إلا أن 95% من المقاولات بالجهة تجد أبواب البنوك موصدة في وجهها. في أقاليم بني ملال، الفقيه بن صالح، خنيفرة، أزيلال وخريبكة، تعتمد أغلب المقاولات الصغرى على "التمويل الذاتي" المحدود، مما يحد من قدرتها على التوسع ويجعلها عرضة للإفلاس السريع عند أول أزمة سيولة. وينضاف إلى هذا العائق المالي تأخر رقمي حاد، إذ إن 80% من مقاولات الجهة تفتقر لحضور إلكتروني، وهو ما يحرم المنتجات المجالية والسياحة الجبلية التي تميز المنطقة من الانفتاح على أسواق وطنية ودولية أرحب، محولةً إياها إلى جزر اقتصادية معزولة.
إن هذه المعطيات تضع "الغرفة الجهوية للصناعة والتجارة والخدمات" بجهة بني ملال خنيفرة أمام مسؤوليتها التاريخية؛ فالمؤشرات تعكس نوعاً من الركود في أداء هذه المؤسسة التمثيلية التي يُفترض أن تكون المحرك والمدافع الأول عن المقاول الصغير. ويظهر هذا الركود في مستويات عدة:
ضعف الترافع التمويلي: بقاء 95% من المقاولات خارج النظام البنكي يسائل دور الغرفة كواسطة ومفاوض مع المؤسسات المالية لخلق خطوط ائتمان جهوية بضمانات مرنة تراعى فيها خصوصية المقاول المحلي.
البطء في التحول الرقمي: إن عجز 80% من المقاولات عن ولوج الفضاء الرقمي يكشف عن غياب استراتيجية جهوية قوية للغرفة لمواكبة التجار والمهنيين وتكوينهم في آليات التسويق الإلكتروني، مما يكرس "الهشاشة الرقمية".
استمرار "القطاع غير المهيكل": مع اشتغال نحو 41% من المقاولات في القطاع غير المهيكل بالجهة، يظهر عجز الغرفة عن تحويل "الرسمية" إلى ميزة تنافسية، حيث لا يزال المقاول يرى في الانخراط في الغرفة أو السجلات الرسمية عبئاً ضريبياً لا يقابله دعم في الولوج للطلبيات العمومية أو الحماية من الإفلاس.
إن تمثيل المقاولات الصغيرة جداً لـ 97% من النسيج المقاولاتي بالجهة يعني أنها "القلب النابض" للاقتصاد المحلي، لكنه قلب يعاني من انسداد في الشرايين التنموية الكلاسيكية. إن استمرار "الدينامية البطيئة" للغرفة الجهوية والاكتفاء بالأدوار الإدارية البروتوكولية يهدد طموحات النمو الشامل والمستدام في الجهة.
يتطلب الوضع اليوم خروج الغرفة من "مكتب الانتظارية" إلى "ميدان المبادرة"، عبر تفعيل دبلومسية اقتصادية جهوية تفرض إدماج المقاول الصغير في المشاريع المهيكلة للجهة، وتوفر له "حصانة رقمية وتمويلية" تحميه من شبح الإفلاس المبكر. فبدون إصلاح جذري لأدوات المواكبة، سيبقى 97% من النسيج الإنتاجي في جهة بني ملال خنيفرة محركاً معطلاً ينتظر من يحركه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق